2,010

كان بين العرب منذ أقدم العصور  مناظرات عكست التنوع الثقافي الغني في البيئة العربية، منذ العصر الجاهلي كان سوق عكاظ محلًا للتنافس بين القبائل العربية القادمة للتجارة، وقد حفظ الأدب العربي قصائد لثنائيات تبارى فيها الشعراء بالكلمة، تنوعت موضوعاتها فكُتبت في الفخر أو عبّرت عن خلافات أو دعابات بين الشعراء، لكنها أثرت الشعر  العربي بكنز من القصائد الجميلة التي لم تكن لتجود بها قرائح الشعراء -ربما – لولا هذه الرغبة في المنافسة، وهنا قصص لمجموعة من أطول السِجالات بين الشعراء عبر تاريخ الأدب العربي:

جرير والفرزدق.. «الذي يغرف من بحر أشعرهما»

أعــدّ الله للشعـراء مني *** صواعـق يخضعون لها الرقابا

جرير في قصيدة «الدامغة»

يحفظ تراث الأدب العربي ظاهرة النقائض في الشعر، حيث كان الشاعر يقول قصيدة في هجاء غيره، ويردّ غيره بهجائه وهكذا حتى لا يصمد في ساحة الشعر إلا الشاعر القوي، وكان جرير يهوى إسكات الشعراء بهذا الأسلوب، لكن ساحة النقائض وجدت أمامه مبارزًا لا يقلّ قوة، فاستمرت الحرب أكثر من أربعين عامًا بين جرير والفرزدق.

عاش أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة التميمي، وهمام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي المكنّى بأبي فراس الفرزدق في العصر الأموي والعجيب -رغم كل من صار بينهما من هجاء- أنهما من قبيلة واحدة هي قبيلة تميم، ينتمي كل منهما إلى أحد بطونها، ويعكس شعر النقائض بينهما ما ساد في المجتمع من عصبيات قبلية.

حين وصلت إليه أخبارهما أرسل الأخطل ابنه ليتبين ما بين الشاعرين فراح يسمع شعر جرير والفرزدق وعاد ليقول لأبيه: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر. فقال الأخطل: الذي يغرف من بحر أشعرهما.

بعدها دخل الأخطل مع جرير والفرزدق، حتى قال الرواة والنقاد عن الثلاثة إن الأخطل كان أمدحهم، وجرير أهجاهم، والفرزدق أفخرهم، وقد كانت قبيلته أعلى نسبًا حتى أنه قال:

أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ *** إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامِعُ

ومن النقائض قول جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا *** أبشر بطول سلامةٍ يا مربعُ
إنَّ الفرزدقَ قدْ تبينَ لؤمهُ ***حيثُ التقتْ حششاؤهُ والأخدعُ

و قال الفرزدق مناقضًا له:

إنّ الــذي سَـمَـكَ السّـمـاءَ بَـنـى لَـنَـا *** بَـيْـتــًا، دَعَـائِـمُــهُ أعَــــزُّ وَأطْـــــوَلُ
بَيْـتـًا بَـنَـاهُ لَـنَـا المَلِـيـكُ، ومَــا بَـنـى***حَــكَــمُ الـسّـمَــاءِ، فــإنّــهُ لا يُـنْـقَــلُ

مصدر الصورة

ويُحكى مما كان بينهما أنهما اجتمعا في مجلس عبد الملك بن مروان، فقال الفرزدق: النوار بنت مجاشع (زوجته) طالق ثلاثًا إن لم أقل بيتًا لا يستطيع ابن المراغة –يقصد جرير- أن ينقضه أبدًا، ولا يجد في الزيادة عليه مذهبًا، فقال عبد الملك: ما هو؟ فقال:

فإني أنا الموت الذي هو واقع *** بنفسك فانظر كيف أنت مزاوله
وما أحد يا بن الأتان بوائلٍ *** من الموت إن الموت لا شك نائله

فكر جرير قليلًا ثم قال: أم حرزة (زوجته) طالق ثلاثًا إن لم أكن نقضته وزدت عليه. فقال عبد الملك: هات فقد – والله – طلّق أحدكما لا محالة، فقال:

أنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس *** بكفيك يا بن القين هل أنت نائله
أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد *** فجئني بمثل الدهر شيئًا يطاوله

فقال عبد الملك: فضلك –والله– يا أبا فراس، وطلق عليك، فكتب الفرزدق طلاق زوجته وقال فيها:

وكانت جنتي فخرجت منها *** كآدم حين أخرجه الضرار

وهكذا استمر الشاعران لنصف قرن تقريبًا يتباريان بالقصائد، غير أنها لا تحكي كل ما كان بين الرجلين فقد عرفهما الناس صاحبان ربما يمشيان سويًا في السوق، وحين تُوفي الفرزدق رثاه جرير يقول:

لَعمري لقد أشجى تَميمًا و هدّها *** على نكباتِ الدَهرِ موتُ الفرزدقِ
لَقد غَادرٌوا في اللحدِ من كان ينتمي *** إلى كُلَ نجمٍ في السماء مُحَلقِ
عِمَادُ تَميمٍ كُلها ولسانُها *** وَنَاطِقُها البَذّاخٌ في كلّ مَنطِقِ
فَمَنْ لذَوِي الأرْحَامِ بَعدَ ابن غالبٍ*** لجارٍ وَعَانٍ في السّلاسلِ مُوثَقِ

البحتري وابن الرومي.. منافسة بالشعر على المال والجاه

عاش ابن الرومي في العصر العباسي الأول ومضی أکثر عمره في العصر العباسي الثاني، وعاصر تسعة من الخلفاء العباسيين، وعاصره البحتري أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي، الذي انتقل من قريته إلى عاصمة الخلافة بغداد ليصبح شاعر بلاط الخلفاء العباسيين؛ المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز بن المتوكل، فضلًا عما ربطه من علاقات وثيقة مع وزراء الدولة العباسية والأمراء وقادة الجيوش.

كان الرومي معروفًا بهجائه اللاذع ونظرته التشاؤمية وكان عباس محمود العقاد – الذي شاركه هذا المزاج المتقلب – يقول حول ذلك: «لو نصبنا ميزان العدل لكان ابن الرومي ملومًا على المدح أضعاف لومه على الهجاء، فقد كان يكذب حين يمدح ويتوسل، ولم يكذب حين يهجو وينتقم»، وبينما اشتهر ابن الرومي بهجائه وكان للسخرية نصيب واسع في شعره الهجائی فقد كتب البحتري -وهو المصور البارع- أغلب قصائده في المديح وأقلها في الرثاء والهجاء. فضلًا عن قصائده في الفخر والعتاب والاعتذار والحكمة والوصف والغزل، توفي البحتري سنة 284 هجرية وتوفي ابن الرومي سنة 283 هجرية على أرجح الآراء.

قيل لي: لِمَ ذممتَ كُل البرايا
وهجوتَ الأنام هجوًا قبيحا؟
قلتُ: هب أنّني كذبتُ عليهم
فأروني من يستحقُ المديحا؟

*ابن الرومي

راح ابن الرومي يعاتب في شعره ممدوحيه ممن مدحهم البحتري قبله مقارنًا بين مدحه ومدح البحتري، وكان ابن الرومي يعتبر نفسه مظلومًا إذ لا يلقى منهم المكافأة والحظوة التي يستحقها، ولطالما استغل الممدوحين هذا الصراع الناشب بين الشاعرين، ولم يكن صراعًا فنيًا بقدر ما كان صراعًا على المال والجاه.

وعُرف عن كليهما سرعة التقلب، غير أن البحتري كان يمدح الرجل ثم يهجوه في قصيدة أخرى أما ابن الرومي فكان يكتب قصيدة واحدة تحمل المعنيين وهو ما كان يعرّضه في أحيان كثيرة إلى فقد الإثابة عليها، كان يسكت إذا تلقى الإثابة أما إذا لم يتلقها فكان يعود ليبيّن الوجه الآخر لمعاني قصيدته وكيف أنها تتضمن ذمًا، فيما سُمي بالمديح الهجائي الذي عُرف به ابن الرومي.

مـديحـًا إن تثبه يكن مديحًا *** من الحـلــل المبحرة الغوالي
وإن تظلمه تجـعله هـجـاء *** أشـد على الكــريم من النبال

وكان ابن الرومي يشكو لمن يمدحهم اعتناءهم بشعر البحتري فيهم أكثر من قصائده فيقول:

إلـى الله أشكو إن شعري مظلم *** وأنــي مـن الأيــام في منهل ضحل
ثـنـاؤكــم للبحتري وودكـم *** ومدحي لـكــم حاشا هواكم من الخبل

ويقول:

فكافأتموني بالذي هو أهْلُه  *** من المنع والحرمان والرفضِ والخذلِ
وكافأتموه بالذي أستحقَّهُ *** من البرّ والإحسانِ والعطفِ والوصلِ

لم يكن التباري بين الشاعرين مقتصرًا عليهما فقط، فقد انتشرت الحرب الكلامية بين المؤيدين والخصوم لهما أيضًا، وقد تجرأ ابن الرومي في لحظات سخط على هجاء البحتري فكتب قصيدة بائية مطولة من ستة وثمانين بيتًا منها:

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُـــــــهُ *** وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ
أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَـــــــا ***  من راح يحملُ وجهًا سابغَ الذَنَبِ

وكان كل ما فعله البحتري حين سمع هذا الهجاء الطويل أن أرسل إلى ابن الرومي طعامًا وثيابًا وكيس دراهم، وورقة داخله كتب فيها يقول:

شاعرٌ لا أهابهُ نبحتني كلابهُ
إنّ من لا أحبّهُ لعزيزٌ جوابهُ

المعتمد بن عباد وابن عمار.. «وهل أنت عندي إلا كنفسي»

كان المعتمد بن عباد ملك إشبيلية في عهد ملوك الطوائف أشعر ملوك الأندلس كما يتفق أغلب النقاد، وكان أبو بكر ابن عمار  متواضع النشأة ولم يكن لعائلته حسب أو نسب معروف غير أنه كان صاحب موهبة يستخدمها في مدح من يقابلهم من التجار أو غيرهم ليتلقى منهم نفحة من المال، ربما تكفيه فقط لإطعام بعيره، إلى أن كتب قصيدة في مدح المعتضد – أبو المعتمد – فاستحسنها وكافأه عليها وسجّله في ديوان الشعراء، ومن هنا استطاع الاتصال بالمعتمد –الشاب الناشيء حينها – وكان يحب الشعر، ونال ابن عمار سريعًا ثقة المعتمد وصارا صديقين مقربين جدًا.

كانا يتشاركان الطعام والشراب والمجالس والجولات، واصطحبه المعتمد إلى شِلب حيث ولّاه أبوه عليها، وكما يقول المراكشي: «يشاركه فيما لا يشارك فيه الرجل أخاه ولا أباه»، وذات ليلة قضياها معًا في قصر المعتمد رأى ابن عمار في منامه هاتفًا يقول له «لا تغتر أيها المسكين فإنه سيقتلك ولو بعد حين».

انتابه الذعر وترك ثيابه الفاخرة وهرب بين جنبات القصر قاصدًا ركوب البحر إلى المغرب وألا يعود أبدًا، فافتقده المعتمد في الصباح وأمر بالبحث عنه، وحين وجدوه على هذا الحال سأل المعتمد عن الخبر فحكى له ابن عمار ما رآه، ضحك المعتمد «وكيف أقتلك؟ هل رأيت أحدًا يقتل نفسه، وهل أنت عندي إلا كنفسي»، تناسى ابن عمار الأمر وعاد لصحبة المعتمد في كل جولاته وخلالها كانا يقولان الشعر، يبدأ المعتمد ويجيز ابن عمار.

كانت صداقة أقلقت المعتضد فحاول التفريق بينهما بأن استدعى المعتمد إلى جانبه ونفى ابن عمار إلى شلب فودعه المعتمد يقول:

ألا حيّ أوطاني بشلب أبا بكر *** وسلهن هل عهد الوصال كما أدري
وسلم على قصر الشراجيب من فتى *** له أبدًا شوق إلى ذلك القصر

لكن الصداقة استمرت على أية حال خاصة بعد أن تولى المعتمد الحكم، وصار صاحبه كبير وزرائه، وفي أوقات الصفاء كانا يتراسلان بالشعر أيضًا، فقد غاب المعتمد يومًا عن المجلس مشغولًا بزوجته اعتماد الرميكية التي هام بحبها، فأرسل له ابن عمار يقول:

تجهَّمَ وجهُ الافقِ واعتلَّتِ النفسُ *** لئن لم تَلُحْ للعين أَنت ولا الشمسُ
فإن كان هذا منكما عن توافقٍ *** وضمّكما أنسٌ فيهنيكما العرس

فأجابه المعتمد بقصيدة قال فيها:

سلام سلام أنتما الأنس كله      وإن غبتما أم الربيع هي الأنس

وكان المعتمد يحب أن يكني زوجته بأم الربيع، وكانت جارية أُعجب بها المعتمد في إحدى جولاته مع ابن عمار، فاشتراها من سيدها وحررها واتخذها زوجة له.

في أمور السياسة كان ابن عمار صاحب دهاء وحيلة، وكثيرًا ما أشار على المعتمد في تدابير الدولة ما أخرجه من مآزق مع غيره من الحكام المسلمين والمسيحيين، واستطاع المعتمد أن يستولي على قرطبة، وأن يحمي إشبيلية من هجوم ألفونسو السادس بفضل حيل ابن عمار، فزاده هذا غرورًا وشعر بأنه مخلّص الدولة، ووقع في خطأ كبير حين أبرم اتفاقًا مع إحدى الممالك المسيحية وضع فيها ابن المعتمد رهينة تضمن تنفيذها دون أن يخبره، عاد ابن عمار يسترضي المعتمد في قصائده فسامحه المعتمد وقال:

سأوليك مني ما عهدت من الرضا *** وأعرض كما كان – إن كان – من ذنب
فما أشعر الرحمن قلبي قسوة *** ولا صار نسيان الأذّمة من شعبي

بعدها أقنعه بالاستيلاء على مرسية، وخرج على طاعته حين دخلها وحين رماه المعتمد بالخيانة نسى ابن عمار ما كان بينهما وقال قصيدة جاء فيها:

كيف التفلّت بالخديعة من يدي *** رجل الحقيقة من بني عمار

ولما كان ابن عمار من عائلة «خاملة الذكر» فقد نظم المعتمد قصيدة هجاه فيها ساخرًا من قوله «رجل الحقيقة من بني عمار» فقال :

الأكثرين مسوّدًا وممّلكًا *** ومتوجًا في سالف الأعصار
المؤثرين على العيال بزادهم *** والضاربين لهامة الجبار

فرد ابن عمار بقصيدة هجا فيها زوجة المعتمد وأبناءه:

تخيرتها من بنات الهجان *** رميكية لا تساوي عقالًا

فجاءت بكل قصير العذار *** لئيم النجارين عمًا وخالًا

وختمها يقول:

سأهتكك عرضك شيئًا فشيئًا *** وأكشف سترك حالًا فحالًا

أحزن ذلك المعتمد الذي كان هجاؤه لابن عمار كما يقول النقاد «هجاء أشراف» فإذا بصديقه القديم يردّ «بوقاحة» وكان آخر ما قال المعتمد حول هذا:

جراحات السنان لها التئام *** ولا يلتام ما جرح اللسان

وقع ابن عمار في يد المعتمد أخيرًا وحاول أن يسترضيه لكنه قال له «هيهات إنها عثرة لا تُقال» وأودعه السجن، وفيه راح ابن عمار يكتب للمعتمد قصائد طويلة يسترقّ قلبه ويطلب عفوه منها ما يقول:

أقلني بما بيني وبينك من رضا *** له نحو روح الله باب مفتح

رغم كل ما كان رقّ قلب المعتمد له فعلًا وزاره في السجن وألمح له بنيته في العفو عنه، لكن ابن عمار عاد لطبعه في الخيانة فأرسل إلى أصحابه ينبئهم بأنه عائد لمنصبه، وانتشر الخبر في المدينة في الصباح التالي، فأغضب ذلك المعتمد بشدة وذهب إليه في سجنه وحين أنكر ما فعل قتله المعتمد بيده في فورة غضبه بعد أن استنفذ ابن عمار كل فرصه في إثبات الولاء وكل ما لدى المعتمد من قدرة على العفو.

حافظ وشوقي.. ودُّ فوق المنافسة

كانت كفتا حافظ وشوقي في ميزان النقاد متساوية في الغالب، تميل كفة أحدهما أحيانًا وترجح كفة الآخر أحيانًا أخرى وقد جعلهما النقاد في موضع المنافسة دائمًا ولم يمنع ذلك الود الصافي الذي ظل بينهما، في كتاب طه حسين «حافظ وشوقي» يحكي عميد الأدب العربي أن المفكر أحمد لطفي السيد قال له عنهما: «لقد خدعني حافظ عن نفسه كما خدعني شوقي عنها، كنت ألقى حافظ أول عهده بالشعر، وكان يُسمعني كثيرًا من شعره فلا يعجبني، فقلت له ذات يوم: أرح نفسك من هذا العناء، فلم يخلقك الله لتكون شاعرًا، ولكنه لم يقبل نصحي، وحسنًا فعل، فما زال يجد ويكدح، حتى أرغم الشعر على أن يذعن له، وأصبح شاعرًا» بينما كان يقول عن شوقي «كنت شديد الإعجاب بشعر شوقي أقرؤه في لذة تكاد تشبه الفتنة، وأثني عليه كلما لقيته، فما زال شوقي يكسل ويقصر في تعهد شعره، حتى ساء ظني بشعره الأخير».

مصدر الصورة

كان لحافظ تأثير بالغ في نفوس الجماهير، وكان الناس مدرسته وكتابه ومُعلِّمه، كان قريبًا منهم بحكم ظروف نشأته وفقره فتفهّم العادات والنوازع وعاشر الصعاليك والشعراء والكتّاب والأغنياء والفقراء وعرفه الناس بأنه الشاعر الاجتماعي، وكان شعره سهل المعنى على عكس شوقي الذي كان شعره نابعًا من عبقرية لم يسع إلى تبسيطها وكان فهمها يتطلب بعض الجد ويستغرق بعض الوقت.

وقد بدت المودة بين الشاعرين في مواقف كثيرة، كان بينهما مداعبات وتحديات في قول الشعر، أشهرها ما قاله شوقي لصديقه يقول:

أودعت إنسانًا وكلبًا وديعة *** فضيعها الإنسان والكلب حافظ

ورد حافظ عليه قائلًا:

يقول الناس إن الشوق نار ولوعة *** فما بال شوقي اليوم أصبح باردًا

وقال حافظ ذات مرة معتذرًا عن عدم حضور زواج ابنة شوقي:

يا سيدي وإمامي *** ويا أديب الزمان
قد عاقني سوء حظي ***‏ عن حفلة المهرجان
‏وكنت أول ساع ‏*** إلى رحاب ابن هاني
لكن مرضت لنحسي ***‏ في يوم ذاك القران

كان حافظ أسبق الشعراء العرب لمبايعة شوقي أميرًا للشعراء وقال في الاحتفال الذي أقيم في هذه المناسبة عام 1927:

أمير القوافي قد أتيت مبايعًا *** وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

كانت تلك الأبيات أكثر ما قيل في ذلك المهرجات تأثيرًا ولم يتمالك شوقي نفسه حينها فنهض ليحتضن حافظ في موقف مؤثر، وفي مواطن كثيرة أخرى ظهر الود بين الشاعرين فقد كتب شوقي في حافظ يقول:

يا حافظ الفصحى وحارس مجدها ***وإمام من نجبت من البلغاء

حين نُفي شوقي بعد الحرب العالمية الثانية كتب يشكو الغربة ويقول في حزن:

يا ساكني مصر إنا لا نزال على *** عهد الوفاء وإن غبنا – مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم *** شيئًا نبل به أحشاء صادينـا
كل المناهل بعد النيل آسنــة *** ما أبعد النيل إلا عن أمانينا

فكتب له حافظ مواسيًا:

عجبت للنيل يدري أن بلبله  *** صاد ويسقي ربا مصر ويسقينا
والله ما طلب للأصحاب مورده *** ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا
لم تنأ عنـه وإن فارقت شاطئه *** وقد نـأينـا وإن كنـا مقيمينا

كان حافظ بارعًا في النكتة والسخرية، لكنها كانت تخفي وراءها حزنًا غلب على أكثر شعره وبدا على نحو خاص في شعر الرثاء المؤثر، لكن القدر أراد أن تكون آخر القصائد بين الشاعرين تلك التي قالها شوقي في رثاء شاعر النيل والتي يبدو فيها حزنه الصادق:

قد كنت أوثر أن تقول رثائي *** ‏ يا منصف الموتى من الأحياء
لكن سبقت وكل طول سلامة *** قدر وكل منية بقضاء
الحق نادى فاستجبت ولم تزل ‏*** بالحق تحفل عند كل نداء