1,544

أعلنت تركيا تأسيس قاعدة عسكرية بالصومال، في محاولة لتوسيع نفوذها العسكري في شرق إفريقيا، وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة التوسع العسكري التركي في منطقة الشرق الأوسط. وتتزامن هذه الخطوة التركية مع مسعى إماراتي حثيث منذ عامين لتوسيع رقعة نفوذها في إفريقيا عبر تأسيس قواعد عسكرية في دول شرق إفريقيا، ومن أبرزها الحصول على موافقة لتأسيس قاعدة عسكرية في جمهورية أرض الصومال الانفصالية، التي أعلنت الانفصال من جانب واحد عن الصومال عام 1991، واتخذت عاصمة مستقلة لها تُسمى مدينة هرجيسا.

يسعى هذا التقرير لاستكشاف أوجه التقاطع بين كلا الدولتين في مساعيهما لخلق نفوذ لهما بالصومال، ومآلات ذلك عليهما مستقبليًّا، واستبيان الفوارق بين كلتا القاعدتين، والأهداف المُعلنة والخفية من وراء هذا التسابق المحموم بين الدول للتنافس على دول شرق إفريقيا.

اقرأ أيضًا: آخرها في الصومال.. القواعد العسكرية التركية تتمدد في الدول العربية

قاعدة تركيا العسكرية في الصومال.. القاعدة العسكرية الأكبر خارج تركيا

سعت تركيا لتتويج وزنها الإقليمي، واستثمار نفوذها الآخذ في التعاظم بمنطقة الشرق الأوسط، بتأسيس قاعدة عسكرية لها في العاصمة الصومالية مقديشو، في محاولة لنسج نفوذ لها بمنطقة شرق إفريقيا، التي تستحوذ على اهتمامات العديد من الدول العربية والأوربية، خصوصًا الإمارات التي سبق لها الشروع في تأسيس قاعدة لها بمدينة بربرة شمال غرب البلاد، منذ فبراير (شباط) 2017.

الصراع الإماراتي التركي

وتبلغ مساحة القاعدة العسكرية التركية، التي تقع على بعد كيلومترين جنوب العاصمة الصومالية، نحو 400 هكتار، وتضم ثلاثة مرافق مختلفة للتدريب، إضافة إلى مخازن للأسلحة والذخيرة، وتبلغ تكلفتها المالية 50 مليون دولار تقريبًا. القاعدة العسكرية الأكبر لتركيا خارج بلادها، جرى افتتاحها في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بحضور رئيس الوزراء الصومالي، ورئيس أركان الجيش التركي خلوصي آكار، ستضم مبدئيًّا نحو 200 جندي تركي، وهي مؤهلة لتدريب واستضافة ألف جندي دفعة واحدة، وتضم ساحات رياضية ومضمارًا للركض، فضلًا عن تخصيصها لتدريب أكثر من 10 آلاف جندي صومالي في القاعدة من جانب الضباط الأتراك المتواجدين بالقاعدة.

وسبق تأسيس تركيا لقاعدتها العسكرية في الصومال، تقديم دعم مالي واقتصادي للبلد الإفريقي الفقير، من خلال استضافة مؤتمرات المانحين، ولقاءات المصالحة بين الخصوم السياسيين، فضلًا عن التوسع في الاستثمار داخل البلد الإفريقية باستثمارات وصلت نحو 100 مليون دولار بنهاية 2016، وارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا والصومال إلى 72 مليون دولار في العام نفسه.
وتسعى تركيا من وراء هذه القاعدة لفتح أسواق جديدة للأسلحة التركية، والبحث عن أسواق جديدة لبيع الأسلحة التي تنتجها أنقرة، خصوصًا مع المساعي التركية للتوسع في تطوير صناعاتها الدفاعية، ورفع نسب تصديرها للخارج. وتحتل تركيا المركز السادس من حيث الدول التي لها قواعد عسكرية في القارة السمراء، وبالتحديد في القرن الإفريقي، بعد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان والصين.

