يتذكر جمهور السينما غالبًا أسماء الممثلين الذين قاموا بدور البطولة في الأفلام، ورغم إعجابهم ببعض اللقطات التي أداها بعض الكومبارسات الذين شاركوا في هذه الأفلام، إلا أنهم لا يهتمون كثيرًا بمعرفتهم عن قرب، ولذلك يعيشون ويرحلون دون أن يحظوا بالاهتمام الذي يستحقونه.

في السينما المصرية تحديدًا كانت مهنة الكومبارس قديمًا من المهن المُربحة، فكان الرجل يتقاضى جنيهًا أو جنيهين في اليوم، أما الأنثى فيزيد أجرها اليومي ليتراوح ما بين جنيهين ونصف إلى خمسة جنيهات، وتمتلئ صفحات التاريخ السينمائي المصري بمجموعة من الكومبارسات الذين لا تقل شهرة بعضهم عن شهرة كبار الممثلين، وفي هذا التقرير نستعرض السير الذاتية لبعضهم.

1- عبد الغني النجدي

اشتهر الكومبارس المصري «عبدالغنيالنجدي»، المولود في 6 ديسمبر/ كانون الأول عام 1915، بأداء أدوار انحصر معظمها بين دور البواب، والخادم، والعسكري، والقروي خفيف الظل، وساعده في نجاح ظهوره ما تميز به من تلقائية شديدة.

من أبرز الأفلام التي نجح فيها «النجدي» أن يترك بصمة لا تُنسى لدى جمهور السينما المصرية، فيلم «بين السماء والأرض»، والذي أدى فيه دور الخادم الذي كان يحمل صينية الديك الرومي، وعرفه الجمهور بالعديد من العبارات الشهيرة مثل عبارة «مشتاقين أوي يا دميل» في فيلم «الفانوس السحري»، وعبارة «أمرك يا مستبدة»، التي كان يقولها للفنانة «وداد حمدي» في فيلم «طريق الأمل».

https://www.youtube.com/watch?v=tQbcHtv5fyU

حظي «النجدي» بفرصة المشاركة مع الممثل الشهير «إسماعيل يس» في عدة أفلام أبرزها: «إسماعيل يس في الأسطول»، و«إسماعيل يس في البوليس»، و«العتبة الخضراء»، إلى جانب فيلمي «لوكاندة المفاجآت»، و«عفريتة إسماعيل يس».

تجاوز دور «عبد الغني النجدي» مساحة الكومبارس، فشارك في كتابة سيناريو وحوار العديد من الأفلام أشهرها فيلم «إجازة بالعافية» الذي أُنتج عام 1966، وأدى بطولته الممثلان «فؤاد المهندس»، و«محمود عوض»، كما كان يقوم بتأليف النكات ويبيعها لكبار ممثلي الكوميديا في عصره مثل: «إسماعيل يس»، و«محمود شكوكو»، ووضع تسعيرة ثابتة للنكتة الواحدة بلغت جنيهًا.

رغم وصول عدد الأفلام التي شارك بها «النجدي» إلى قرابة المائة فيلم، إلا أن دوره فيها لم يتجاوز ظهوره في مشاهد محدودة، ليعيش طوال حياته بعيدًا عن الأضواء حتى توفي في 20 مارس/ آذار 1980.

2- فايزة عبد الجواد

عندما نتحدث عن الكومبارسات الإناث في السينما المصرية يأتي اسم «فايزة عبد الجواد» في المقدمة، فرغم رحيلها ما زال الجمهور يتذكر صورتها لحبه في الأدوار التي أدتها في الكثير من الأفلام، والتي مثلت في معظمها دور السجانة أو السجينة، واتقنت الظهور كامرأة عنيفة تمتلك صوتًا ومظهرًا مخيفًا، وكثيرًا ما تضمنت المشاهد التي أدتها دخولها في مشاجرات مع أبطال الأفلام، وساعدها على ذلك ملامحها القاسية.

لم تخطط «فايزة» على الإطلاق لدخول عالم السينما، فقد حدث ذلك بالصدفة البحتة عندما كان الفنان «رشدي أباظة» يصور فيلمه الشهير «تمر حنة» في منطقتها، ووقفت ضمن بقية السكان الذين يشاهدون التصوير، وعندما لمحها «أباظة» بين المتفرجين طلب من مخرج الفيلم «حسين فوزي»، وضعها ضمن الكومبارس الذين جمعهم لمشاهدة البطل في السيرك.

توالت عليها الأدوار بعد فيلم «تمر حنة»، وكان من أهمها دور السجانة في فيلم «حب في الزنزانة»، ودور خاطفة الوزير في فيلم «آي آي»، ودور السجينة في فيلم «نساء خلف القضبان»، ورغم عدم تقديمها أي أدوار رئيسية، إلا أنها حظيت بتكريم مهرجان الإسكندرية السينمائي لها عام 2004، والذي يُقدم لممثلي الأدوار الهامشية والثانوية.

عانت «فايزة» في آخر أيام حياتها من مشكلات صحية في ساقيها، جعلتها غير قادرة على العمل، ونظرًا لأنها طوال عملها كانت تتقاضى أجورًا ضعيفة، وفشلت في تسجيل عضويتها بنقابة الممثلين، لم تستطع الحصول على أي دعم مادي للعلاج، أو معاش تلبي منه طلباتها المعيشية، وأكدت قبل وفاتها في 20 فبراير/ شباط 2016، أنها لم تمد يدها لأحد داخل الوسط الفني، وتريد أن يكون معاشها من الدولة وتحديدًا من نقابة الممثلين، وهو ما لم يحدث حتى رحيلها.

3- حسن كفتة

أصبح وجهه مألوفًا لدى كثير من متابعي المسلسلات المصرية بعد ظهوره في مسلسل «الكبير قوي»، ولكن لم يكن هذا الظهور بالصدفة، فقد سبقه رحلة كفاح طويلة بدأها «حسن عبدالسلام»، والشهير بـ «حسن كفتة» في سن العاشرة عندما انقطع عن الدراسة، واتجه للعمل مع والده كصبي سمكري، وكان المخرج «مختار حسين» أحد زبائن الورشة، فعرض على والده أن يشركه معه في دور صامت ضمن مشاهد فيلم «علموني الحب» عام 1948 م، وكان هذا الفيلم بمثابة نقطة الانطلاقة المبكرة فبعده اختاره الفنان «فريد شوقي» للعمل معه ككومبارس في فيلمي «جعلوني مجرمًا»، و«30 يوم في السجن».

اكتسب «حسن كفتة» شهرته من ظهوره المحدود في الكثير من الأفلام لنجوم السينما أشهرها فيلم «التجربة الدنماركية» مع الممثل «عادل امام»، و«اللمبي» مع الممثل «محمد سعد»، و«الساحر» مع الممثل الراحل «محمود عبدالعزيز»، و«علي سبايسي» مع المغني الشعبي المعروف «حكيم»، و«حريم كريم» مع المطرب «مصطفى قمر».

عٌرف عن «كفتة» جلوسه على مقهى «بعرة» المخصص للكومبارسات في منطقة وسط البلد بالقاهرة؛ ينتظر عروضًا للعمل، وفي إحدى اللقاءات الصحفية التي أُجريت معه على ذلك المقهى عبر عن إحباطه من وضعه المادي بقوله: «أشعر بالضيق من قلة الأعمال الفنية المعروضة، وقلة دخلي الذي لا يتعدى المائة جنيه في اليوم الواحد، فيومي يسير ببطء وأشعر بملل لا يطاق، ولكن حالتي تتغير تمامًا حينما يمر أحد المارة ويتعرف علي ويطلب مني صورة تذكارية، حينها فقط أشعر بالفخر وبأن السنوات الطويلة التي قضيتها ككومبارس لم تضيع هباءً».

عانى «حسن كفتة» حتى وفاته في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 م، من حياة مادية شديدة الصعوبة فقد كان يعيش في شقة مكونة من حجرتين مع 9 أبناء، وكان يصل به الحال إلى أنه لا يجد ثمن الدواء، ومرت عليه بعض الأعوام لم يعمل بها سوى 40 يومًا أو شهرًا واحدًا فقط، مما جعله يلجأ إلى الاعتماد على مساعدات بعض الفنانين المشاهير، حتى يستطيع تلبية احتياجاته المعيشية.

4- نصر سيف

عرفه مشاهدو السينما المصرية على أنه صاحب أشهر صلعة في تاريخها، ورغم صغر مساحة الأدوار التي أسندت إليه طوال حياته الفنية، إلا أنه أداها ببراعة وإتقان، وكان كثيرًا ما يظهر في دور الرجل الشرير المنضم إلى إحدى العصابات، وتميز بأنه أضاف لمسة كوميدية إلى هذه النوعية من الأدوار؛ مما جعله يلقى قبولًا لدى الجماهير.

تخرج الفنان «نصرسيف» في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وعمل في بداية حياته محصلًا للفواتير بشركة الكهرباء، قبل أن يكتشفه المخرج «نيازي مصطفى»، والذي أعطى له دورًا صغيرًا في فيلم «عنتر يغزو الصحراء» عام 1960.

تنوعت نوعية الأعمال الفنية التي شارك فيها «نصر»، ووصل إجمالي عددها إلى 60 فيلمًا، و10 مسرحيات، و9 مسلسلات، ولكن أهم ما يذكره الجمهور منها دوره في فيلم «جريمة في الحي الهادئ»، وفيلم «عصابة حمادة وتوتو»، وفيلم «قبضة الهلالي»، وفيلم «الغول»، مع الممثل الشهير «عادل إمام»، والذي كان سببًا في معرفة الجمهور به أكثر عندما شاركه في مسرحية «شاهد ما شفش حاجة»، وأدى دور قاتل الراقصة الذي كان يقف في قفص الاتهام أثناء إدلاء «سرحان عبد البصير» بأقواله، واشتهر بترديده واحدة من العبارات التي حفظها جمهور المسرحية وهي: «ينصر دينك يا أستاذ خليفة»، وكانت نهاية رحلة إبداع الفنان «نصر سيف» برحيله عن عالمنا يوم 15 يونيو/ حزيران عام 2011.

عرض التعليقات
تحميل المزيد