ضجة كبيرة أحدثتها رواية «جريمة في رام الله» في محافظات الضفة الغربية، فما أن انتهى الأمن الفلسطيني من مصادرة الرواية من المكتبات ونقاط بيعها، حتى بدأت معركة أخرى بين المعارضين، والمؤيدين لقرار مصادرة الرواية المتهم مؤلفها بـ«خدش الحياء العام».

تشكل هذه الحادثة التجربة الأولى التي تعيشها مدن الضفة الغربية بمصادرة رواية أدبية، لكنها تأتي ضمن سلسلة مستمرة عربيًّا، تذكرنا بما تعرض له كتاب «ألف ليلة وليلة» من مصادرة، واتهام بخدش الحياء العام، وبما حظيت به رواية المغربي محمد شكري «الخبز الحافي» من نسبة قراءة عالية، لأنها منعت في أكثر من بلد عربي، رغم وصف العديد من النقاد لها بأنها ركيكة فنيًّا.

«جريمة في رام الله»

قرار فلسطيني رسمي هو الأوّل من نوعه أصدره النائب العام الفلسطيني المستشار «أحمد براك»، يقضى بضبط كافة نسخ رواية «جريمة في رام الله»، للروائي الفلسطينيّ «عبّاد يحيى» من المكتبات ونقاط البيع في كافة أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

غلاف «جريمة في رام الله»

المؤلف عبّاد يحيى، والناشر خالد سليمان الناصري، والموزع فؤاد العكليك دعوا إلى تحقيق من الأمن الفلسطيني. على الجانب الآخر، فقد قالت النيابة العامة إن الرواية تحوي «نصوصًا ومصطلحات مخلّة بالحياء والأخلاق والآداب العامّة، والتي من شأنها المساس بالمواطن»، كما جاء في بيان صادر عن النيابة العامّة، واعتبرت النيابة أن «تلك النصوص والمصطلحات تمس القصّر والأطفال، وجاء القرار حماية لهم، ووقاية من الانحراف».

وفي بيان النيابة جاء أيضًا أن «ما تتضمّنه الرواية يتنافى مع الاتفاقيّات الدوليّة، ومنظومة القوانين الفلسطينيّة ذات العلاقة، لا سيّما قانون المطبوعات والنشر، وقانون العقوبات، وقانون حماية الأحداث، وقانون الطفل الذي حظر نشر، أو عرض، أو تداول أيّ مصنّفات مطبوعة، أو مرئيّة، أو مسموعة، تخاطب غرائز الطفل، وتزيّن له السلوكيّات المخالفة للنظام العامّ، والآداب العامّة«.

الروائي عباد يحيى- صورة من صفحته على فيسبوك

من جانبه، يعتبر الخبير القانوني ماجد العاروري أن «قرار ضبط رواية جريمة في رام الله هو قرار إداري وفقًا للمادة 47 من قانون المطبوعات وليس قضائيًّا»، مضيفًا: «المادة المذكورة أجازت الضبط للمطبوعة في اليوم الذي تصدر فيه، وليس بعد أربعة أشهر من تاريخ صدورها وتداولها في السوق، ويمكن الطعن بقرار التحفظ أمام القضاء باعتباره قرارًا إداريًّا»، وتابع القول: «هذا لا يلغي حق المحكمة بالنظر في المخالفات إن وجدت، ولا حق النائب في التحقيق في هذه القضية، أو أية قضية نشر أخرى دون الحاجة أصلًا إلى توقيف أي شخص».

يذكر أن الرواية تناولت حكاية ثلاث شخصيات فلسطينية شابة، من جيل ما بعد الانتفاضة الثانية تواجههم جريمة، وبالمرور خلال الحبكة الروائية يستعرض المؤلف التغييرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع الفلسطيني.

«الحملة متعمدة ضد الروائي»

لم يتردد المؤيدون لقرار مصادرة الرواية في اجتزاء مقاطع من الرواية ونشرها في الحملة ضد الرواية ومؤلفها، وقد وصل الأمر لاتهام هؤلاء بالتحريض ضد الكاتب، وهو ما جعل الأديب والباحث «سعيد أبو معلا» يقول لـ«ساسة بوست» إن هناك مجموعةً من النشطاء محسوبين على تيار سياسي هم من قاموا بالحملة ضد الرواية، وضد الروائي عباد.

سعيد أبو معلا متضامنًا مع عباد

ويصف سعيد أبو معلا هؤلاء بأن: «لهم موقفهم الشخصي والسياسي من عباد، ويحاولون تصيده واغتياله معنويًّا، فأسباب اتخاذ القرار من وجهة نظري بفعل هجوم وتعبئة ضد الروائي عباد، هناك محاولة لاعتقاله لكونه صوتًا حرًّا».

ويعتقد أبو معلا أن ما يجري هو محاولة للتحريض ضد الروائي، وضد كل من يدعمه، أو حتى يرفض قرار النائب العام بالمنع والمصادرة، وتابع القول: «الخطير هنا أن النائب العام صادر ومنع رواية لم تهدد حياة أحد، وأغفل كل الاتهامات والتهديدات بالقتل للروائي، هذا فعل مفرط في الانحياز، ودليل على أن العدالة في فلسطين لأشخاص بعينهم»، معتبرًا أنه في حالة عباد أصبح النظام السياسي والنيابة العامة طرفًا في التطرف، وداعمًا له، بدلًا من أن يعزز الحريات، ويساعد على سيادة جو من الانفتاح.

ويعتبر أبو معلا أن حجم التندر على الرواية على شبكات التواصل الاجتماعي فاق كل التوقعات، وقال: «لهم الحق في عدم الشراء، ولهم الحق في عدم قبول الرواية، وحتى إتلافها لكن المطالبة بالاعتقال والمصادرة موقف رجعي في بلد محتل، غير أنه يخبرنا أن حال الحريات في فلسطين ليس بخير إطلاقًا».

هل يجعل المنع من الرواية عملًا عظيمًا؟

«إنّ منع رواية لا يصنع فكرًا، وعلى الرغم من هذا، أقبل من يعارض جوانب معيّنة في أيّ عمل إبداعيّ، لكن دون محاكمة نصّيّة للإبداع، بل مع محاكمة إبداعيّة للنصّ، عبر النقد»، هكذا علق وزير الثقافة الفلسطينيّ «إيهاب بسيسو»، على قضية مصادرة رواية «جريمة في رام الله».

يقول الإعلامي الفلسطيني عماد الأصفر: «هناك شبه إجماع على ذم الرواية، وهناك إجماع أشد على عدم جواز منعها، واستدعاء كاتبها وناشرها، كما أن هناك رأيًا مسبقًا معارضًا لأي قرار تتخذه السلطة، ولكن هذا الرأي المسبق لا يجب أن يقود إلى اعتبار أن الرواية عمل عظيم لمجرد أنه تم منعها».

وأضاف الأصفر في منشور له على فيسبوك: «رفوف المكتبات التجارية أو العامة أو الأكاديمية لا تخلو من أدب قديم وحديث مترجم وعربي يحاكي الغرائز الجنسية، ولا يخلو من انحراف، ولكنه لا يخلو من أسلوب وسمو أدبي»، ويوضح الأصفر أن الذائقة الجماهيرية معتلة، بدليل التساهل المفرط في ذكر كلمات إبداع ومبدعين وإبداعات فكرية، وأن هناك خلطًا غير إبداعي عند مقارنة منع الرواية بمنع تداول كتب المفكر إدوارد سعيد.

وتابع القول: «واضح أن المدافعين والذين استندوا إلى المعايير الدولية في الهجوم على قرار منع الرواية، ومن معرفة شخصية بمعظمهم، لا يرتضون هذه المعايير الدولية في مجالات أخرى


في مصر «محاكمة الخيال»

في 22 من فبراير (شباط ) عام 2016، قضت محكمة مصرية بسجن الروائي المصري أحمد ناجي لمدة عامين لإدانته بـ«خدش الحياء العام»، وبالفعل سجن ناجي سبعة أشهر قبل أن تقضى محكمة النقض المصرية في ديسمبر(كانون الأول) من العام نفسه بوقف تنفيذ الحكم السابق.

الروائي المصري أحمد ناجي- موقع المصريون

القضية التي عرفت إعلاميًّا بـ«محاكمة الخيال»، شهدت معركة قضائية «حامية الوطيس»، فقد سجل فيها ناجي قبل سجنه انتصارًا بحصوله على حكم براءة أصدرته محكمة أخرى أقل درجة، ثم استأنفت النيابة العامة الحكم ضد المؤلف، وتعود التفاصيل إلى محاكمة ناجي على روايته «استخدام الحياة»، إذ رفع محام دعوى قضائية ضد المؤلف متهمًا إياه وصحيفة «أخبار الأدب» التي نشرت فصلًا من الرواية في عددها رقم 1097 بنشر ما «يخدش الحياء العام»، وذكرت النيابة المصرية أن «الاتهام ثابت على المتهمين وكافٍ لتقديمهما إلى المحاكمة».

وقد اعتبر المعارضون لقرار حبس ناجي ذلك مخالفة صريحة لبنود الدستور المصري في المادة 67، والتي تنص على أن «حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة النهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك، وﻻ يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية، أو ضد مبدعيها إﻻ عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني، أو الأدبي، أو الفكري».

«حبيبي داعشي» تُصادر في تونس

لم تتمكن الكاتبة المصرية هاجر عبد الصمد من نشر روايتها الأولى «حبيبي داعشي» في بلادها تحت مسوغ أن الرواية تحمل رسائل سياسية عديدة، حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية رحّلت قبل أشهر طالبًا موريتانيًّا عثرت في بيته على نسخة من الرواية.

غلاف رواية «حبيبي داعشي»

ورغم اضطرار «عبد الصمد» الذي يبلغ السابعة والعشرين من العمر لنشر الرواية على شبكة الإنترنت عام 2015، إلا أن الكاتبة كانت مصرة على نشرها مطبوعة، وتمكنت من ذلك عندما تكفلت دار النشر التونسية «كارم شرف» من نشر وتوزيع الرواية، لكن سرعان ما أحدثت الرواية ضجة واسعة في تونس، فقد عجل الأمن التونسي بمصادرتها، وحجز نسخها من المكتبات التونسية.

وكما جاء في بيان دار «كارم شرف»: «السلطات الأمنية صادرت رواية (حبيبي داعشي) من مكتبة وسط تونس العاصمة، وهذا الإصدار تعرّض لممارسة دنيئة واعتداء همجي وغير قانوني وغير مسؤول من طرف أجهزة الدولة التونسية ممثلة في وزارة الداخلية».

وتعد الرواية من أوّل الروايات التي تستكشف حقيقة «تنظيم الدولة»، وتنبه لخطورة الانضمام إليه، ويؤكد قطاع من النقاد أن الرواية لا تشجع على التطرف؛ بل هي مقاومة إبداعية وفنيّة متميّزة ضدّ التنظيم والإرهاب.

وقد استنكر اتحاد الناشرين التونسيين مصادرة الرواية من المكتبات التونسية، إضافة لمصادرة كتب الأسير الفلسطيني عبد الله البرغوثي، ووصف بيان الاتحاد عملية المصادرة بأنها: «غير مشروعة، ومنافية لمنطق وروح دستور الجمهورية التونسية الضامن لحرية التعبير، والمكرّس لحق نشر الكلمة الحرة دون قيد أو شرط».

المصادر

تحميل المزيد