وتُشير ورقة بحثية منشورة في مركز الجزيرة للدراسات، إلى أن القاعدة العسكرية ستمنح تركيا تمددًا استراتيجيًّا داخل منطقة القرن الإفريقي من خلال 3 مهام تضطلع بها، وهي: «مواجهة تنامي نفوذ بعض القوى الإقليمية والدولية، وتعزيز الحضور التركي في منطقة القرن الإفريقي، وحماية المصالح الاقتصادية التركية في القارة الإفريقية».

قاعدة الإمارات العسكرية بالصومال الانفصالية.. محطة نفوذ جديد

وقّعت دولة الإمارات اتفاقية مع حكومة «أرض الصومال الانفصالية»، في فبراير (شباط) العام الجاري، بتأسيس قاعدة عسكرية إماراتية في مدينة بربرة شمال غرب البلاد، بعد موافقة «مجلس النواب»، و«مجلس الشيوخ» في «أرض الصومال الانفصالية» بنسبة تصويت وصلت لـ144 نائبًا لإقامة القاعدة، في مقابل رفض خمسة من أصل 151 نائبًا حضروا الجلسة.

ووجدت اتفاقية تأسيس قاعدة عسكرية على أرض الصومال الانفصالية معارضةً كبرى من جانب «الحزب الوطني» المعارض، الذي شكّك في شرعية هذا الاتفاق. وأكد رئيس مجلس النواب السابق ومؤسس «الحزب الوطني»، عبد الرحمن محمد عبد الله، أنه «ألقي القبض على ثلاثة نوّاب بعدما رفضوا الموافقة على الاتفاق، بينما هُدِّد عدد كبير من النوّاب وأُجبروا على الموافقة». وأضاف: «نحن نقول للشعب إنه جرى إمرار هذا الاتفاق من طريق القوة». و«الحزب الوطني» هو الحزب المُعارض بجمهورية أرض الصومال من جانب واحد شمال الصومال، ويتبي أعضاؤه وجهة نظر تُعارض السياسات الحكومية التي تُقرها سلطة الجمهورية الانفصالية، صاحبة الأغلبية في البرلمان.

وجدت الاتفاقية كذلك حربًا واسعة، أيضًا، من جانب حكومة الصومال الشرعية، التي أكدت أنها ستتقدم بشكوى رسمية ضد الإمارات، متهمة إياها بـ«انتهاك القانون الدولي». وعززت الإمارات نفوذها في الصومال الانفصالية، قبل الشروع في تأسيس قاعدة عسكرية، بحصول شركة «موانيء دبي»، العام الماضي، على امتياز «إدارة وتطوير» ميناء بربرة لمدة 30 عامًا، عبر استثمارات تصل إلى 442 مليون دولار، إذ ستتولى الشركة الإماراتية تأهيل البنى التحتية، وخاصةً الطريق الذي يربط بين مدينة بربرة والحدود الإثيوبية، لتسهيل حركة مرور الشاحنات ونقل البضائع.

وحكومة الصومال، هي السُلطة المُعترف بها دوليًّا، التي تتخذ من مقديشو عاصمة لها، ودعت المجتمع الدولي أكثر من مرة لعدم الاعتراف بجمهورية أرض الصومال التي انفصلت عنها في أوائل التسعينيات، ووجدت في تأسيس الإمارات لقاعدة عسكرية في هذا الجزء الانفصالي اعترافًا بهذا الجزء الانفصالي، فضلًا عن غضبها من إتمام الاتفاق بين الجانب الإماراتي، والجانب الانفصالي دون معرفتها.

قالت الشركة حينها إن ميناء بربرة، وهو الوحيد الواقع على الساحل الجنوبي لخليج عدن، يوفر لها «نقطة نفاذ جديدة إلى البحر الأحمر»، مشيرة إلى أن «منطقة هراموس الاستثمارية التي تتبع الميناء ستجذب المزيد من خطوط الشحن إلى شرق إفريقيا، وستعزز نموها في الأسواق المحيطة خلال السنوات المقبلة».

ويمتاز موقع قاعدة الإمارات العسكرية بخصوصية جغرافية عن القاعدة التركية؛ كون المدينة الصومالية المُنشأ عليها القاعدة الإماراتية تقع على ممر بحري يربط ما بين قناة السويس، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي (بحر العرب خاصة). المساعي الإماراتية نحو تأسيس قاعدة عسكرية بجمهورية أرض الصومال تتعلق بسعي الدولة الخليجية للسيطرة على ميناء بربرة، وتحويله إلى مهبط للطائرات يدعم عملياتها في اليمن، ويحقق لها تفوقًا عسكريًّا كبيرًا في اليمن.

