تتحدث آخر الأخبار عن تمكن روسيا من إحكام قبضتها على قطاع الكهرباء في سوريا، إذ أعلن وزير الكهرباء النظام محمد زهير خربوطلي، خبرًا حول جهود لاستجرار الكهرباء من روسيا برغم بعد المسافة بين البلدين، ودون التفاف لما يسببه ذلك من رفع أسعار الكهرباء على المواطن السوري.

هذه الخطوة الجديدة تأتي في إطار الصراع بين روسيا وإيران، الذي لا يتوقف عن السيطرة على قطاعات الإنتاج السورية، وهو صراع يمتد مما هو اقتصادي إلى ما هو سياسي؛ وتظهره العديد من المواقف المتباينة لكلا الطرفين حول الاتفاقيات والتحركات السياسية، أما ما هو عسكري فينجم عنه الآن اقتتال يوقع قتلى بين القوات الروسية والإيرانية على الأرض السورية.

التقرير التالي يستعرض أبرز هذه الملفات التي يتصارع عليها روسيا وإيران في سوريا، ومحاولة كل طرف، نيل الكعكة بمفرده.

1. السيطرة على «قوات الأسد»

في أبريل (نيسان) 2019، مر موكب للقوات الروسية في مدينة الميادين بريف دير الزور السوري، على حاجز تديره قوات الحرس الثوري الإيراني، لم ينته هذا المرور بسلام نتيجة تلاسن وقع بين الطرفين، وتحول إلى اشتباكات دموية.

أسفرت الاشتباكات بين قوات روسيا وإيران عن وقوع قتيلين في صفوف الحرس الثوري، وجرح آخرين، كما تزامنت تلك الاشتباكات بين الجانبين  مع اقتتال آخر في «مطار حلب الدولي» نجم عن مطالبة القوات الروسية لقوات تابعة لإيران، بإخلاء المطار، وأدت هذه الاشتباكات إلى وقوع 12 قتيلاً على الأقل.

حوادث الاقتتال المتفرقة والمتقطعة لم تتوقف، وكان أخطرها الاشتباكات التي اندلعت في يناير (كانون الثاني) 2019، بين «قوات النمر» المدعومة روسيًّا، و«الفرقة الرابعة» التي تدعمها إيران. وأسفرت عن سقوط 70 قتيلاً على الأقل من الجانبين، وهي بالمجمل خلافات نقلت طهران وموسكو من الخلاف ذي الطابع السياسي إلى الخلاف العسكري الذي أصبح مؤثرًا في مستقبل جيش النظام والميليشيات المساندة له.

فروسيا لا ترغب في وجود قوات عسكرية موالية لإيران على خطوط الجبهة مع المعارضة السورية، وتريد الحيلولة دون هيمنة إيران التي تمتلك آلاف المقاتلين الأجانب على جيش النظام. وترغب موسكو أيضًا في إصلاح قوات النظام والكيانات العسكرية الأخرى، لكبح الفساد، وتقييد الأطراف المؤيدة لإيران.

عمليًا، شرعت القيادة الروسية في سوريا بإعداد خطة شاملة لإعادة هيكلة جيش النظام في النصف الأول من عام 2018، اقتضت هذه الخطة القيام بعمليات تسريح واستقالة لجنود وضباط ذوي ولاء لإيران، وهي خطة لا تخرج عن أهداف التقارب الروسي الإسرائيلي، ولذلك تعتبر هذه المسألة من القضايا المدرجة في جدول أعمال السياسة الخارجية الروسية.

كذلك طلبت موسكو إنشاء لجنة للتفتيش مختصة بمنع الفساد بين قوات النظام، بعد أن أصبح ضباط روس يتولون مسؤولية تفتيش قواعد عسكرية للنظام منذ صيف عام 2018.

ويفيد تقرير لـ«المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأنه: «يبدو أن الحرب الباردة بين إيران والميليشيات الموالية لها على الأرض من جانب، وبين الروس وأتباعهم على الأراضي السورية من جانب آخر، باتت كفتها تميل إلى الجانب الإيراني؛ إذ على الرغم من الوجود الروسي الرئيسي ضمن مقرات القيادة وتحكمها في القرار السوري في كثير من الأحيان، فإن إيران وعبر تصاعد تجذّرها في الأراضي السورية منذ انطلاق الثورة السورية ووقوفها جنبًا إلى جنب في القتال على الأرض مع قوات النظام، تمكنت مع توسعة نفوذها».

ويضيف التقرير، أن هذا النفوذ جاء عبر: «استقطاب الآلاف من السوريين إلى صفوفها، ليس فقط بالمقابل المادي، بل لعبت على وتر المذاهب والأديان، فضلاً عن تجنيد شبان في سن الخدمة الإلزامية بصفوفها مقابل عدم سحبهم للخدمة في «جيش الوطن»، جميع هذه الأسباب رجّحت كفة الإيرانيين لينصّبوا أنفسهم الحاكم الفعلي على مناطق واسعة تخضع لسيطرة النظام السوري».

لماذا تتنافس روسيا وإيران على تسريب صور «مهينة» لبشار الأسد؟

2. دفع دمشق نحو تحالفات تخدم روسيا وإيران

«نحن نعتبر سوريا دولة شقيقة وقف شعبها ونظامها دومًا إلى جانب الحق الفلسطيني، إننا لم نكن يومًا في حالة عداء مع النظام السوري، والذي وقف إلى جانبنا في محطات مهمة وقدم لنا الكثير كما الشعب السوري العظيم».

هذا التصريح الذي قاله القيادي في «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» إسماعيل هنية لوكالة «سبوتنيك» الروسية في يونيو (حزيران) عام 2018 كان أبرز ما يدل على سعى الحركة للتقارب مع النظام السوري.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني حسن روحاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وتقرأ محاولات الحركة في التقارب من النظام السوري كنتيجة طبيعية لما تريده إيران المعنية بخلق تحالف قوي في وجه التطورات الأخيرة، وهي تسعى منذ مطلع عام 2017 لإعادة العلاقات بين دمشق و«حماس»، التي اعتبرت خروج قادة «حماس» منها عام 2012 بمثابة طعنة.

لكن المفاجئ هو ما حدث في الأيام الأخيرة، حين أعلن النظام بشكل واضح ورسمي أنه لا عودة للعلاقات مع حركة «حماس»، إذ قال مصدر سوري أنه: «تبين لاحقًا أن الدم الإخواني هو الغالب لدى هذه الحركة (حماس) عندما دعمت الإرهابيين في سوريا وسارت في المخطط ذاته الذي أرادته إسرائيل»، مضيفًا: «وعليه فإن كل ما يجري تداوله من أنباء لم ولن يغير موقف سوريا من هؤلاء الذين لفظهم الشعب السوري منذ بداية الحرب ولا يزال».

وبرغم محاولات روسيا التي تعزز قوتها الناعمة في المنطقة العربية بالتقارب مع حركة «حماس» مؤخرًا، إلا أن اصطدام هذا المسار الروسي بعدم احراز أي تقدم على الأرض، دفع موسكو للتأثير على النظام وإجباره على نفي عودة العلاقة مع حركة «حماس» بغية مغازلة إسرائيل والتأكيد لها أن موسكو لن تسمح بأن يقدم هذا النظام على أية خطوة تهدد المصالح الإسرائيلية، فموسكو تريد أن تؤكد لإسرائيل أنها لا تلتزم فقط بإخراج الإيرانيين من سوريا، بل ستصمم أيضًا السياسة الخارجية لنظام الأسد بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية.

وفي النطاق ذاته، توضع علاقة النظام السوري مع تركيا، إذ أن كلا من روسيا وايران اللتان تتبنيان مواقف عدائية تجاه المعارضة المدعومة من قِبل أنقرة، وترعى كُلٌّ منهما مبادرة تتعارض مع نظيرتها وتخدم مصالحها دون الأخرى.

فروسيا المعنية بتقليل تأثير إيران على النظام السوري تُشجِّع النظام السوري على التقارب أكثر مع السعودية، بينما تعمل إيران على تحقيق تقارب بين دمشق وأنقرة بهدف تطوير تحالف إقليمي لمنافسة روسيا، وهو أمر قاله بصراحة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حين حل ضيفًا على العاصمة التركية أنقرة ومنها أعلن سعي بلاده إلى إعادة العلاقات السورية التركية إلى طبيعتها.

3. «خيرات سوريا» محل نزاع روسيا وإيران

يتمحور الشق الأكبر من المنافسة الروسية الإيرانية حول الفرص الاقتصادية في سوريا، فكل طرف يريد الحصول على حق إنتاج النفط والغاز والفوسفات أو عقود إعادة الإعمار.

الرئيسان الروسي والإيراني

ولذلك عكفت الشركات الروسية على الاستثمار في قطاع النفط والغاز مباشرة بعد التدخل العسكري الروسي عام 2015، وتمادى التحرك الروسي تحت بنود الاستثمار حتى تمكن من عقد اتفاقيات ضخمة بشروط تصب في صالح موسكو بشكل كامل، سواء من حيث مدة العقود لعشرات السنين أو السيطرة الكاملة على المرافق السورية دون أي مقابل، وجاء في هذا الإطار عقد «عمريت» الذي يتيح لشركة «سبوز» التنقيب عن النفط والغاز لمدة 25 عامًا جنوب مدينة طرطوس.

ومن أبرز ما تضعه موسكو صوب عينها هو قطاع الفوسفات، الذي تعتبر سوريا من الدول الغنية فيه والذي يحقق الاستثمار فيه منتجات مطلوبة في العديد من البلدان مثل الأسمدة، إذ تعمل موسكو على إنشاء شركة مشتركة لاستغلال المخزون السوري من الفوسفات، بعد أن صادق مجلس الشعب السوري في 27 مارس (آذار ) 2018، على منح شركة «ستروي ترانس غاز» الروسية  حق استثمار واستخراج الفوسفات في منطقة مناجم الشرقية جنوب غرب تدمر، ضمن قطاع يبلغ الاحتياطي المثبت فيه 105 ملايين طن.

لكن أخطر ما جاء في مساعي الهيمنة الروسية على خيرات سوريا هو إعلان موسكو استئجارها ميناء طرطوس المطل على سواحل البحر المتوسط من النظام السوري، في خطوة تنافس فيها طهران التي وقعت عقدًا مشابهًا باستئجار ميناء اللاذقية، وهي تحركات أفقدت سوريا المواني التي يعتمد عليها اقتصادها في تصدير واستيراد البضائع لفترة زمنية غير معروفة الأجل.

على الجانب الآخر، يتحرك الحليف الأقدم للنظام -وهم الإيرانيون- مقتنعين أن من حقهم وضع يدهم قبل أي طرف على مفاصل هامة وحيوية في سوريا، ولذلك انتهجت طهران سياسة توقيع الاتفاقيات مع النظام السوري، تارة لمد الاقتصاد الإيراني المحاصر دوليًا بموارد جديدة تعينه، وتارة لتقدم في حلمها بافتتاح ممر بري طويل، يبدأ منها وينتهي بساحل البحر المتوسط، مرورًا بالعراق وسوريا.

وانطلاقًا من هذه الأهداف حصلت إيران على عدة عقود ضخمة، منها امتياز إنشاء سكة حديدية لنقل الفوسفات من البادية السورية إلى المواني على البحر المتوسط، بعد أن وقعت مع النظام استثمار مناجم الفوسفات في خنيفيس بحمص، واتفق الطرفان على تسديد الديون عبر منح إيران الفوسفات السوري، بعد تأسيس شركة مشتركة تشرف على الاستخراج وتصدر الإنتاج إلى طهران، وهو تحرك يهدف لقطع الطريق أمام مسعى روسي للهيمنة على الموارد السورية.

وكان الأهم مما حقق في مساعي إيران هو نجاحها في نقل إدارة ميناء اللاذقية إليها كما أسلفنا، ذاك الميناء التجاري الرئيسي في سوريا الذي يضم 23 مستودعًا، ويمكنها مستقبلًا من طريق تجاري بحري من موانيها مع العراق وسوريا.

4. روسيا وإيران و«كعكة» إعمار سوريا

تتنافس كل من موسكو وطهران -كما أسلفنا- في عمليات الاستحواذ على موارد الاقتصاد السوري، ومع ذلك يركز كلا البلدان على اقتسام الحصة الأكبر من كعكة إعادة الإعمار، عبر الانكباب على عقود استثمار لشركاتهما وتكتلاتهما التجارية الكبرى، إذ يبحث البلدان عن تعويض يناسب أو يزيد عن حجم مع ما قدمتاه في تدخلاتهما العسكرية في سوريا.

منازل مدمرة في سوريا

وفي هذا الاطار لم تكتفِ طهران بتخصيص مليارات الدولارات مقابل الحصول على ملكية الأراضي الزراعية التي تركها السوريون الفارون من الحرب، بل أبرمت في 25 فبراير (شباط) 2019 مذكرة تفاهم لبناء 200 ألف وحدة سكنية في سوريا، وكذلك وقعت مع النظام 11 اتفاقية اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد مرتبطة بإعادة الإعمار، وحصلت على استثمارات سيادية.

وتسعى روسيا أيضًا لأن تحظى بأولوية عقود إعادة الإعمار عبر تمكين الشركات والشخصيات الروسية من عقود إعمار المحاضر والمقاسم. وكي تثبت لواشنطن والعالم أنها قادرة على إحلال الاستقرار في سوريا تعمل موسكو على إقصاء وتقويض ايران عن مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، خاصة عقود إعادة الإعمار في العاصمة ومحيطها.

وتؤكد الباحثة سينان هاتاهيت في ورقتها البحثية «روسيا وإيران: النفوذ الاقتصادي في سوريا»، أن لدى موسكو ثلاثة أهداف من وراء إشراك المجتمع الدولي في إعادة إعمار سوريا، «يتمثل أولها في أنها وسيلة لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، ويتعلق ثانيها بكونها وسيلة لخفض تكلفة التدخل الروسي في سوريا. وينصرف ثالثها إلى أنها بمثابة اعتراف ضمني بدور موسكو كوسيط في استقرار الأوضاع في البلاد من خلال إدارة إعادة تأهيل نظام الأسد إقليميًّا ودوليًّا».

في المقابل، بدا استياء ايران واضحًا من جهود الروس لإبعادها عن  مد نفوذها خاصة في مشاريع الإعمار، ونجم عن ذلك خلافات تسببت في تجميد عمليات إعادة الأهالي لفترة طويلة إلى بعض مدنها وبلداتها وقراها، وتعتبر طهران عدم الاهتمام الدولي بالاقتصاد السوري وإعادة إعماره بمثابة فرصة لإحداث تأثير مستدام في سوريا لصالحها.

«المونيتور»: إيران وروسيا في صراع الهيمنة على «إصلاح» الجيش في سوريا

المصادر

تحميل المزيد