نال رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد جائزة نوبل للسلام هذا العام تحديدًا لـ«مبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودي مع إريتريا»، و«جهوده في إنهاء عقدين من العداء» مع البلد المجاور، أكثر من دوره البارز في «استعادة الحريات إلى بلاده بعد عقود من القمع السياسي والاقتصادي»، و«تنفيذ إصلاحات سياسية وديمقراطية منحت الكثيرين الأمل في مستقبل واعد».

لكن في غمرة الاحتفاء بالجائزة، تغيب بعض الحقائق، وتتوارى الأسئلة الأكثر أهمية؛ هل انتهى النزاع حقًا بين إثيوبيا وإريتريا على أرض الواقع، أم أن اتفاق السلام لا يزال مجرد حبر على ورق؟ وهل يمثل تنازل آبي أحمد عن المناطق المتنازع عليها حلًا، أم يُطلِق مخاطر من نوع مختلف على الجانبين؟ وهل تساعد جائزة نوبل جهود السلام بين البلدن أم تهددها بالثناء على أحد الطرفين وترك الآخر يتلظى بنيران الغيرة؟ وهل نهج المصالحة الذي يتبعه آبي أحمد مستدامٌ أم مؤقت؟ وكيف هو الوضع على الجانب الآخر في إريتريا؟ 

السلام بين إريتريا وإثيوبيا.. هل سقط «جدار برلين الأفريقي» أخيرًا؟

الحرب تضع أوزارها وشمل الفرقاء يلتئم

الصحافي شمشون برهان (27 عامًا) إثيوبي الجنسية، لكن جذور والده برهان أشميلاش تمتد إلى إريتريا، بعدما توجه في عام 1997 لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، بينما كان شمشون عمره خمس سنوات. وفي الوقت الذي كان الأب يعتزم العودة إلى إثيوبيا بعد إنهاء خدمته العسكرية، عاجلته الحرب التي اندلعت بعدها بعام فقطعت عليه الدروب. ولم تسمع عائلته عنه طيلة سنوات، نتيجة انقطاع الاتصالات بين البلدين، حتى ظنوا أنه مات. وهكذا افترق الأب والابن منذ اندلعت الحرب بين البلدين عام 1998، ولم ينبض الأمل في التئام الشمل مرة أخرى إلا بعدما وقع آبي وأسياس اتفاق سلامٍ قبل عام. 

Embed from Getty Images

الجالية الإثيوبية والإريترية في إيطاليا، يرفعون صورة رئيس الوزراء الإثيوبي

قرر شمشون في عام 2018 السفر إلى العاصمة الإريترية أسمرة والبحث عن والده. ذهب إلى وزارة الدفاع، التي تحتفظ بقاعدة بيانات عن جميع الذين خدموا في الجيش، للحصول على معلومات. من مكان عمل والده، إلى رقم هاتفه، اكتشف شمشون أن لديه سبعة إخوة غير أشقاء، أنجبهم برهان بعدما تزوج في إريتريا. وحين التقى الابن والده لأول مرة بعد هذا الانقطاع الطويل، لم يستطع التوقف عن معانقته، أو تجفيف شلال الدموع المنهمر من عينيه. بيد أن قصة شمشون التي سردتها وكالة «رويترز» ليست سوى نموذجٍ من بين آلاف العائلات الأخرى التي تقطعت أوصالها طيلة عقدين من العداء بين الجارتين اللدودتين. 

عادت الاتصالات بين إثيوبيا وإريتريا، ما سمح للعائلات التي انفصلت بسبب الحرب باستئناف التواصل بعد انقطاع طويل. وفي الأيام التي أعقبت هذا الاختراق، اتصل بعض الإثيوبيين بالأرقام الإريترية عشوائيًا، وكذا فعل بعض الإريتريين؛ لمجرد إشباع الرغبة في التحدُّث إلى شخص ما على الجانب الآخر، بعدما أصبح إمكانهم القيام بذلك. فيما تتبع آخرون آباءهم وأشقاءهم وأصدقاءهم، لتمتد جسور الوصل بعد الفراق. 

وعلى غرار مشهد شمشون وبرهان، تمكنت شقيقتان انفصلتا عن والدهما في الحرب، وظلتا عالقتين منذ ذلك على جانبي الحدود، من احتضانه للمرة الأولى بعد 20 عامًا من الفراق. وعندما هبطت أول رحلة تجارية تابعة لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية من أديس أبابا إلى العاصمة الإريترية أسمرة، في 18 يوليو (تموز) من العام الماضي، جثا ركاب الطائرة على ركبهم وقبّلوا الأرض، وفق ما رصدته ماتينا ستيفيس جريديف في مقال نشرته «نيويورك تايمز». 

«صمت القبور».. سلامٌ لم تدبّ الروح في أوصاله بعد

صحيحٌ أن البلدين أعلنتا إنهاء حالة الحرب المستمرة منذ 20 عامًا بسبب النزاع على مناطق حدودية، وأسدلتا الستار على «أطول صراع في القرن الأفريقي»، واتفقا على «بدء تشغيل خط الطيران وفتح الموانئ – لكي يتمكن المواطنون من التنقل بين البلدين – وإعادة فتح السفارات»، واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية، واجتمع الزعيمان وكبار المسؤولين مرارًا لمناقشة كيفية «هدم الجدار، وبناء جسر المحبة بين البلدين» – على حد قول آبي أحمد – إلا أن «اتفاق السلام الموقع منذ أكثر من عام لم يترجم حتى الآن إلى خطوات ملموسة»، حسبما ترصد ماتينا جريديف. 

بل «وصلت جهود السلام الإثيوبية الإريترية إلى طريق مسدود، وربما توقفت تمامًا. صحيحٌ أن أفراد العائلات ورجال الأعمال أصبحوا قادرين على التنقل يوميًا عبر رحلات مدتها 50 دقيقة بين العاصمتين، أديس أبابا وأسمرة. لكن هذا الامتياز يقتصر فقط على نخبة صغيرة». حتى تساءل لودجر شومدسكي في مقال رأي نشرته «دويتشه فيله»، مستهجنًا: «سلام مع إريتريا.. أم صمت القبور؟».

وما لم تخبرك به لجنة نوبل أنه قد «أعيد غلق المعابر الحدودية مثل: زالامبيسا، الذي يعتبر أكثر أهمية للنقل العام وحركة البضائع بعدما رافق افتتاحها ضجة كبرى. وتوقفت الدبلوماسية المكوكية التي أطلقها آبي أحمد، وتجاوب معها رئيس إريتريا أسياس أفورقي. ولا تزال السفارة الإريترية في أديس أبابا مغلقة، ولم تدب الروح في شرايين عقود الأعمال الضخمة التي وقعها الجانبان. وبدلًا عن ذلك، عقد البلدان «تحالفات إستراتيجية غير مقدسة» مع دول ما وراء البحر الأحمر، تطبيقًا للشعار القديم: «عدو عدوي صديقي».

لا أحد يعرف ماذا يحدث!

حين أُغلِق معبر زالامبيسا الحدودي في نهاية العام الماضي، دون تفسير، لزم قادة البلدين الصمت حيال ذلك، وسرعان ما حذت المعابر الأخرى حذوه. «كانت تلك أتعس لحظة»، على حد وصف مدرس سابق يكافح الآن لدفع إيجاره، يُدعى تيكلت، مشيرًا إلى خيبة الأمل «عندما أغلقوا الحدود بعد فترة وجيزة من فتحها». 

ويلخص هدوش ديستا، أكبر مسؤول في بلدية زالامبيسا، قصة الأمل الموؤود في مهده قائلًا: «بعد الافتتاح، كان من الواضح جدًا أن الجميع سعداء. كانوا راغبين في ممارسة التجارة، ومد حبال الوصل. لكن الآن، وبدون أي سبب، أُغلِق المعبر؛ ففاضت مشاعر الناس، قائلين: لماذا يحدث هذا لنا؟».

وإذا كان آبي أينيت، وهو باحث بارز في مركز أبحاث العلاقات الخارجية والدراسات الإستراتيجية الإثيوبي، «لا يعرف بوضوحٍ ما يجري»، ولم يسعفه سوى القول المأثور «الشيطان يكمن في التفاصيل» للتعليق على الأمر برمته، فإن «صمت القبور» الذي أزعج لودجر شومدسكي قد يشير إلى أن الشيطان نفسه  الذي يكمن في التفاصيل، ربما لا يعرف ما الذي يحدث على وجه الدقة!

هل تُحيي جائزة نوبل جهود السلام بين إثيوبيا وإريتريا؟

ربما يهدف قرار لجنة نوبل إلى «تشجيع عملية السلام، على غرار جائزة عام 1994 التي تقاسمها قادة إسرائيليون وفلسطينيون، وجائزة عام 1993 التي مُنحت لجهود المصالحة في جنوب أفريقيا»، وفق ما نقلته «رويترز» عن دان سميث، رئيس «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، الذي اعتبر منح الجائزة لرئيس وزراء إثيوبيا «حالة من الرغبة للتدخل بناء في عملية السلام.. للتعزيز والتشجيع».

لكن مثلما للأدوية «أعراض جانبية»، فللجوائز الدولية أيضًا تأثيرٌ مشابه. وحتى لو ذكرت لجنة نوبل اسم رئيس إريتريا، أسياس أفورقي، في سياق إشادتها بالجهود التي تمخضت عن «وضع مبادئ اتفاق سلام لإنهاء الجمود الطويل (لا سلام ولا حرب) بين إثيوبيا وإريتريا»، يستبعد شومدسكي «أن يقبل المستبد حاد الطبع في أسمرة، الذي يقيد شعبه بالأغلال بلا رحمة حتى يتمكن من البقاء في السلطة، بأن يتجاهله العالم، بينما يسلط الأضواء على السياسي الكاريزمي الذي يبلغ نصف عمره». 

Embed from Getty Images

وحتى لو أعلنت اللجنة أن جائزتها للسلام هذا العام ليست حكرًا على رئيس وزراء إثيوبيا، بل تسعى أيضًا للاعتراف بجميع جهود من يعملون من أجل السلام والمصالحة في إثيوبيا ومناطق الشرق وشمال شرق أفريقيا، فإن الحقائق على الأرض تشير إلى أن «آبي أحمد قد حصل على جائزة السلام المرموقة، عن سلامٍ موجود، على الأغلب، فقط على الورق». والأسوأ من ذلك – حسب توقعات شومدسكي المتشائمة – أنه «يمكن للجائزة، في نهاية المطاف، أن تعوق جهود السلام، إذا شعرت القيادة الإريترية بأنها تحت ضغط أكبر من ذي قبل».

يرى البعض، مثل ويل دافيسون، الباحث في منظمة الأزمات الدولية، أن جائزة السلام التي منحت لآبي ستجدد الضغط على أسياس لرفع حالة الطوارئ والتخلي عن سياسة التجنيد الإلزامي، قائلًا حسبما نقلته «نيويورك تايمز»: «لرؤية اتفاق سلام كامل الأثر، له تأثير كبير على حياة الإريتريين، وكذلك الإثيوبيين بدرجة أقل، نحتاج إلى رؤية تغييرات داخلية في إريتريا، تمثل عودة إلى الحكومة الدستورية، وتعكس نهاية الأعمال العدائية مع إثيوبيا».  

لكن يرى آخرون، مثل ميرون إستيفانوس، الناشطة الإريترية السويدية، أن الجائزة مجرد إضفاء للشرعية على أسياس وحكمه الوحشي دون إجباره على تغيير سياساته في الداخل. قائلة: «كيف تُمنَح جائزة سلام بدون سلام؟» هل حصل الإريتريون على السلام؟ «لا». وأضافت: «ما زال الناس يفرون، ويستأجرون المهربين. إننا نشاهد الأمور تزداد سوءًا، ولا تتحسن. هذا مجرد إضفاء الشرعية على الديكتاتورية».

نظرة على الجانب الإريتري.. هل نهج المصالحة الذي يتبعه آبي مستدام؟

قبل يومٍ واحد من حصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام، دعا رئيس الوزراء الإثيوبي رؤساء الدول والحكومات من جميع أنحاء المنطقة للمشاركة في احتفال ضخم، تحت عنوان «Medemer»، وهو مصطلح أمهري يعني: «الوحدة التآزرية». أرسل السودان والصومال وأوغندا ممثلين لحضور الاحتفال، لكن غاب ضيف واحد فقط، ليس كأي ضيف، لأنه: الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، شريك آبي في عملية «المصالحة».

Embed from Getty Images

سلط هذا الغياب الضوء على الحقيقةٍ التي لخصها تقرير «نيويورك تايمز» بالقول: «لا يزال التغيير الحقيقي على الجانب الإريتري محدودًا، حيث يظل الناس معزولين تحت قبضة أفورقي الحديدية رغم توقيع اتفاقية السلام». فقد استخدم الرئيس الإريتري النزاع مع إثيوبيا مبرر لتعليق الدستور في بلاده، وفرض حالة الطوارئ بلا نهاية؛ مما سمح له بتجنيد غالبية السكان في الخدمة الوطنية الدائمة إلى أجل غير مسمى، وهي طريقته لإجبار المواطنين على العمل في وظائف محددة بأجور منخفضة ومنعهم من السفر إلى الخارج.

وهذه السياسة، التي لا تزال سارية رغم اتفاق السلام في العام الماضي، تسببت في أحد أكبر وأبرز حركات اللجوء في العالم. فقد غادر الإريتريون بلادهم بأعداد هائلة بحثًا عن اللجوء في أوروبا وأمريكا الشمالية، حسبما ورد في مقال ماتينا ستيفيس غريديف. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لاحظت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة زيادة قدرها سبعة أضعاف في عدد اللاجئين الفارين من إريتريا بعد فتح الحدود، وسجلت خروج حوالي 10 آلاف لاجئ في شهر واحد. وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن اتفاق السلام «وفر بعض الأمل في رفع القيود المفروضة على الخدمة الوطنية، لكن لم يحدث تغييرًا كبيرًا حتى الآن» في إريتريا.

ويرى كثير من المحللين والدبلوماسيين أن لإريتريا يد في عرقلة التقدم نحو السلام الشامل. ذلك أن الانفتاح على إثيوبيا من شأنه أن يجبر أسياس على التخلي عن قدر من السيطرة، وهو أمر يستبعد منتقدوه أن يُقدِم عليه. وفي هذا الصدد، يقول مهاري تسفاميتشيل، رئيس «حركة المستقبل المشرق الإريترية» المعارضة: «أعتقد شخصيًا أنه ما دامت المجموعة الحالية في أسمرة ممسكة بزمام السلطة، فلن تفتح الحدود ولن يشرع البلدان في بناء علاقات طبيعية». 

ماذا يخبرنا التاريخ عن مستقبل السلام بين إثيوبيا وإريتريا؟

«يحذر التاريخ من أن العلاقة بين هذين البلدين قد ترتدي فجأة ثوب الحداد مرة أخرى» *مايكل روبن، في مقال نشرته مجلة «ناشيونال إنترست».

عندما حصلت إريتريا على استقلالها في عام 1993، بعد صراعٍ دام 30 عامًا ضد إثيوبيا، تفشت روح التفاؤل بأن السلام سوف يستمر. ولا غروَ فقد استقال الدكتاتور العتيد منجستو هيلا مريام في 21 مايو (أيار) 1991، وهرب إلى المنفى في زيمبابوي. ولأن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي والزعيم الإثيوبي الجديد ملس زيناوي كانا رفيقي سلاح ضد نظام منجستو؛ بدا الأمر كأنهما سيقودان بلديهما إلى فترة من السلام والازدهار. 

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس الإريتري

لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا، وبعد ثلاث سنوات فقط، اندلعت سلسلة من المناوشات بين إريتريا وإثيوبيا بسبب نزاعات حدودية بسيطة نسبيًا تحوّلت إلى صراع واسع النطاق. ولأن الأرض التي كانا يتنازعان عليها لا تتمتع بموارد حقيقية، بدا الأمر غير منطقي لدرجة أن الصراع وُصف في كثير من الأحيان بأنه «اقتتال بين رجلين أصلعين على مشط».

وبحلول الوقت الذي وافق فيه الطرفان على وقف إطلاق النار، كان ما لا يقل عن 100 ألف إثيوبي وإريتري قد لقوا حتفهم في القتال. وكان السلام باردًا، وفي بعض الأحيان كان القتال وكأنه على وشك الاندلاع مرة أخرى. واستخدم كلا البلدين الأزمة ذريعة لتضييق الخناق على الحقوق والحريات. وبينما كان الدبلوماسيون والمحللون يأملون في أن تصبح إريتريا دولة ديمقراطية، سرعان ما انحدرت إلى حكم استبدادي. ففي عام 1999 خفضت مؤسسة «فريدوم هاوس» تصنيفها إلى دولة «غير حرة». في غضون ذلك انزلقت إثيوبيا إلى مستنقع القمع، وإن لم تصل للدرجة ذاتها من التطرف.

وحول الدروس المستفادة من هذا التاريخ يقول مايكل روبن: «للأسف، في حين أن آبي يبدو صادقًا في مساعيه، يُستبعد أن يكون هناك سلام واضح بين إثيوبيا وإريتريا. ومثلما تحوَّل أسياس وملس من رفيقي سلاح وصديقي سلام إلى عدوين متناحرين في غضون بضعة أشهر فقط، يتوقع أن تتكرر المأساة ذاتها بين أسياس (73 عامًا) وآبي (42 عامًا)».

«شوكة في حلق الحكومة».. كيف أسهم معارضو الخارج في تحرير إثيوبيا من الاستبداد؟

المصادر

تحميل المزيد