مع اقتراب معركة تحرير الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تجدد الخلاف العراقي التركي، مع التواجد العسكري التركي هناك.

وكان الخلاف قد بدأ نهاية العام الماضي (2015)، ولم يخلُ من الأبعاد الجيوسياسية والطائفية والاقتصادية، ووصل إلى تبادل البلدين استدعاء سفيريهما.

وترجع بداية الأزمة بين تركيا والعراق، إلى أواخر العام الماضي، تحديدًا في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عندما وصل 150 مجندًا تركيًّا تحت حماية 25 دبابة تركية إلى معسكر بعشيقة شمال العراق، في محافظة نينوى بالقرب من مدينة الموصل التي يسيطر عليها «تنظيم الدولة» منذ يونيو (حزيران) 2014.

وأكدت تركيا آنذاك، أن قواتها وصلت إلى العراق بناءً على طلب مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، و يتركز مهامها بشكل أساسي على تدريب قوات «البشمركة الكردية»، و«عشائر سُنية» لمواجهة «تنظيم الدولة»، دون مشاركة للقوات التركية في المهام القتالية المباشرة ضد التنظيم.

الأمر الذي أغضب الحكومة العراقية، التي اعتبرت الخطوة التركية «انتهاكًا صارخًا» لسيادة العراق؛ جاءت بدون تفويض حكومي عراقي، وطالبت الجانب التركي بسحب قواته من العراق، وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت تركيا سحب قواتها من محافظة نينوى، دون تحديد حجم القوى المنسحبة، كما أنها نقلت القوات إلى منطقة أخرى في إقليم كردستان العراقي، وهو ما لم يرضِ طموح الحكومة العرقية، التي جددت طلبها بسحب كل القوات التركية من العراق وهو ما تجاهلته أنقرة لتتوتر العلاقات بينها وبين بغداد.

واستمر التوتر بين البلدين، حتى تجدد وتصاعد بشكل حاد مؤخرًا، مع تجديد البرلمان التركي السبت الماضي تفويضه لحكومة بلاده، بإرسال قوات مسلحة خارج البلاد، «لأداء عمليات عسكرية في سوريا والعراق عند الضرورة؛ للتصدي لأي هجمات قد تتعرض لها تركيا من أي تنظيمات إرهابية». وأعقب هذا التفويض تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القوات التركية سيكون لها دور في معركة استعادة الموصل «ولا يمكن لأي جهة منع ذلك».

ويتواجد في الأراضي العراقية ألفان مجند تركي، بحسب وكالة رويترز للأنباء، فيما أفادت وكالة الأناضول التركية الرسمية بأن عدد المقاتلين الذين تدربهم تركيا في معسكر بعشيقة شمال العراق يبلغ ثلاثة آلاف مقاتل.

البرلمان العراقي يُسمي القوات التركية «احتلالًا»

وفي أول رد فعل عراقي على الخطوة التركية الأخيرة، أصدر البرلمان العراقي، الثلاثاء الماضي، بيانًا ندد فيه بتصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مُعلنًا فيه رفض تواجد القوات التركية في العراق، معتبرًا إياها «قوات احتلال».

وطالب المجلس من الجهات القضائية تحريك دعاوى لمحاسبة «المطالبين بدخول القوات التركية أو من يبرر وجودها»، داعيًا الحكومة العراقية إلى «استدعاء السفير التركي في بغداد وتسليمه مذكرة احتجاج بهذا الخصوص، وقطع العلاقات الاقتصادية وإيقاف تصدير النفط الخام العراقي عبر الأراضي التركية».

واستجابة لبيان البرلمان، استدعت الخارجية العراقية السفير التركي ببغداد لتبليغه احتجاج البرلمان العراقي على الوجود العسكري التركي شمال البلاد، كما حذر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي-أمس الأربعاء- من أن تتحول ما وصفها بـ«المغامرة التركية» إلى «حرب إقليمية»، رافضًا التواجد العسكري التركي في العراق، مُضيفًا «لا نريد أن ندخل مع تركيا في مواجهة عسكرية».

وأشار العبادي إلى أن وجود القوات التركية «هو أحد التحديات» قبل عملية استعادة الموصل، تلك المدينة التي تُعد ثاني أكبر مدينة عراقية، و آخر معاقل «تنظيم الدولة» داخل العراق و تبعد حوالي 360 كيلومترا شمال غرب العاصمة العراقية بغداد، وتعهدت الحكومة العراقية باستعادة السيطرة عليها هذا العام.

تركيا ترد باستدعاء السفير العراقي

في المقابل، انتقدت تركيا بيان البرلمان العراقي بشدة. ونفى نائب رئيس وزراء تركيا عمان قورتولموش سعي «تركيا بأن تكون قوة احتلال في العراق»، مؤكدًا في تصريحات صحافية، أدلى بها أمس الأربعاء، أن الوجود العسكري التركي في العراق يهدف لـ« تحقيق الاستقرار في وقت تشهد فيه البلاد انقسامًا شديدًا » ، مُضيفًا «تركيا لن تسمح بطرح هذا الأمر للنقاش»، مُعربًا عن استعداد بلاده دعم الحكومة المركزية في بغداد لـ« تطهير العراق من المنظمات الإرهابية».

وبعبارات أكثر شدة، جاء بيان وزارة الخارجية التركية، الذي انتقد ما وصفها بـ«افتراءات واتهامات باطلة مشينة ضد أردوغان»، وردت في بيان البرلمان العراقي، واعتبرت أنقرة ذلك «مسألة غير مقبولة بتاتًا» ، واعتقدت الخارجية التركية في بيانها قرار البرلمان العراقي بأنه «لا يعكس آراء شريحة كبيرة من الشعب العراقي، الذي وقفت تركيا بجانبه لسنوات عديدة ودعمته بكافة الوسائل المتاحة».

 

واعتبرت الخارجية التركية أن قرار البرلمان التركي «ليس جديدًا واعتمد المذكرة المذكورة لأول مرة عام 2007 ضد تهديدات حزب العمال الكردستاني من شمال العراق». ولفتت الخارجية إلى استدعاء السفير العراقي بأنقرة لإبلاغه الانتقاد والانزعاج التركي من قرار البرلمان العراقي».

وفي سياق متصل، حذّر وزير الدفاع التركي فكري إيشيك، في تصريحات صحافية أمس الأربعاء، من نزوح مليون شخص إلى الموصل «إذا لم يتم إعداد خطة محكمة لعملية تحرير الموصل، والأخذ بعين الاعتبار التركيبة الديمغرافية للمدينة». لافتًا إلى أن النازحين سيتوجهون نحو تركيا «ولذلك فإن عملية تحرير الموصل لها صلة بتركيا بشكل مباشر»، بحسب إيشيك الذي أشار إلى أن موجة النزوح ستؤثر على تركيا وأوروبا أيضًا.

الأبعاد الجيوسياسية والمذهبية للخلاف

ويتمثل أحد أبرز أسباب تصاعد الخلاف التركي العراقي، في سماح حكومة العبادي بمشاركة قوات «الحشد الشعبي» الشيعية في معركة استعادة الموصل، في الوقت الذي ترفض فيه بغداد مشاركة حشود سُنية أخرى، كـ«الحشد الوطني» أو «الحشد العشائري».

وظهر ذلك واضحًا، في تصريحات العبادي، عندما قال إنه «لا يوجد في العراق إلا حشد شعبي واحد هو المسموح به دستوريا»، لافتًا إلى أن «الحشد العشائري في الأنبار والمناطق السنية هم مواطنون تطوعوا لمساندة القوات الأمنية لفترة معينة، سيُستغنى عنهم عندما تكون قوات الأمن قادرة على أداء مهمتها».

ودائمًا ما تستغل قوات الحشد الشعبي الشيعية الحرب ضد «تنظيم الدولة» في ممارسات طائفية، تتمثل في اعتقال المدنيين السنة الفارين من المدينة المحررة من «تنظيم الدولة» وتعذيبهم ، بتهم موالاة «تنظيم الدولة»، وقد ظهر ذلك بوضوح مع اعتقال المئات من المدنيين السُنة الفارين من مدينة الفلوجة بعد استعادتها من «تنظيم الدولة».

وفي المقابل، يتكون الحشد العشائري من قوات سنية موالية للحكومة، يتواجد في محافظة نينوى والأنبار، فيما يتكون الحشد «الوطني» من مقاتلين سنة من منتسبي الشرطة العراقية الذين فروا من الموصل، بعد سقوطها في يد «تنظيم الدولة»، ويتلقى الحشدين «الوطني» و «العشائري» مع قوات البشمركة، تدريبات تركية في معسكر بعشيقة.

ويأتي الموقف التركي، على النقيض من الحكومة العراقية فيما يخص مشاركة الحشود بمعركة استعادة الفلوجة، إذ تؤكد تركيا على ضرورة مشاركة الحشود السنية التي تدربها ببعشيقة في معركة استعادة الموصل، وتسليم المدينة بعد تحريرها إلى سكانها الأصليين، هؤلاء السكان الذين تطوع عدد منهم على أيدي القوات التركية من اجل استعادة المدينة من «تنظيم الدولة».

وبحسب تقرير نشرته وكالة الأناضول التركية الرسمية، أمس الأربعاء، عن التحفظات التركية على الإستراتيجية الأمريكية بخصوص الموصل، بعد اجتماع مسؤولين من أنقرة وواشنطن، فإن تركيا أيضًا ترفض مشاركة «الحشد الشعبي» في معركة استعادة الموصل، وتتحفظ على الخطة الأمريكية التي تضمن عدم السماح بدخول قوات الحشد الشعبي الشيعي إلى مركز الموصل، مع سيطرة القوات الشيعية على قضاء تلعفر، وحذرت من عودة حرب مذهبية بين التركمان من (السنة والشيعة) بعد استعادة المدينة، إذا ما سيطرت القوات الشيعية على قضاء تلعفر .

وهي سيطرة حذرت منها تركيا أيضًا، خوفًا من أن تؤدي إلى خلق «حزام طائفي» بين إيران وسوريا مرورًا بالعراق، بمساعدة حزب العمل الكردستاني «بي كا كا» ذات النشاط الواسع في سنجار ، ليتكون حزام شيعي كردي على الحدود السورية العراقية ، يكون بوابة لدعم نظام بشار الأسد في سوريا.

الأمن المائي والعلاقات الاقتصادية بين أنقرة وبغداد

يتصاعد الخلاف التركي العراقي، ما قد يُهدد بتوتر العلاقات الاقتصادية القوية التي تجمع البلدين، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والعراق خلال عام 2015 تسعة مليارات دولار ، وتزداد أهمية العلاقات الاقتصادية التبادلية بالنسبة للبلدين.

وتعد تركيا بالنسبة للعراق، مصدرًا رئيسيًا للواردات التجارية والسلع وبالبضائع للأسواق العراقية، كما تعتبر تركيا بوابة النفط العراقي المُصدر لأوروبا و الأسواق العالمية. وفي المقابل، تزداد أهمية العراق بالنسبة لتركيا، باعتبارها سوقًا مهمًا لبيع منتجاتها، كما تعد العراق قبلة للاستثمار التركي، وتعمل مئات الشركات التركية في مجالات الإعمار والقطاعات الصناعية والتجارية والتصنيع والزراعة بالعراق.

لكن أحد أهم أدوات الضغط التي تمتلكها تركيا وقد تؤثر على أمن العراق المائي والغذائي، هي مسألة التنظيم القانوني لمياه دجلة والفرات، وتستمر المفاوضات فيها دون الوصول لحل يُرضي الطرفين وبالأخص الجانب العراقي، وقد اشتدت الأزمة بين البلدين عندما أقدمت تركيا على تأسيس مشروع جنوب شرق الأناضول، الذي يتضمن إنشاء 21 سدًا وعدد من محطات توليد الكهرباء على منابع نهري دجلة والفرات «تحت دعوى سيادة دولة المنبع على مجاريها المائية» وهو أمر يؤثر سلبًا على حصة العراق المائية وقد تهدد أمن بغداد الغذائي، وبذلك يُرجح بأن تكون العراق الخاسر الأكبر إذا انقعت علاقتها مع تركيا!

عرض التعليقات
تحميل المزيد