اقرأ أيضًا: قواعد الإمارات العسكرية.. كيف يمكن لدولة صغيرة أن تتصرف كإمبراطورية عُظمى؟

واتخذ النفوذ الإماراتي الآخذ في التمدد نحو شرق إفريقيا أشكالًا متعددة، كاستئجار ميناء عصب في إريتريا للاستخدام العسكري لمدة 30 عامًا، والذي يضم مدرجًا يمتد على طول 3500 متر، قادرًا على استقبال طائرات نقلٍ ضخمة، من بينها مروحية «بوينغ سي-17 غلوب ماستر3» التي يقودها السلاح الجوي الإماراتي، فضلًا عن الاتفاق مع جيبوتي على إدارة ميناء جيبوتي، واستئجار قواعد عسكرية لصالح الإمارات في كل من إريتريا بميناء عصب العميق، وجيبوتي بمنطقة هراموس التي استخدمها تحالف دول الخليج في عملياته باليمن، وجزيرة سقطرى اليمنية، التي استأجرتها الإمارات لمدة 99 عامًا، وتعهدوا بمنح الجنسية الإماراتية لكُل سكانها اليمنيين، الذين تصل أعدادهم نحو 40 ألف مواطن يمني.

التمدد العسكري الإماراتي لم يقف عند أرض الصومال الانفصالية؛ بل شمل في السابق تزويد «إدارة جوبا المؤقتة» في مدينة كيسمايو الصومالية بمجموعةٍ من «مركبات مقاومة للألغام ومحمية من الكمائن» من طراز «RG-31 Mk. V» ومركبات أخرى من طراز «تويوتا لاند كروزر» في نهاية أواخر أيار (مايو) 2015.

كما تعهدت دولة «الإمارات» بدفع رواتب قوات الأمن الحكومية الاتحادية الصومالية على مدى أربع سنوات، في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، في محاولة لمد جسور التعاون مع الحكومة الاتحادية، قبل أن تتسع الفجوة بين الجانبين على خلفية شروع الإمارات في تأسيس قاعدة بجمهورية الصومال الانفصالية.

ما وراء الصراع حول الصومال.. الباب الخلفي للسيطرة على خليج عدن واليمن

اكتسبت دولة الصومال أهمية استثنائية بوصفها واحدة من ضمن الدول التي يتصارع عليها دول كُبرى تسعى وراء تمدد نفوذها داخل هذه الدولة لتحقيق تفوق عسكري واستراتيجي داخل منطقة الشرق الأوسط. وحسب مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة معالجة الأزمات الدولية رشيد عبدي، لوكالة الأسوشييتد برس «لا يمكنك العثور على أي مكان استراتيجي للدول العربية أكثر من الصومال».

تنطلق أهمية الصومال كذلك من تحويل ميناء بربرة بأرض الصومال إلى ممر لوجستي بديل، يصلها بإثيوبيا، ما يساهم في إلغاء احتكار ميناء جيبوتي لحركة السفن، فضلًا عن كونه الميناء الوحيد، وهو الواقع على الساحل الجنوبي لخليج عدن. وتكتسب الصومال أهمية إضافية لخصوصية موقعها الجغرافي الذي يربط بين القارات، ويُطل على الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، جنبًا لما تحويه هذه البلد الفقير من ثروات كبيرة ومخزون نفطي.

أخيرًا، يعتقد الدبلوماسي الأمريكي السابق من أصل صومالي، أبو بكر عرمان، في تصريحات نقلتها عنه مجلة Yalla Affrica
أن «طموح دولة الإمارات العربية المتحدة يأتي أيضًا لمواجهة حضور تركيا المتنامي في المنطقة، والذي ينظر إليه على أنه تهديد استراتيجي لحلفائها البريطانيين والأمريكيين»، إذ تقول المجلة: «إن الأتراك من الجهات الفاعلة بقوة في الصومال من خلال المشاريع الكبيرة التي ترعاها كبناء المستشفيات، وشق الطرق، وتوفير المنح الدراسية لآلاف الطلاب الصوماليين».