في تونس، توزع الصلاحيات بالتوازي بين السلطات التنفيذية، والقضائية، والتشريعية، في النظام البرلماني؛ وذلك لضمان عدم تعدي إحداها على الأخرى، لكن تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد، التي قال فيها إن بإمكان الناخب سحب الثقة مِن الذين خانوا الأمانة من أعضاء «مجلس نواب الشعب» أثارت ضجة كبيرة. إذ عدها بعضهم تعديًا على السلطة التشريعية من قبل رئيس الجمهورية، الذي يعد أحد رأسي السلطة التنفيذية، بالتشارك مع رئيس الحكومة حسب الدستور التونسي.

تصريحات الرئيس قيس سعيد، جاءت في أثناء زيارة قام بها إلى المستشفى العسكري في مدينة قبلي، يوم الاثنين 11 من مايو (أيار) 2020، وانتقد فيها الخلافات والمشادات في «مجلس نواب الشعب»، معتبرًا أن الحرية ليست تبادلًا للشتم والسباب، بل إنها تبادل للحجج والأفكار. فيما رأى عدد من النواب تصريحات الرئيس قيس سعيد «تحريضية وتهديدية»، وحمَّلوه السلامة الجسدية لنواب الشعب؛ خوفًا من ردة فعل مؤيدي الرئيس، خاصة وأن أنصاره ينسقون مع حزب «الدستوري الحر» وبعض الأحزاب السياسية الأخرى منذ فترة لحل البرلمان، وأن هذا البرنامج ليس وليد اللحظة فهو يخطط له منذ مدة بتدخلات أجنبية، بحسب النشطاء التونسيين.

جاءت هذه التصريحات في أجواء متوترة، بعد ظهور حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى الانتفاضة مطلع يونيو (حزيران)، مسمية ذلك بـ«ثورة الجياع»، في بيان تحت اسم بيان «جبهة الإنقاذ الوطني الثانية»، وتهدف إلى حل مجلس النواب وتجميد العمل بالدستور، وتكليف الرئيس ورئيس الحكومة بتأسيس المحكمة الدستورية، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة قبل نهاية عام 2020، كما طالب البيان بتغيير النظام الانتخابي، ومنح السلطة للمجلس الأعلى للقضاء؛ لمحاكمة الفاسدين.

في هذا التقرير نستعرض معكم القصة كاملة حول الصراع بين الرئاسة والبرلمان التونسي.

1. وئام ثم خلاف بين الرئاسة والأحزاب.. فماذا حدث؟

أجريت انتخابات رئاسية مبكرة في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2019، بعد وفاة الرئيس الراحل الباجي القائد السبسي، فتصدر كل من الرئيس الحالي قيس سعيد بنسبة 18.4%، وتلاه رجل الأعمال، ومرشح حزب «قلب تونس»، نبيل القروي بنسبة 15.58%. فيما حل عبد الفتَّاح مورو، مرشح «حركة النهضة» الإسلامية ثالثًا بنسبة بـ12.88%.

ووفقًا للنظام الانتخابي التونسي، يترشح الفائز الأول والثاني من الجولة الأولى إلى الجولة الثانية، تلك التي فاز فيها قيس سعيد برئاسة البلاد بنسبة 72.71%. حظي قيس سعيد بدعم «حركة النهضة»، و«حزب ائتلاف الكرامة» آنذاك، وعدد من الأحزاب، بالإضافة إلى شخصيات يمينية ويسارية، بمن فيهم الرئيس السابق المنصف المرزوقي؛ إذ وصفوا قيس سعيد بالأكاديمي و«النظيف»، على عكس المرشح الآخر الذي وصفه خصومه بالمشبوه، والذي لم يحظ بدعم من خارج حزبه.

عربي

منذ سنة واحدة
مفاجأة مدوّية في تونس! أستاذ قانون ومسجون حالي يتنافسان على الرئاسة

إلا أن الخلافات ظهرت بعد فشل تكوين الحكومة التي قدمتها حركة النهضة برئاسة الحبيب الجملي للرئيس قيس سعيد، بعد معارضة غالبية أحزاب «مجلس نواب الشعب» والمستقلين للحكومة المقترحة، وحصول الحكومة على 72 صوتًا فقط، بينما يتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة في «مجلس نواب الشعب»، والتي تقدر بحوالي 109 أصوات.

ويمكن القول إنَّ فشل الحكومة في الحصول على نيل الثقة؛ يعود لافتقار «حركة النهضة» إلى التحالفات، إذ تمتلك 69 مقعدًا برلمانيًّا فقط. فيما بررت «حركة النهضة» الفشل بأن مطالب الأحزاب كانت تعجيزية. ومن هنا ظهرت أول الخلافات بين الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيس «حركة النهضة» راشد الغنوشي، إذ أنهى راشد الغنوشي الاجتماع الذي دعاه إليه الرئيس التونسي، برفقة كل من حزب «تحيا تونس»، وحزب «التيار الديمقراطي»، بعد مرور خمس دقائق فقط، مؤكدًا للرئيس عدم قبوله التحالف مع هذه الأحزاب.

وبحسب الدستور التونسي، يحق للرئيس تشكيل حكومة في حال فشلت الأحزاب في الحصول على الأغلبية المطلقة في مجلس نواب الشعب، وبذلك كلَّف الرئيس التونسي إلياس الفخفاخ بتشكيل حكومة، مهدِّدًا بحل «مجلس نواب الشعب» في حال عدم حصول الحكومة على الأغلبية، وذلك وفقًا للدستور التونسي.

ويشكل هذا التهديد إحدى مراحل تطور الصراع بين الرئاسة ومجلس نواب الشعب، بعد رفض «حركة النهضة» دعم إلياس الفخفاخ؛ بسبب مطالبتها بحكومة وحدة وطنية بدون إقصاء أي حزب سياسي، وذلك بعد إقصاء الفخفاخ لكل من حزب «قلب تونس» و«الحزب الدستوري الحر». تطوُّر الصراع أخذ منحى آخر عندما صرح رئيس كتلة «حركة النهضة» بالبرلمان التونسي، نور الدين البحيري، بأنه يحق لمجلس النواب سحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال  – آنذاك – بقيادة يوسف الشاهد، إلا أن الرئيس قيس سعيد نفى الإمكانية القانونية لحل حكومة تصريف الأعمال؛ لأنها تابعة لـ«مجلس نواب الشعب» السابق، وبالتالي لا يمكن قانونيًّا للمجلس الحالي، سحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال.

إلا أن الفخفاخ نجح في نيل 129 صوتًا، بمن فيها أصوات «حركة النهضة» التي صوتت في اللحظة الأخيرة، محققًا بذلك أغلبية تكفيه لتشكيل حكومته بعد أشهر من صراع سياسي ومشكلات اقتصادية عانت منها تونس، فيما عارض الحكومة كلٌّ من حزب «قلب تونس»، و«حزب ائتلاف الكرامة»، و«حزب الدستوري الحر»، مشكلين معارضة صلبة.

يمكن القول بأن هذا التنازل من قبل «حركة النهضة» كان توافقًا وقتيًّا فقط، ويعزز ذلك ما قاله الناشط السياسي التونسي حمزة بن محمد لـ«ساسة بوست» بأن «الخلاف بدأ من أواخر سنة 2019 بين رئيس «مجلس نواب الشعب»، راشد الغنوشي، وقيس سعيد، حول نظام الحكم بتصريحات مستفزة لكليهما»، وأردف قائلًا إنه يعتقد أن «يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك، هو من أثَّر في تصورات قيس سعيد عن النظام البرلماني، وهو من زرع له بطانة فاسدة» على حد قوله. ومنذ ذلك الوقت ما يزال الصراع مستمرًّا على شكل نظام الحكم، ففي الوقت الذي يفضِّل راشد الغنوشي النظام البرلماني، يفضِّل الرئيس التونسي النظام الرئاسي.

2. ما آخر التطورات حول الصراع بين الرئيس والبرلمان؟

أثارت تصريحات الرئيس قيس سعيد التي قال فيها بأن للناخب حق سحب الثقة مِمن خانوا الأمانة من النواب، انتقاد أطياف واسعة من الأحزاب السياسية، مثل «حركة النهضة»، و«قلب تونس» و«حزب ائتلاف الكرامة». بينما شبَّه المحلل السياسي برهان بسيس في مداخلة على إذاعة «إي آف آم»، خطاب الرئيس التونسي بخطابات معمر القذافي، قائلًا: «خطابات الرئيس قيس سعيد، وآخرها خطاب يوم أمس، يبدو وكأنه مستوحى من الخطابات التي يلقيها الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي».

الرئيس التونسي، قيس سعيد 

ولم يتأخر رد أعضاء «حركة النهضة»، صاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان، على تصريح الرئيس، فقال عضو البرلمان السيد الفرجاني، في منشور على صفحته على موقع «فيسبوك»: «السيد رئيس الجمهورية رجاءً توقَّف عن تحريضك المتواصل من الجنوب على «مجلس نواب الشعب»، ومن له علاقة بأنصارك يدعو إلى الفوضى وسفك الدم».

وأكمل قائلًا: «لقد تجاوزت مربع صلاحياتك، منذ أصبح مِن قصرك مَن يعمل على تعيين المدراء العامين في الأمن. فلا أدري هل أنتم بصدد تركيز تنظيم موازٍ للدولة؟ وأنصارك يشحذون السكاكين لإسقاط «مجلس نواب الشعب» والحكومة. وأنت لا تحرك ساكنًا» وذلك على حد تعبيره.

وفي سياق متصل وجَّه الناطق الرسمي باسم «ائتلاف الكرامة» النائب سيف الدين مخلوف، إنذارًا وصفه بالإنذار الأخير للرئيس في جلسة مجلس نواب الشعب بتاريخ 12 من مايو الجاري، وقال فيها «سنسحب الثقة من الرئيس في حال واصل انتقاده، وتدخلاته غير المقبولة في المشهد السياسي والبرلماني»، لافتًا إلى أن الرئيس لا يجب أن يوهم الشعب بآليات غير قانونية فيما يخص سحب الثقة من النواب من قبل الناخب. كما اتهمه بـ«تبرير دعوات العنف والدم، والتمرد ضد مؤسسات الدولة، وخصوصًا ضد أعضاء مجلس نواب الشعب».

فيما نفت رئاسة الجمهورية التونسية ذلك، ففي  تقرير لجريدة «الشرق الأوسط» قالت إن رئاسة الجمهورية أكدت أن اتهام الرئيس قيس سعيد بالتحريض على التمرد ضد «مجلس نواب الشعب»، بهدف إسقاطه، «مجرد اتهامات باطلة»، وأكدت  رئاسة الجمهورية بأن رئيس الجمهورية «كان وما يزال شديد الحرص على استقرار الأوضاع في الدولة في هذه المرحلة المهمة، غير أنه من حق رئيس الدولة أن ينتقد أداء بعض النواب، والقرارات الصادرة عن البرلمان، إذا كانت لا ترقى إلى مستوى مطالب الشعب؛ لأن سعيد يؤمن بأن الشعب هو صاحب السيادة، والشرعية تنطلق منه وإليه تعود».

وفي خطاب لقيس سعيد أجراه يوم أمس الجمعة الخامس عشر من مايو، تحدث قائلًا: «لم نكن ولن نكون دعاة للفوضى أو دعاة خروج عن الشرعية، والقانون لا يغيَّر إلا بالقانون» مضيفًا أن «الشرعية لن تكون تعبيرًا صادقًا عن المشروعية إلا إذا كانت عن إرادة الشعب، الذي خرج في ثورة الرابع عشر من جانفي (يناير) 2011».

إلا أن الناشط السياسي التونسي، حمزة بن محمد، وصف تصريح الرئيس حول سحب الثقة من البرلمانيين خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، بـ«المراهقة السياسية»؛ لأنه «أثار فتنة وجدلًا وتقسيمًا للشعب؛ بحيث انقسم الشعب إلى مؤيد لسحب الثقة من «مجلس نواب الشعب»، ومؤيد لسحب الثقة من الرئيس، وهذا بالتحريض من ثامر بديدة، الشرطي المعزول بتهمة التخابر مع الدول الأجنبية؛ إذ انتقل إلى أمريكا، ومن أمريكا إلى كندا، ومن هناك بدأ في بث سمومه، وأعلن أنه سوف يتكفل بإعطاء ثَمَانمِائَة دينار تونسي لكل معتصم ضد البرلمان» مشيرًا إلى أنه يشتَمُّ رائحة الإمارات والسعودية، «فكيف لشرطي معزول أن يملك هكذا مبالغ» وأكمل قائلًا إن «الإمارات تدعم كل هرج ومرج في المنطقة العربية» على حد وصفه.

عربي

منذ 8 شهور
«بروكنجز»: الديمقراطية في تونس.. الجانب المظلم للتوافق السياسي المستمر منذ 2015

الأمر نفسه أكده الناشط الحقوقي التونسي رضا رادية لـ«ساسة بوست»؛ إذ يقول إن «ما يقوم به رئيس الجمهورية قيس سعيد نوع من أنواع العبث السياسي» وأردف: «لو نظرنا إلى الآليات التي أوصلت قيس سعيد إلى الرئاسة، لاكتشفنا الأيادي التي حرَّكت حملته. فهناك بصمة واضحة للوبي الإيراني وتقاطعات للإمارات. والذي يحدث في الصراع القائم بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، هو صراع  بين محور إيران- روسيا- الإمارات، وبين المحور الآخر تركيا- قطر. وقد قام قيس سعيد للأسف بالتطبيع علنًا مع المحور الأول. وهو لا يؤمن – بحسب تصريحاته المتتالية – بمفهوم الدولة؛ ظنًّا منه أن الشعب التونسي يمكن أن ينخرط في لعبة التدمير».

ويوضح رضا بالقول: «لقد استغل قيس سعيد بقايا المنظومة القديمة التي بدورها لا تريد النهضة في الحكم، لكن الغنوشي استطاع أن يروِّض حزب نبيل القروي، الذي بدوره يبحث عن حماية لنفسه، وهو الكتلة الثانية قبل أن ينشطر حزبه، ولقد قبل الغنوشي ذلك على مضض».

ويشير الحقوقي التونسي إلى أن حملات حل البرلمان وإسقاط الحكومة، التي ظهرت مؤخرًا وبالأخص على مواقع التواصل الاجتماعي، «تلتقي في مواجهة الإسلام السياسي الذي تمثله النهضة، وربما بعض الجهات، مثل يوسف الشاهد، ومحسن مرزوق، وبعض لوبيات المال التي تسعى إلى إسقاط الحكومة، وهي الفكرة التي كان يريدها الغنوشي؛ لأنه بنفسه لم يكن راغبًا في حكومة الفخفاخ، أو ما يسمى بحكومة الرئيس، وربما كانت هناك نية لسحب الثقة من الحكومة بعد مرور ستة أشهر، لكن الآن اللعبة تغيرت، وأصبح راشد الغنوشي هو المطلوب، وبدأت جهات تسعى لسحب الثقة من الغنوشي؛ مما جعله يعيد ترتيب الأوراق».

3. ما صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية في ظل الصراع القائم؟

في أغلب الأنظمة البرلمانية، يمتلك الرئيس صلاحيات محدودة جدًّا، بينما تمتلك الحكومة كافة الصلاحيات التنفيذية، إلا أن  الفصل 77 من الدستور التونسي يمنح الرئيس التونسي صلاحيات في السياسة الخارجية، والأمن، والدفاع، كالتعيين والإعفاء في الوظائف العليا في رئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية، ووزارة الدفاع. وبذلك يمتلك الرئيس في تونس أكبر من أغلب صلاحيات بقية الرؤساء في الأنظمة البرلمانية، وبالتالي يوزع الدستور التونسي الصلاحيات بين رئيس الدولة والحكومة.

وإذا نظرنا إلى الباب الرابع من الدستور، فإنه يحتوي على صلاحيات السلطة التنفيذية، والذي ينص على أن «يمارس السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية وحكومة يرأسها رئيس الحكومة» موزعًا بذلك السلطات بين رأسي السلطة التنفيذية.

بينما يقر الدستور بتوزيع الصلاحيات، بين الرئيس ورئيس الحكومة، ودائمًا ما يردد قيس سعيد أن للدولة رأسًا واحدًا ورئيسًا واحدًا، وهذا ما يعارضه رئيس «حركة النهضة»، راشد الغنوشي، معتبرًا أن النظام في تونس برلمانيًّا، وأن النظام الرئاسي قد اختفى. وإذا نظرنا إلى الفصل الثاني والمخصص عن الحكومة، نرى بوضوح أن صلاحيات رئيس الحكومة مقيدة بصلاحيات الرئيس؛ وبالأخص في الفصل 92، الذي يسمح لرئيس الحكومة بإقالة أعضاء الحكومة، ولكن ذلك بالتشاور مع رئيس الجمهورية، إذا تعلق الأمر بوزير الخارجية ووزير الدفاع، ولا يحق كذلك لرئيس الحكومة اتخاذ قرارات فردية في المؤسسات الراجعة إلى رئيس الدولة.

وفي سياق متصل، يمنح الفصل 77 من الدستور التونسي صلاحيات لرئيس الدولة لحلِّ «مجلس نواب الشعب»، في الحالات التي ينصُّ عليها الدستور، ولا يجوز حلُّ المجلس خلال الأشهر الستة التي تلي نيل أول حكومة ثقة المجلس بعد الانتخابات التشريعية، أو خلال الأشهر الستة الأخيرة من المدة الرئاسية، أو المدة النيابية. إلا أن هذا الجزء من الدستور غامض، ولا يشرح متى وكيف يستطيع الرئيس حل «مجلس نواب الشعب».

وفيما يخص صلاحيات مجلس النواب ضد الرئيس، فإن مجلس النواب يمكنه إقالة الرئيس بموافقة الثلثين من أعضائه، ولكن الإقالة لا تتم إلا بعد إحالتها إلى المحكمة الدستورية بأغلبية الثلثين من أعضائها، إلا أن الناشط السياسي التونسي، حمزة بن محمد، أكد لـ«ساسة بوست» أن «المحكمة لا يمكنها إقالة الرئيس إلا في حال ارتكابه خرقًا جسيمًا للدستور، أو التخابر مع دول أجنبية» وهذا لم يحدث.

4 ما هي صلاحيات القضاء في ظل هذا النزاع؟

السلطة القضائية في ظل الأنظمة البرلمانية الديمقراطية تعد مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، نائية بنفسها عن الصراع الحزبي والسياسي، وهذا يطابق ما جاء في مواد الباب الخامس من الدستور التونسي، الذي يخص السلطات القضائية، مثل الفصل 102، الذي ينص على أن «القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات. القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون».

وفيما يخص النزاعات بين رئاسة الجمهورية والحكومة ينص الفصل 101 على أن «ترفع النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، إلى المحكمة الدستورية التي تبتُّ في النزاع في أجل أسبوع، بناء على طلب يرفع إليها من أحرص الطرفين» وبذلك يكون القضاء المساحة التي تلجأ إليها بقية السلطات لفض النزاعات.

الغنوشي

راشد الغنوشي 

وهنا يُطرح السؤال،  إذا كان القضاء هو الفاصل بين خلافات الحكومة والرئيس، فمن يعين المحكمة الدستورية؟ ويجيبنا الفصل 118 من الدستور التونسي بأن «المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتركَّب من 12 عضوًا من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون الذين لا تقل خبرتهم عن 20 سنة» ويكمل «شروط الأهلية لقضاة المحكمة الدستورية، يعيِّن كل من رئيس الجمهورية، ومجلس نواب الشعب، والمجلس الأعلى للقضاء، أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون. ويكون التعيين لفترة واحدة مدتها تسع سنوات»، وعليه يفترض أن يكون القرار الفصل الذي تقره المحكمة الدستورية غير منحاز، ومتوافق مع الدستور التونسي.

5. هل من المستبعد أن ينتهي هذا الصراع؟

يجيبنا المحامي التونسي وعضو المكتب السياسي لـ«ائتلاف الكرامة»، نجيب الدُغماني، قائلًا لـ«ساسة بوست» إنه لا يتوقع أن «يذهب الصراع بعيدًا؛ لأن أغلبية الشعب التونسي – وبرغم عدم رضاها على أداء «مجلس نواب الشعب» – تؤمن بشرعية السلطات المنتخبة، وعلى رأسها السلطة التشريعية». وفيما يخص دعوات إسقاط «مجلس نواب الشعب» التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، يقول الدغماني إن «صلاحيات الرئيس لحل «مجلس نواب الشعب» غير ممكنة قانونيًّا؛ فالسلطة المنتخبة لا يمكن إزاحتها إلا بالصندوق كما أتت». مشيرًا إلى أنها «دعوة من ضحايا الانتخابات الفارطة الذين عاقبهم الشعب، وهي دعوة للفوضى والانقلاب على مكسب حرية الاختيار؛ فالبرلمان يمثل خيار الشعب، ولا بد من احترامه»، على حد تعبيره.

وفي سياق متصل، قال الناشط الحقوقي رضا رادية لـ«ساسة بوست» إن «العالم ما بعد كورونا ليس العالم ما قبل كورونا، وهذا ينطبق على حكومة الفخفاخ التي ولدت مشوهة، وتزامن موعد ولادتها مع جائحة  كورونا! وبالتالي فإن بعد الكورونا ستتحرك جوقة من الإعلاميين والسياسيين الفاسدين لنحر النهضة قبل يوم النحر، مستغلين الشارع ومستعينين باتحاد الشغل؛ لأن طبقة كبيرة من الشعب تضررت من جراء الحجر الصحي؛ مما سيغني سقف المطلبية والاحتجاجات، وستكون النهضة أول من سوف يقبع في قفص الاتهام، وهذا ما جعل الغنوشي يطالب بقوة بتوسيع قاعدة المشاركين في الحكومة، والذهاب إلى حكومة وحدة وطنية، والدفع إلى مصالحة وطنية شاملة»، على حد تعبيره.

وأضاف «الغنوشي يتعرض لبعض الخيانات من داخل حزبه؛ إذ توجد مجموعة من حزبه تضع يدها مع سعيد، وأخرى تضع يدها مع الشاهد، وأخرى تضع يدها مع القروي؛ وهذا مما يضعف مواقف النهضة، ولكن الغنوشي يريد أن يحافظ على استقرار حزبه، وعلى انسجام مجلس النواب، وأظنه تفطَّن إلى ذلك وأسرع في تغيير الخطاب والدعوة إلى التهدئة؛ للمحافظة على مؤسسات الدولة، والمعلوم أن الجبهة البرلمانية التي ينوي الشاهد تكوينها من 80 نائبًا هي لمحاصرة الغنوشي».

موضحًا أن «الأيام المقبلة ستثبت مدى حنكة الغنوشي ودهائه السياسي؛ لأن هؤلاء الناعقين سيأتون له صاغرين لأنهم سيفاجئون، بأنه وبرغم عدم رغبته في حكومة الفخفاخ، فإنه سيصنع منه «يوسف الشاهد الثاني» وستكون بينهما شراكة حقيقية، وذلك بعد أن يقع التخلص من القروي الذي أصبح عبئًا على الجميع، وقد تشتت، وستفتح قضاياه قريبًا، ومنها قضية «اللوبينق» مما سيجعل نوابه لقمة سائغة، لكن أغلبهم يعشقون الكراسي، وهم من سيكونون كتلة رئيس الحكومة»، على حد تعبيره.

بينما أكَّد الصحافي التونسي محمود غربال لـ«ساسة بوست»، أن «الأمور ما زالت ضبابية، ويبدو أن الرئيس جاد في تطبيق برنامجه الغامض؛ لأنه لا يؤمن بعمل البرلمان، ويريد الديمقراطية المباشرة التي تبتدئ بالمحلي إلى أن تصل إلى الوطني».

وهذا ما أكده قيس سعيد بنفسه في حوار  مع صحيفة الشارع المغاربي في 12 من يونيو (حزيران) عام 2019، عندما قال إنه لن تكون هناك انتخابات تشريعية مباشرة بعد تقلده لمنصب الرئاسة، بحيث سوف يكون «هناك انتخابات محلية تُنتخب منها مجالس محلية، وبالاقتراع يُشكَّل مجلس جهوي، ويجري اختيار نواب باردو من المجالس المحلية، ولن تكون هناك انتخابات مباشرة لبرلمان باردو، بل إن هناك تصورًا جديدًا».

عربي

منذ سنة واحدة
«واشنطن بوست»: دليلك لفهم نتائج الانتخابات البرلمانية التونسية

وأكمل قائلًا: «الأحزاب انتهى دورها. هناك إمكانيات أخرى مختلفة تمامًا، لا يمكن أن أبيع الوهم. الأحزاب جاءت في وقت معين من تاريخ البشرية، وبلغت أوجها في القرن 19، ثم في القرن 20، ثم صارت بعد الثورة التي وصلت على مستوى وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة أحزابًا على هامش الدنيا في حالة احتضار، ربما يطول الاحتضار، لكن بالتأكيد بعد سنوات قليلة سينتهي دورها».

وبالتالي فإن قيس سعيد كانت لديه رؤية مسبقة في إطاحة «الديمقراطية النيابية»، التي يرى أن زمنها قد ولَّى، فهل يستمر الصراع إلى أن يطيح الرئيس النظام السياسي الحالي؟ أم أن القانون لا يسمح؟ سؤال سوف نرى إجابته في الفترة الزمنية القادمة.

المصادر

تحميل المزيد