مؤتمر صحافي جمع كثيرًا من المهتمين بعالم التكنولوجيا ومستقبل الاتصالات في العالم، في غرفة واحدة برفقة ستيف بالمر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة مايكروسوفت. ربما لم يدر في خلد بالمر من قبل أنه سيضطر بنفسه إلى إعلان وفاة الشركة التي كانت، منذ سبع سنوات فقط، تسيطر على 40٪ من مبيعات الهاتف المحمول في العالم.

بكثير من العاطفة والدموع، اُعلنت نهاية عصر العملاق الفنلندي، بعد فترة قصيرة من استحواذ مايكروسوفت الأمريكية عليه. قال بالمر في معرض حديثه عن تاريخ نوكيا، إنهم لم يقوموا بعمل شيء خاطئ في الشركة، لكنهم كانوا غير قادرين على التعلم بشكل أسرع يواكب تطور التكنولوجيا في العالم.

في الوقت الذي كانت تصر نوكيا فيه على استخدام نظام تشغيل سيمبيان، كان مطورو أندرويد في وادي السيليكون، يغزون العالم بنظام تشغيل أسرع وأكثر كفاءة، مع خيارات مختلفة من حيث السعر والجودة. رحل الناس عن حرم العملاق الفنلندي ولم يعد يطوف في ساحته إلا القليلون من أصحاب الولاء والبعض ممن قادهم الحظ العثر لشراء هاتف بنظام تشغيل متأخر عدة سنوات عن أقرانه في السوق؛ أندرويد وآي أو إس.

قصة نوكيا ليست فريدة من نوعها؛ فالسنوات العشر الأخيرة شهدت إزاحة الكثير من الملوك عن عروش حكموها لسنوات طويلة امتدت إلى عقود في بعض الأحيان. على خلاف الديكتاتوريات السياسية التي يكون الرهان فيها على قمع الحاكم، في ديكتاتوريات الأعمال، يكون الرهان على قدرة الشركات على مواكبة التطور، والركض في مضمار يتسابق فيه عدد غير محدود من مطوري تطبيقات الويب والهواتف الذكية.

عندما يشاء القدر، يمكن لفتى لم يتجاوز العشرين من عمره في غرفته بالسكن الجامعي بجامعة هارفارد بمدينة بوسطن العريقة، وعبر خوارزمية أنشأها على حاسبه الشخصي، أن يكتب نهاية عصر ماي سبيس، الذي كان يسطير على سوق الشبكات الاجتماعية حينها كأكبر منصة للتواصل الاجتماعي، ويبدأ عصر فيس بوك والذي تحول في سنوات قليلة للغاية إلى إمبراطورية تتحكم في مليارات الدولارات من الأعمال حول العالم.

تبدأ القصة عادة بسؤال خطير: ماذا لو لم يكن من المفترض أن تُقدم الخدمة بهذا الشكل؟ ماذا لو أمكننا أن نقدم الخدمة أو المنتج بشكل أفضل للعملاء؟ في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تشاهد الأفلام على شرائط الفيديو المستأجرة، كانت شركة بلوك باستر تحقق أرباحًا خيالية بصفتها المحتكر الأكبر لتأجير شرائط الفيديو في أمريكا. انشغلت بلوك باستر بجمع الأرباح ولم تمتلك الوقت الكافي لتسأل السؤال الحتمي عن المستقبل؛ هل سيظل الناس يستأجرون شرائط الفيديو إلى الأبد؟ لم ترَ بلوك باستر حينها أنه يمكن أن تكون هناك طريقة أخرى لمشاهدة الأفلام، رييد هاستنجس كان له رأي آخر تمامًا.

هاستينجس هو مؤسس نيتفلكس، الشركة المتخصصة في بث الأفلام والمواد الترفيهية من خلال الإنترنت. ما فعله هاستينجس كان عبقريًا كفاية ليسحب البساط من تحت أقدام بلوك بوستر ويدفعها بثقة نحو الإفلاس المحتوم. وجد هاستينجس الإجابة في بث المحتوى المرئي على الإنترنت مقابل اشتراك شهري بدلًا من وجود مراكز بيع وتوزيع واستئجار وإدارة عمليات التأجير والاسترجاع، والآلاف من العاملين حول أمريكا، الحل ببساطة أن تقوم نيتفلكس برفع المحتوى على الإنترنت وكل من يريد مشاهدته يستطيع القيام بالأمر من المنزل مقابل دفع مبلغ بسيط من المال لا يتعدى سبعة دولارات شهريًا.

لم تعان ديكتاتوريات الأعمال من شخص، كمعاناتها من ثورة الراحل ستيف جوبز على كل شيء. ربما شكلت أجهزة مثل آي بود وآي فون وأي ماك كوابيس للمديرين التنفيذيين لشركات التقنية الأكبر في العالم من مايكروسوفت وصولًا إلى نوكيا، إحدى ضحايا ثورة ستيف جوبز كانت شركة سوني التي ظلت لسنوات طويلة تسيطر على مبيعات أجهزة الاستماع إلى الموسيقى، لم يصمد الوكمان بالطبع كثيرًا أمام الآي بود وتقنيات التخزين السحابي للموسيقى للاستماع إليها في أي مكان وفي أي وقت، بمجرد تشغيل ماكينة صغيرة لا تتجاوز حجم راحة اليد.

لم تنته كل القصص نهايات مأساوية. شركة موتورولا فشلت في المنافسة في سوق الهواتف الذكية، لكنها ظلت محتفظة بمكانتها في عالم الاتصالات وصيانة وتركيب شركات الاتصلات العملاقة في العالم. مايكروسوفت كذلك لم تستطع المنافسة بشكل كبير في مجال الهواتف الذكية، لكنها ما زالت المطور الأهم لتطبيقات الحاسوب الشخصي في العالم، وعلى الجانب الآخر هناك من قرروا الانسحاب أو بيع الخدمات مقابل الانضمام لكيان أكبر، أو إعلان الإفلاس. ولعل آخر المنضمين للقافلة كانت شركة ياهوو أحد أهم منتجي المحتوى في العالم حيث أعلنت الرئيس التنفيذي للشركة عن مفاوضات جارية لتقسيم الشركة وبداية بيع جزء من أصولها.

                                                                                    ………

تنبيه: جرى تعديل التقرير بتاريخ 28 أبريل (نيسان) 2016، إذ أُشير خطأً في النسخة الأولى من التقرير، إلى «ستيف بالمز» بوصفه رئيسًا تنفيذيًا لشركة نوكيا، عليه جرى تعديل العنوان والصورة الرئيسية للتقرير.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد