صديقتان، أم عدوتان؟ سؤال يتبادر لذهن القارئ عندما يطالع كم المصالح المتشابكة أحيانًا، والمتعارضة في أحيان أخرى، بين روسيا والصين، إلى حد يثير الارتباك، ويضفي الكثير من التعقيد على العلاقات بين الدولتين. على سبيل المثال، بينما تتعارض مصالح روسيا والصين في كثير من الأحيان، وخصوصًا في ملف آسيا الوسطى، فإنها تتفق حين يتعلق الأمر بمواجهة النفوذ الأمريكي. 

في تناقض واضح مع التنافس الكبير بين روسيا والصين في آسيا الوسطى وطرق التجارة، يرى الكرملين أن هناك «كيمياء جيدة» بين القيادة السياسية في البلدين؛ تُرجِمت إلى لقاءات متكررة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينج، بلغ عددها 28 لقاءً في آخر ست سنوات، بالإضافة إلى تخطي حجم التجارة البينية بين البلدين 100 مليار دولار في 2018.

يعلِّق على هذا النوع الفريد من العلاقات بين موسكو وبكين سيرج كاراجانو، عميد كلية موسكو للاقتصاد، قائلًا: إن ما يجمع بين روسيا والصين، ويدفعهما للتقارب رغم نقاط الخلاف والتنافس بينهما، هو: شعورهما بالاضطهاد من الغرب.

بين الصداقة والعداء.. هكذا سطر التاريخ العلاقة المعقدة بين روسيا والصين

تاريخيًّا، تربط الصين علاقات متأرجحة مع روسيا، تعود إلى عام 1640 عندما أسس البلدين العلاقات التجارية بينهما لأول مرة. ومع حلول عام 1858، وقعت أول الخلافات بين البلدين على الحدود، عندما ضمّت روسيا نهر أمور، الذي يعد خط الحدود بين البلدين، إلى منطقتها الجغرافية، ومنذ تلك الفترة والتوتر دائم بين الدولتين. 

دولي

منذ 9 شهور
من جنود سكارى إلى جيش تهابه أمريكا.. كيف يخطط جيش روسيا للمستقبل؟

ومع صعود الاتحاد السوفيتي بصفته قوة عظمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945، تلقت الصين – التي تبنت النظام الشيوعي- مساعدات تنموية كبيرة من موسكو، وتبادل البلدان التمثيل الدبلوماسي في 1949.

ومرت العلاقات بين موسكو وبرلين بمرحلة جيدة، لكنها سرعان ما توترت عندما قرر الاتحاد السوفيتي في مطلع الستينيات قطع المساعدات عن الصين، ما أدخل الأخيرة في حالة من التراجع الاقتصادي والبطالة والفقر.

وفي عام 1969، وقعت اشتباكات عسكرية بين الاتحاد السوفيتي والصين دامت لمدة سبعة أشهر بسبب الحدود، ولم تنته الخلافات إلا عام 1991 خلال اتفاقية الحدود بين الاتحاد السوفيتي والصين.

لكن في تسعينيات القرن الماضي، أدرك الروس أن التخلي عن الصين كان «خطأً تاريخيًّا»، وسرعان ما أصبحت بكين الشريك الاقتصادي والسياسي الحقيقي لروسيا المفككة، وزاد التعاون الاقتصادي بشكل كبير، كما نشأت شراكة عسكرية وطيدة بين الجانبين.

هنا ملف التنافس الجديد بين روسيا والصين

في يوليو (تموز) الماضي، أجرت الصين مناورة عسكرية مع طاجيكستان، في منطقة مطلة على منطقة سنجان الشمالية الغربية المضطربة في الصين، وهي المنطقة التي لطالما عدتها موسكو منطقة نفوذ مباشر لها.

هذه المناورة، التي تعد الثانية خلال ثلاث سنوات، تزامنت مع بناء الصين مراكز مخصصة لحرس الحدود ومركز تدريب، بالإضافة إلى إنشاء مرفق أمني صيني على طول الحدود الطاجيكية- الأفغانية بطول 1300 كيلومتر.

وتتعارض التحركات الأمنية الصينية في مناطق حدود طاجيكستان، ناهيك عن الهيمنة الصينية على الاقتصاد الطاجيكي، مع الترتيبات الروسية-الصينية في المنطقة، التي تنص على تقسيم العمل بين البلدين، ففي حين تتوسع الصين اقتصاديًّا في آسيا الوسطى، تضمن روسيا أمن المنطقة.

وقال الخبير الروسي ستيفن بلانك: إن «المناورة مثلت تعديًّا صينيًّا على منطقة النفوذ في آسيا الوسطى المُعلن عنها ذاتيًّا في روسيا». فيما قال الباحث في شؤون أوراسيا، بول غوبل: «لقد أولت موسكو القليل من الاهتمام لإمكانية أن تبني الصين قوتها الناعمة في آسيا الوسطى، وتقيم علاقات أمنية أو حتى قواعد، وبالتالي تراجع النفوذ الروسي هناك».

وبالإضافة للصراع الأمني، يتقلص اعتماد الصين على التكنولوجيا العسكرية الروسية، مما يهدد على الأرجح سوق تصدير روسي رئيسي. وأطلقت الصين في عام 2017 جيلها الخامس من مقاتلات تشنغدوJ-20 التي تروج بكين إلى تفوقها تقنيًّا على المقاتلات الروسية سوخوي سو -57، كما تعزز بكين قوتها البحرية بشكل كبير في الوقت الراهن بمعزل عن موسكو.

طرق التجارة.. صراع بارد أم تنسيق؟

وفي ملف آخر، اختار الرئيس الصيني شي جين بينغ الكشف عن مبادرته «الحزام والطريق» في عام 2013 – وهو مشروع بنية تحتية عملاق لربط بكين بالعالم على غرار طريق الحرير القديم – في العاصمة الكازاخستانية أستانا بدلًا من موسكو. 

ورغم دلالة الخطوة، وحديث البعض عن تهميش الصين لروسيا، فإن التعاون الصيني الروسي استمرّ، حتى في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، في يوليو (تموز) الماضي، عزم روسيا تشييد طريق المريديان السريع «Meridian highway»، أو ما يطلق عليه إعلاميًّا «طريق الحرير الروسي» الذي يمتد لمسافة ألفي كيلومتر من الحدود الروسية الكازاخستانية إلى تقاطع طريق سريع قائم يربط مينسك وروسيا البيضاء مع موسكو. 

وتبلغ تكلفة هذا الطريق حوالي 600 مليار روبل (9.5 مليارات دولار)، وفق تقديرات ألكسندر ريازانوف، نائب رئيس مجلس إدارة شركة الغاز الروسية العملاقة «جازبروم» التي تمتلك بالفعل نحو 80% من الأرض التي سيمر بها الطريق.

ومن المقرر أن تجري عمليات تشييد الطريق، من خلال شراكة بين القطاعين العام والخاص، على أن تسدد تكلفته الضخمة من خلال رسوم عبور الشاحنات التي ستستخدم هذا الطريق الذي يربط بين أوروبا والصين. 

وينتظر أن يعزز طريق ميريديان السريع ذو المسارات الأربعة، التواصل بين جمهوريات آسيا الوسطى، وخاصة أوزبكستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان. كما سيشكل الطريق جزءًا من تعاون أوسع بين الصين وروسيا اللتين تعملان معًا على إنشاء هذا الطريق؛ ليكون بمثابة ممر روسي بين الصين وأوروبا لتسريع وتيرة نقل البضائع.

ويرتبط الإعلان عن هذا المشروع بالحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة، إذ تبحث الصين عن تعزيز وجودها في أسواق أخرى، بالإضافة إلى تقوية علاقتها التجارية بشركائها في أوروبا وآسيا الوسطى، كما يرتبط أيضًا بالتوتر الحالي في العلاقات الروسية- الأمريكية وخاصًة مع فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية على روسيا. 

لذلك، فإن إعلان مدفيديف عن المشروع في هذا التوقيت، لم يكن صدفة، بل جاء بعد أشهر قليلة من المنتدى الثاني لمبادرة «الحزام والطريق» الذي عُقد في بكين في أبريل (نيسان) الماضي بمشاركة الرئيس الروسي، فيلاديمير بوتين، وذلك للتأكيد على متانة التحالف الروسي-الصيني في مواجهة الولايات المتحدة، على نحو ما ظهر في كلمة بوتين في المنتدى، إذ وصف المرحلة الحالية في العلاقات مع الصين بأنها «الأفضل في التاريخ».

وتحقق مبادرة «طريق المريديان» مكاسب كبيرة لبكين وموسكو؛ لأنها ستؤدي إلى خفض مدة نقل البضائع بين القارتين الآسيوية والأوروبية إلى 11 يومًا، أي أسرع بثلاث مرات تقريبًا من الفترة التي تستغرقها البضائع حاليًّا (45 يومًا)، ما سيقلل تكلفة الصادرات، وينعش الاقتصاد الصيني.

فيما ستجني روسيا أرباحًا هائلة من رسوم عبور الشاحنات على هذا الطريق. فضلًا عن المشروعات التي ستقام على جانبي الطريق، وتوفر فرص عمل ودخلًا إضافيًّا للاقتصاد الروسي. وسيعمل الطريق أيضًا على تعزيز وتحسين الاتصال – إلى حد كبير – بين أوروبا وجمهوريات آسيا الوسطى في كازاخستان، وشرق أوزبكستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، مما يعني إقامة مزيدٍ من المشروعات، ودعم هذه الدول اقتصاديًّا، ولكن على صعيد آخر سيرسخ هذا المشروع حال إتمامه الصراع البارد بين الصين وروسيا حول مزيدٍ من النفوذ في آسيا الوسطى، مما قد يقوض الوضع الأمني في هذه الدول حال نشوب أي نزاعٍ أو خلاف بين بكين وموسكو.

الميناء الجاف.. شاهد على التنافس الجيوسياسي

خورجوس، في منطقة الحدود الصينية الكازاخستانية، هي منطقة قاحلة محاطة بقمم تغطيها الثلوج، ويخترقها طريق سريع، وسط مجموعة من الرافعات ومسارات السكك الحديدية والمستودعات، لكنها شاهدة على التنافس الجيوسياسي بين بكين وموسكو في آسيا الوسطى.

سياسة

منذ سنة واحدة
العالم يتغير.. هل ستتفوق الصين وروسيا على أمريكا عسكريًّا وتكنولوجيًّا قريبًا؟

وتبعد خورجوس حوالي 1550 ميلًا عن أقرب ساحل، لكن العاملين فيها أطلقوا عليها اسم «الميناء الجاف»؛ لأنها بالأساس مصممة لدعم الشحن البري، بدأت العمل في عام 2015 وشهدت نموًّا مطردًا. لكنها أيضًا نقطة انطلاق لطموحات بكين لربط أوروبا بآسيا عبر طرق جديدة للتجارة والنقل، في ظل ما أطلق عليه الرئيس الصيني شي جين بينج «مشروع القرن». وتستعد هذه البلدة لتصبح مركزًا للنقل الداخلي، ورابطًا حيويًّا في مبادرة الحزام والطريق.

وتضم المنطقة الاقتصادية المحيطة بالبلدة، بعض المصانع وتمتلك طموحًا كبيرًا لتتحول لقبلة للاستثمار، ومركز للصناعة في المستقبل، وعلى الجانب الصيني من الحدود، توجد مدينة تحمل اسم خورجوس أيضًا، ويقطنها 100 ألف نسمة، بعد افتتاحها رسميًّا في 2014.

وتملك كازاخستان، أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى، واحتضنت بالكامل شراكتها مع الصين ووصفت نفسها بأنها «مشبك» أو «نقطة التقاء» في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وتتطلع إلى الاستفادة من الفرص الاقتصادية الجديدة التي توفرها بكين.

وبالفعل، اتبعت الصين سياسة نشطة تجاه آسيا الوسطى في السنوات الماضية، من خلال المشروعات والاستثمارات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ما يجعل المنطقة موقع تنافس جيوسياسي ووجهة جديدة للتجارة العالمية.

وتاريخيًّا، تنظر روسيا إلى آسيا الوسطى، بوصفها مجال نفوذ خاص بها، لكن صعود بكين كقوة اقتصادية مهيمنة غيّر ديناميكيات المنطقة، ما دشن حقبة جديدة. وبكين وموسكو ليسا اللاعبين الوحيدين في آسيا الوسطى. وبالإضافة إلى الهند، واليابان، والاتحاد الأوروبي، تخطط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوضع استراتيجية جديدة تجاه المنطقة قبل رحلة متوقعة من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبو إليها في يناير (كانون الثاني) المقبل.

وقال ألكساندر جابويف، وهو زميل في مركز كارنيجي بموسكو: «آسيا الوسطى هي حالة مثيرة للاهتمام، حيث تتحرك الصين بعناية في بيئة معادية». وتابع «تتخذ [بكين] مقاربة براجماتية وفي بعض الأحيان تحاول التكيف واحتواء روسيا، من أجل تعزيز موقعها لتصبح القوة الاقتصادية الرئيسية في المنطقة».

وقال مارك جاليوتي، الخبير في الشؤون الروسية، إن روسيا والصين يتبعان خطًّا براجماتيًّا إزاء علاقاتهما الثنائية، ومناطق التنافس الجيوسياسي، ما يحول دون مواجهة مباشرة بينهما، وتفجير التعاون الاقتصادي المتزايد.

ورغم كل مجالات التنافس، فإنه وبحسب جالويوتي: «روسيا والصين يريدان بوضوح إزاحة نقاط التنافس والخلاف جانبًا، والاستفادة القصوى من مواضع التعاون الاقتصادي»، مضيفًا «لكن ملف آسيا الوسطى يعد قنبلة موقوتة، وأي خلاف صغير بين البلدين في هذه المنطقة، قد يتحول لأسباب بسيطة، لأزمة كبيرة بينهما».

المصادر

تحميل المزيد