لم تحسم بعد مفاوضات ملف إيران النووي، على الرغم من الجولات المتقطعة بين فترة وأخرى حوله، فتارة يحدث تقدم بين الأطراف المفاوضة، وأخرى صدام يتبعه تأجيل، وخلاف حول بعض الملفات بين إيران والغرب.

لكن، وبالتزامن مع جولة المفاوضات الأخيرة في مدينة لوزان السويسرية، بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فإن ثمة اتفاق مبدئي للتوصل إلى اتفاق شامل نهاية الشهر الجاري، حسب المتفق عليه.

وبالتالي، فإن هذا الاتفاق جاء بعد أن أحرزت الجولة الأخيرة من المباحثات قدرًا أكبر من التقدم مقارنة بالعديد من الجولات السابقة، بسبب تنازلات إيرانية وأمريكية معا، للمضي قدما في حسم الملف، وسط تعثر ملفات أخرى بينهما.

في التقرير التالي، نتناول أبرز التنازلات التي قدمتها كل من إيران وأمريكا بشأن مفاوضات البرنامج النووي.

أولا: تنازلات إيران

جولة مفاوضات في مدينة جنيف مؤخرا

 

1- الاتفاق على تمديد المفاوضات بين إيران و”5+1″

على الرغم من الإصرار الذي أعلنه طرفا التفاوض في فيينا على التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن برنامج إيران النووي في الميعاد الذي كان قد حدد له الرابع والعشرين من نوفمبر 2014، إلا أن المشاورات في العاصمة النمساوية لم تنجح في تقليص التباعد في المواقف بين الجانبين.

وافقت إيران ونزلت إلى رغبة الغرب في جولة المفاوضات النووية العاشرة على تمديد أجل التفاوض حتى الأول من يوليو 2015، على أن يعاود انعقاد المفاوضات قبل نهاية 2014، وليكون هذا التمديد هو الثاني منذ انتهاء التمديد الأول في صيف 2014، والذي كان بعد التوصل إلى اتفاق “العمل المشترك” المؤقت بجنيف في نوفمبر 2013.

2- نسبة تخصيب اليورانيوم المسموحة لإيران

إذ تسعى الدول الست الكبرى إلى إقناع إيران بخفض قدراتها على تخصيب اليورانيوم الأمر الذي من شأنه أن يطيل المدة التي قد تستغرقها لإنتاج مواد قابلة للانشطار تصلح لصنع قنبلة نووية، وقد رضخت إيران لهذا الشرط في نوفمبر 2013، فوافقت على تحويل اليورانيوم المخصب بنسبة 20% إلى 5% والتقليل من مخزونها من اليورانيوم.

إلا أن الدول الكبرى تشدد على ضرورة وقف التخصيب بهذه النسبة لفترة 10 أعوام، وهو ما ترفضه إيران، وهو وقف التخصيب لفترة زمنية طويلة.

3- التقليل من عدد أجهزة الطرد المركزي

إن مجموعة “5+1” قلقة أيضًا من العدد الكبير لأجهزة الطرد المركزي التي تملكها إيران بعدد يقدر بأكثر من 19 ألف جهاز طرد مركزي للتخصيب، فيما تقدر الدول الغربية حاجة إيران بنحو تسعة آلاف جهاز طرد مركزي فقط لاحتياجاتها المحلية.

إن البلوتونيوم الذي ينتجه مفاعل “آراك” العامل بالماء الثقيل له استخدام مزدوج مدني عسكري، وترفض إيران تحويله إلى مفاعل يعمل بالماء الخفيف، وتسعى في المفاوضات إلى الاحتفاظ بعدد أجهزة الطرد المركزي لديها – وهي عبارة عن 9 آلاف جهاز نشط و10 آلاف جهاز غير نشط – .

وبالتالي، عرضت على الجانب الأمريكي خلال جولة المباحثات الأخيرة التي جرت في جنيف تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تشغلها حاليا من 9400 إلى 6000 جهاز خلال السنوات العشر الأولى من مدة الاتفاق.

4- تحديد أنشطة مفاعلي “ناتنز” و”فوردو”

يشار إلى أن مفاعل “ناتنز” في محافظة أصفهان هو أول معمل نووي لتخصيب اليورانيوم أنشأته إيران والثاني هو مفاعل “فوردو” في محافظة قم، حيث تم إنشاء الأخير في عمق الجبال تحسبًا لأي هجوم عسكري محتمل من قِبل الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد هذه المنشأة، وتحوّل “فوردو” لاحقًا إلى المنشأة الإيرانية الأساسية لتخصيب اليورانيوم.

ويخضع النشاط في “فوردو” إلى النقاش في المفاوضات حيث تضغط الدول الكبرى على إيران لتغيير طبيعة عمل تلك المنشأة من التخصيب إلى البحوث النووية ونقل أجهزة الطرد المركزي المستخدمة إلى منشأة “ناتنز”.

5-الحد من البحوث والتجارب النووية

المطلب الرابع الذي تصر عليه دول “5+1” هو، الحد من البحوث والتجارب النووية المخبرية التي تجريها إيران، والأمر يتعلق تحديدًا بمنشأة بحوث نووية موجودة في العاصمة طهران تأسست في زمن الرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور في خمسينيات القرن الماضي تحت شعار “النووي للسلم”.

وبالفعل تم التوافق مبدئيا في جنيف في نوفمبر 2013 حول أنشطة هذه المنشأة وسمح لها بممارسة نشاطها، ولكن على أن تخضع المنشأة للتفتيش تحسبًا لإمكانية استفادة إيران منها للحصول على نسبة تخصيب اليورانيوم اللازمة لصنع السلاح النووي.

6-وقف مؤقت لأنشطة مفاعل “آراك” للماء الثقيل

إن البلوتونيوم الذي ينتجه مفاعل “آراك” العامل بالماء الثقيل له استخدام مزدوج مدني عسكري، لهذا السبب تتعامل الدول الكبرى بحساسية بالغة مع تلك المسألة، في حين ترفض إيران تحويل “آراك” إلى مفاعل يعمل بالماء الخفيف.

إلا أن إيران أبدت بعضا من الليونة بشأن تجميد أعماله بصورة مؤقتة، دون النزول إلى رغبة الدول الست ووقفه تماما، حيث لا يزال قيد البناء مخصص لمعالجة البلوتونيوم الذي بدوره يمكن أن يفضي إلى تصنيع القنبلة النووية.

7- إجراء عمليات تفتيش طبقا لمعاهدة “إن بي تي”

تؤكد الدول الكبرى على ضرورة التنفيذ المؤقت للبرتوكول الملحق بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية “إن بي تي” من قِبل إيران، حيث تسمح هذه المعاهدة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارات مباغتة للمنشآت النووية الإيرانية.

واستجابة إيران حينها لتلك الشروط يعني فتح الباب واسعًا لإعادة النظر في إسقاط العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قِبل الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، بالإضافة للعقوبات المفروضة عليها من قِبل مجلس الأمن.

ثانيا: تنازلات أمريكا

 

الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

1-خفض العقوبات المفروضة على إيران

كانت الولايات المتحدة قد رفعت تجميد ما يقارب 7 مليارات دولار خلال الصفقة الأولية التي أبرمت في نوفمبر من عام 2013 بين أعضاء الدول الـ6 وإيران، ولكن مع ذلك ليس بمستبعد تكثيف العقوبات المفروضة على إيران، أو حتى التوقف عن تخفيفها في حال تعثر المفاوضات معها خلال الفترة الانتقالية.

حتى أن تقارير اقتصادية لفتت إلى أنه بحلول أبريل/نيسان 2014، أخذت إيران تتعافى ببطء لكن بثبات، حتى أنه لوحظ أن العلاقات التجارية لإيران مع عدد من الدول قد تحسنت بشكل ملحوظ.

وبالتالي فإن واشنطن كانت حرفيا تدفع الأموال المخصصة (700 مليون دولار شهريا) لإيران لمواصلة المفاوضات، كما يرى مراقبون.

وتعد العقوبات الاقتصادية الغربية ضد إران بمثابة السلاح الغربي لحرب ناعمة طويلة الأمد ضد الجمهورية الاسلامية، حيث ألحق هذا السلاح الناعم أضرارا كبيرة بالاقتصاد الإيراني لكن في الوقت الحاضر مع تمديد المفاوضات يبقى مصيرها معلقا بين الخروج من عنق الزجاجة بطريقة شبه مستحيلة أو ستواصل مسيرتها نحو النهايات المفتوحة.

إلا أن إيران تطالب حتى اللحظة برفع جميع العقوبات الدولية المفروضة عليها فور التوقيع على الاتفاق، الأمر الذي تعارضه الدول الكبرى، إلا أن الدول الغربية تصر على رفعها بصورة تدريجية تمشيا مع وفاء طهران بالتزاماتها.

2- قبول محدود ببرنامج إيران الصاروخي

سمحت أمريكا لإيران بزيادة عدد الأجهزة المستخدمة ليصل إلى 7800 جهاز خلال السنوات الأربع التي ستعقب السنوات العشر الأولى من الاتفاق، أما في السنوات الخمس التي تعقب هذه الفترة فتطلب إيران السماح لها بتشغيل الـ 9400 جهاز التي بحوزتها الآن.

وبحسب الاقتراح، فإن إيران اقترحت نقل غالبية مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى روسيا، وأن تبقي بحوزتها كمية رمزية تعادل 300-350 كيلوغراماً.

وقبلت أمريكا في الأسابيع الأخيرة تشغيل 6500 جهاز طرد مركزي من مفاعلات إيران النووية، مع رفع العقوبات التي ألحقت الأضرار بالاقتصاد الإيراني.

إضافة، إلى التراجع عن مطلب إقفال أو تفكيك مفاعل أراك للمياه الثقيلة الذي يمكنه إنتاج بلوتونيوم للاستخدامات العسكرية، وإقفال منشأة فوردو، وهما منشأتان يرى كثيرون أن لا ضرورة لهما في أي برنامج نووي سلمي، ما لم يكن الغرض الأساسي هو الحصول على قنبلة نووية.

فضلا عن تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي إلى أربعة آلاف، وهو الحد الأعلى الذي يجب أن يسمح لإيران بامتلاكه إذا كان الهدف مراقبتها بشكل جيد، ومنعها من اختصار الفترة الزمنية اللازمة لإنتاج قنبلة نووية.

3- تحديد سقف زمني للاتفاق

قبلت أمريكا بتحديد الاتفاق حول برنامج إيران النووي زمنيا، مما يعني أنه بغض النظر عما يأتي في مضمون أي اتفاق، فإن العمل به سينتهي خلال فترة معينة وبعدها تصبح إيران رسميا في حل كامل منه، ويعترف بشرعية مسارها النووي الكبير وما ينجم عنه، حيث تم الإشارة إلى أن فترة الاتفاق المقترحة تصل إلى حوالي عشر سنوات.

4- رفعها من قائمة” الإرهاب”

كانت خطوة مفاجئة قامت بها وكالة الاستخبارات الأمريكية في تقريرها السنوي الصادر بخصوص التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي رفعت كل من إيران وحزب الله اللبناني، من “قوائم الإرهاب” ما يوحي بوجود أسرار جديدة حول ملف المفاوضات النووية.

وجاءت هذه الخطوة، كما يرى متابعون بالتزامن مع تقديم تنازلات وتبادل مصالح بين الطرفين الأمريكي والإيراني، وتخفيف الضغط السياسي الممارس على إيران، إضافة إلى تمديد المفاوضات لجولة جديدة.

إضافة إلى احتمال وجود تهديد واضح لدول الخليج العربي التي تعاني من التمدد الإيراني والجماعات المتشددة والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، خاصة بالعراق واليمن.

5- تغير في السياسة نحو إيران

ثمة من يرى أن الولايات المتحدة ووفقا لسياسة الاحتواء تحاول تقويض قوة طهران عبر بناء تحالف “ستار أخضر” حولها يأتي تاليا على عقوبات أنهكتها بشدة، والابتعاد عن المواجهة المباشرة لصالح الاهتمام بقضايا استراتيجية مستقبلية تلوح في أفق آسيا عبر الصعود الصيني. لذلك، فإن واشنطن ماضية قدما في إعلان اتفاق نووي مع طهران، إذ تبدو المنطقة رغم اشتداد الحرب فيها أكثر استعدادا من أي وقت مضى لحصول ذلك، فعدم توقيع الاتفاق في هذه اللحظة سيؤدي بالتبعية إلى فرض العقوبات وتشديدها مجددا على نطاق أوسع، ما سيستتبعه بالضرورة تصعيد إيراني في وتيرة برنامجها النووي.

أما توقيع الاتفاق فسينقل إيران ولو نظريا من مرحلة العقوق إلى الاحتواء بشكل يساعد على تخطي، أو على الأقل يعطل، مرحلة المواجهة معها عمليا بخضوعها لنظام صارم من المراقبة النووية.

فيما يبدو الستار الأخضر العربي السني أكثر استعدادا لمواجهة الخطر الأمني الإيراني المحتمل، وهي النقطة التي تمثل قلقا كبيرا لحليفتها إسرائيل، التي بدأت تشعر أن واشنطن تضغط على زر “التوقف” عندما يتعلق الأمر بمواجهة طهران، لكنها في نفس الوقت تنسحب من الشرق الأوسط لصالح تحالف عربي سني قوامه خليجي في دفة القيادة.

5- توتر العلاقة مع إسرائيل

ظهور الوثائق التي سربها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” حول برنامج، وتحذير المجتمع الدولي من إمكانية إتمام صفقة سيئة بين القوى الغربية وبين إيران، من توتر العلاقات مع أمريكا، خاصة مع الارتياح الأخير بقرب توقيع الاتفاق مع إيران.

وتسعى “تل أبيب” بكل قوة لضربة عسكريا في أسرع وقت، وهو ما ترفضه واشنطن بشدة خاصة مع اقتراب فتح باب الانتخابات الأمريكية بعد أقل من شهرين، لاسيما وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتهم إدارة أوباما إلى افتقارها للوضوح في موقفها بشأن “برنامج إيران النووي”.

وفيما يتعلق بفضيحة تجسس إسرائيل على المحادثات النووية مع إيران مؤخرا، الأمر الذي أثار غضب أمريكا، وزاد في الوقت نفسه من توتر العلاقات بينهما لصالح إيران وبرنامجها النووي، والتي تسعى إسرائيل إلى رفض التعاون.

ويرى مسؤولون أمريكيون أن عملية التجسس كانت جزءًا من حملة أوسع من قبل حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاختراق المفاوضات ومن ثم المساعدة في بناء قضية ضد الصفقة.

وثمة من يرى أن استخدم نتنياهو المعلومات السرية في حملة لكسب تأييد الكونغرس مؤخرا من أجل تعطيل أي اتفاق مع إيران ولكن الحملة ألحقت ضررا بالغا بالعلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة وأدت لنفور الكثير من الديمقراطيين في الكونغرس من كلمة نتنياهو في واشنطن.

6- محاربة” داعش”

تريد الولايات المتحدة إشراك إيران في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية” داعش”، بل تعتبرها من أهم الأدوات التي يمكن استخدامها للقضاء على التنظيم، وتستغل في هذا نفوذ إيران في العراق من خلال تدريب بعض الشيعة هناك لقتال داعش.

وتوفر الولايات المتحدة عبر الجو وعبر مستشاريها العسكريين على الأرض كلّ الدعم للميليشيات الشيعية التي تتبع إيران، حيث أنها تتشارك معها في المعلومات الاستخباراتية حول مواقع مقاتلي “داعش”، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر، وذلك عبر حلفاء طهران في النظام العراقي الحاكم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد