في كتابه الأشهر «المضحكون» يؤكد مؤلفه الكاتب الساخر محمود السعدني «أننا-المصريين- أكثر الشعوب حظًّا في إنتاج المضحكين، وفي كل جيل استطاع بعضهم أن يخلد اسمه، فيما لمع بعضهم حينًا، ثم فرقع كبالون منتفخة بالهواء، عشرات من المضحكين في كل جيل بعضهم أصيل، وبعضهم فالصو، بعضهم مثل الذهب البندقي، وبعضهم مثل الذهب القشرة».

فمن هم «نجوم الضحك الجدد» هذه الأيام؟ بتعبير أدق: هل يمكن القول بأن هناك جيل جديد من «الكوميديانات» نجحوا في تثبيت أقدامهم علي الساحة، جيل أو أجيال لكل منهم «بصمته الخاصة» وتمكن بعد جهد ودأب من الوصول للقمة؟ أم أن المسألة مجرد «نجاحات فردية» اقتنصت موقعها على الخريطة الفنية؟

لماذا نضحك؟

قد لا نتوقف كثيرًا لتأمل هذا السؤال، بوصف الضحك فعلًا لا إرادي نمارسه وله مردود إيجابي علي نفوسنا، ألا أن الضحك على حد توصيف المفكر والأديب الراحل عباس محمود العقاد في أحد مقالاته عن «فلسفة الضحك» هو «حالة إنسانية ملازمة العقل والضمير وهو سلاح الإنسانية للمحافظة على المرتبة التي وصلت إليها فوق الجماد وفوق الحيوان»، مؤكدًا أنه يستحيل على الحيوان أن يضحك لأنه لم يصل إلى هذه المرتبة وليس عنده من التمييز ما يستدعي، فالحيوان قد يحزن ولكنه لا يضحك أبدًا، مؤكدًا أن المنطق هو الذي يجعلنا نضحك، وكل عمل مضحك هو في حقيقته منطق ناقص أو قضية يختل فيها القياس والترتيب.

المؤكد إذن أن الضحك ليس فعلًا تافهًا أو مخالفًا للياقة، بل علمًا وفلسفة دفعت كتابًا وفلاسفة كبارًا في حجم العقاد أو الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون لأن يكتبوا عنه بل و«يفلسفوه» ويبحثوا في دلالاته.

إذا كان الضحك هو الجرم الوحيد الذي لا نحاسب عليه إذا ما جعلنا الآخرين «يموتون من الضحك»، فلا شك أيضًا أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين قوة الضحك ومساحته وعمقه، وهو ما يفسر سر تميز هذا عن ذاك.

المخرج خالد جلال والذي تخرجت على يديه أجيال من «المضحكين الجدد» أو «المبدعين » كما يفضل توصيفهم وذلك عبر ورشته في مركز الإبداع الفني والتي يشرف عليها ولا يزال منذ سنوات، يؤكد لـ«ساسة بوست» على فكرة «الفنان الشامل» المدرب على تقديم كافة الأنماط والألوان، بوصفها سر من يريد أن يتميز بشكل عام، ومن تخرجوا عبر ورشته بشكل خاص، لكونهم تدربوا طويلًا على كيفية التعامل مع الموقف، سواء كان كوميديا أو تراجيديا.

جلال يرى أنه من الظلم حصر نجاح هذه الكوكبة من النجوم الجدد في إطار الكوميديا وفقط، مشيرًا إلى أن عددًا ممن تخرجوا من «ورشة إبداعه» نجحوا في رفع راياتهم على جبهات عديدة وكتبوا شهادة ميلاده الفنية عبر أدوار متنوعة ليست بالضرورة كوميدية.

نفس المقولات يؤكدها لـ«ساسة بوست» أيضا الفنان بيومي فؤاد والذي أطلت موهبته عبر ورشة الإبداع الفني قبل سنوات، هو الآخر ينتصر لفكرة «الفنان الشامل» مؤكدًا أنها أكثر ما يميز جيله من المبدعين الجدد لنجاحهم في تقديم مختلف الألوان ومن دون تخصص في إطار محدد.

بيومي يرى أن أي جيل لا يمكن إلغاء من سبقه للصدارة، بمعنى أن المسألة ليست «نقطة ومن أول السطر»، ولكنها حالة من التكامل، وأن جيله استفاد من كل من سبقه لصدارة المشهد، «هضمهم» وبنى عليهم مؤكدًا أنها حكمة الحياة فكل جيل لا بد أن يسلم الراية لجيل آخر.

المقارنات لا تشغل النجوم

مرة أخرى هل نجح النجوم الجدد أو جيل الوسط من المضحكين في سحب البساط من تحت أقدام الكبار، سواء في هذا الموسم أو المواسم السابقة؟

كوميديا رمضان

الفنان محمد عبد الرحمن – المصدر «في الفن»

الفنان محمد عبد الرحمن في تصريحات لـ«ساسة بوست» يرفض فكرة المقارنات التي يرتاح لها البعض، مؤكدًا أنها لا تشغل النجوم أصلا، مشيرًا إلى أن لكل جيل ما يميزه، كذلك لكل فنان خصوصيته، وأن المسألة في النهاية «تكاملية»، بمعنى لا يمكن فصل جيل عمن سبقه أو من سيأتي بعده، فكل جيل يستفيد ممن سبقوه، ويضيف أيضًا لمن سيأتي بعده.

من جانبه يؤكد الناقد السينمائي محمود قاسم أن هناك بالفعل أسماء نجحت في لفت الأنظار بقوة لموهبتها، مؤكدًا لـ«ساسة بوست» أن بعضهم يمتلك «سمات» خاصة تميزهم عن غيرهم وتمنحهم «خصوصية»، ولكن هذا لا يعني أن من سبقوهم لم يكونوا يمتلكون مفرداتهم، مشيرًا لأن كل جيل له ما يميزه ولكن معيار استمراره يرجع لتوافر جيل من الكتاب والمخرجين القادرين على تطويع تلك المواهب وتقديمها بشكل جيد ومميز.

نسب المشاهدة.. هل تصنع النجومية؟

النجوميه «تراكم نجاح» تدعمها اختيارات واعية من قبل الفنان تطلق الكامن في موهبته، إلا أن البعض يقيس النجومية بما تحققه أعمالهم من نسب مشاهدة خصوصًا في الموسم الأشهر للدراما حيث يتنافس الجميع، ونظرًا لصعوبة قياس المشاهدات على شاشات التليفزيون، وعدم التأكد من مصداقية بيانات الشركات المنتجة، فإننا سنستخدم هنا معيارًَا هو عدد المشاهدات على المواقع الإلكترونية سواء على « اليوتيوب» أو القنوات الخاصة بشركات الإنتاج أو مواقع أخرى تحرص على عرض المسلسلات.

وهذا الموسم تنافس على القمة وصدارة المشهد في الشاشة المصرية سبعة أعمال هي «ربع رومي» والذي اقتسم بطولته مصطفى خاطر ومحمد سلام، الذي يشارك أيضًا في «خفة يد» مع بيومى فؤاد ومحمد ثروت، و«الوصية» لأكرم حسني وأحمد أمين، و«سك علي إخواتك» وهو البطولة المنفردة لعلي ربيع، و«عزمي وأشجان» الذي يتقاسم بطولته الثنائي حسن الرداد وإيمى سمير غانم، و«أرض النفاق» للفنان محمد هنيدي الذي تأثر كثيرًا يالخروج من دائرة التنافس بعد رفعه من على خريطة العرض، كذلك «30 ليلة وليلة» لـسعد الصغير الذي مر مرور الكرام ولم يشعر به أحد.

والمؤشرات الأولى حول نسب المشاهدة وبعد عرض 10 حلقات، تشير لتصدر مسلسل «ربع رومي» للمخرج معتز التوني بنسب مشاهدة تجاوزت 13 مليون مشاهدة على موقع اليوتيوب فقط، حيث حقق في يوم عرضه الأول ما يقرب من 3 مليون و200 ألف، تراجعت في اليوم الثاني لـمليون و100 ألف، وحافظت على نفس المستوى في اليوم الثالث لتتراجع قليلا في اليوم الرابع لـ 934 ألف مشاهدة، لكن مع الحلقات التالية استعاد العمل جماهيره ونجح في تجاوز حاجز المليون.

بينما « الوصية» وعلى نفس الموقع ( اليوتيوب) لم يتجاوز 8 مليون مشاهدة، فباستثناء الحلقة الأولى التي حققت مليون و100 ألف مشاهدة، لم تقترب الحلقات التالية من هذا الرقم، بل إن بعضها لم يحصد أكثر من 263 ألف مشاهدة، الطريف أن أغنية الفنان هشام عباس ضيف شرف الحلقة التاسعة حققت منفردة 12 ألف مشاهدة فقط.

كذلك الحال بالنسبة لمسلسل «عزمي وأشجان» والذي لم يتجاوز حاجز المليون إلا في الحلقات الأولى فقط، بينما تراجعت نسب المشاهدة في الحلقات التالية حتى وصلت لـ 147 ألف مشاهدة في الحلقة العاشرة مثلًا.

فيما لم يتجاوز مسلسل الفنان محمد هنيدي «أرض النفاق» حاجز المليون في أي من حلقاته، ما دفع الشركة المنتجة للعمل لمحاولة الترويج له عبر طرحه على أكثر من موقع وتكثيف الدعاية حوله، خصوصًا بعدما تعرض العمل لكثير من الانتقادات.

أما عن مسلسلي «عوالم خفية» للفنان عادل إمام، و«بالحجم العائلي» للفنان يحيى الفخراني فلقد استبعدها النقاد من التقييم وسط الأعمال الكوميدية رغم أنهما لم تخل من بعض اللمحات الكوميدية في كثير من المشاهد، حيث تدور أحداث الأول في إطار تشويقي، والثاني دراما اجتماعية.

مسلسل «خفة يد» و« سك على اخواتك» لا تتوافر لهم نسب مشاهدة، حيث تم طرحهم على قناة «شاهد» التابعة لقناة الـ mbc مصر والتي لا تهتم بوضع نسب مشاهدة، بل تترصد عرض هذه الأعمال على أي مواقع أخرى بعيدًا عنها.

تقييمات متضاربة

حول تقييم الأعمال الكوميدية المعروضة هذا الموسم صرح الناقد السينمائي محمود قاسم لـ«ساسة بوست» أن «التهريج» هو السمة الغالبة على الكوميديا المعروضة هذا الموسم، التي تقتصر على مجموعة من الإفيهات و«الصوت العالي» والتي لا تثير أي ضحك، لأنها بالأساس لا تعتمد على نص جيد أو على الأقل لا يتوافر فيه الحد الأدنى من شروط الجودة، كما تفتقد هذه الأعمال أيضًا لمخرج مميز له بصمته الخاصة أسوة بمخرجين سابقين لمعوا في هذا المجال وكانت لهم بصماتهم المميزة في سنوات سابقة.

باختصار – يواصل قاسم – «لم نشهد هذا الموسم أي أعمال تتصف بالكوميديا الراقية، كما لم تشهد هذه الأعمال مواقف تتولد منها الكوميديا، أيضًا لم تطرح خلال هذه الأعمال أي قيم إنسانية أو قضايا اجتماعية يتم نقاشها بشكل ساخر، فقط مجموعة من الإفيهات والتي فشلت أيضًا في إضحاك المشاهد، لافتقادها لكاتب محنك يبدع نصًّا كوميديًّا راقيًا يثير الضحك من دون إسفاف».

قاسم يرى أن الزعيم عادل إمام رغم تربعه على عرش الكوميديا لسنوات طويلة إلا أننا لا يمكن تصنيف مسلسله «عوالم خفية» ضمن الأعمال الكوميدية، صحيح أنه لم يخل من لمحة هنا أو هناك، أو موقف يثير الضحك، إلا إن العمل في المطلق ينتمي للدراما التشويق ومن ثم فهو خارج السباق ولا مجال للمنافسة بينه وجيل المضحكين الجدد، المنافسة بينهم وبين الفنان محمد هنيدي ومسلسله أرض النفاق، لكن للأسف لم يحسن هنيدي الاختيار وقدم عملًا باهتًا لم يلفت الأنظار، بحسب تأكيد قاسم.

الناقد السينمائي أندرو محسن هو الآخر يخرج الفنان عادل إمام من دائرة التنافس على صدارة الأعمال الكوميدية المعروضة في هذا الموسم، وفي تصريحات لـ«ساسة بوست» يؤكد تميز عادل فى هذا العمل والذي يعد بمثابة عودة قوية للزعيم طال انتظارها، وعبر شخصية أحكم سيطرته عليها كفنان.

أندرو يلفت النظر لبعض «اللمحات الكوميدية» أو بالأحرى «خفة ظل» بعض المشاهد بحكم وجود الزعيم، كذلك الحال بالنسبة لمسلسل الفنان يحيى الفخراني «بالحجم العائلي» والذي لا يمكن تصنيفه بشكل صريح هو الآخر ضمن الأعمال الكوميدية، وإن لم يخل هو الآخر من لمحات كوميدية.

أندرو يرى أن الأعمال الكوميدية التي تم تقديمها هذا العام بشكل عام جاءت أفضل كثيرًا من تلك التي عرضت في السنوات السابقة باستثناء مسلسلات «لهفة»، و«نيللي وشريهان»، و«بنات سوبر مان»، إذ كانوا على قدر كبير من الجودة، وهذا العام نجح مسلسل «خفة يد» و«ربع رومي» في لفت الأنظار بوصفهم الأفضل وسط المعروض، وهم من إخراج معتز التوني ويشارك في بطولته بيومي فؤاد ومحمد سلام مع محمد ثروت وآيتن عامر «خفة يد» ومصطفى خاطر في «ربع رومي».

يواصل آندرو قائلًا: «إذا كان خاطر اعتمد على فريق فني متكامل (تأليف وإخراج وتمثيل) ساهم بقدر كبير في إنجاح العمل، على الجانب الآخر فإن رفيق مشواره الفني الفنان علي ربيع لم يتمكن من استعادة مكانته التي خسرها بعد فشل مسلسله «صد رد» واختيارات أخرى لم يوفق فيها، ما يؤكد ضرورة أن يهتم بتطوير نفسه وأدواته وأن يختار أعمالًا وشخصيات تسهم في إظهار جوانب أخرى من موهبته».

نفس الكلام -يواصل أندرو- ينطبق أيضًا علي مسلسل «أرض النفاق» الذي عاد من خلاله محمد هنيدي للدراما بعد فترة غياب، بعيدًا عن ظروف عرضه والتي أثرت بالتأكيد على نسب مشاهدته حتى على مستوى الإنترنت أيضًا، إلا أن العمل نفسه جاء مخيبًا للآمال على الرغم من تميز هنيدي وسط جيله من المضحكين.

مشكلة الكتابة هي أكثر ما تعاني منه الأعمال الدرامية الكوميدية المعروضة هذا الموسم على حد تعبير أندرو وهو ما يمكن تلمسه في معظم الأعمال ومن بينها «الوصية» والذي اقتسم بطولته أكرم حسني وأحمد أمين وهو من إخراج خالد الحلفاوي أو «عزمي وأشجان» للثنائي حسن الرداد وإيمي سمير غانم ومن إخراج إسلام خيري، مؤكدًا أن هذه الأعمال ليست سيئة ولكنها لم تكن على المستوى المتوقع من أبطالها، كذلك مسلسل «أرض النفاق» لمحمد هنيدي، مشيرًا لأن هناك بالفعل أسماء فرضت نفسها عبر ما قدمته من أعمال حققت نجاحًا «معقولًا» سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد