تم وضع مدفع هاون في ماسورة الإطلاق، لكن شيئًا لم يحدث. الهزات والركلات أيضًا كانت بلا تأثير. مقاتل كردي قلب الماسورة رأسًا على عقب، التقط القذيفة ورمى بها فوق الأكياس الرملية، من حسن الحظ أنها لم تنفجر أيضًا.

حوالي 100 مقاتل من البشمرجة كانوا على الجبهات الأمامية للقتال الأسبوع الماضي في «إسكي» في الموصل، وهي ربما تكون أكثر المناطق المتنازع عليها شمالي العراق. إنها حلقة وصل بين الموصل وتل عفار، ثم الحدود السورية. كما أنها خط إمداد حيوي لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). بدعم من الضربات الجوية لقوات التحالف، اجتاح الأكراد جنوب معسكرهم ليستولوا على المنطقة أواخر الشهر الماضي.

هم الآن منخرطون في معارك يومية مع مقاتلي «داعش»، الكثير من المقاتلين محليون، طبقًا للقادة الأكراد الذين يتنصتون على الاتصالات اللاسلكية لـ«داعش».

على مسافة 800 ياردة، بين الأكياس الرملية ومحاطًا بالضباب، يقف مبنى أبيض يحمي معاقل داعش. بعد قصف المبنى بقذيفة واحدة -موفقة هذه المرة- انطلقت رصاصة قناص على معاقل الأكراد، وكأنها تحمل همسة خافتة: لقد أخطأت الهدف.

يعسكر البشمرجة الآن في إسكي – الموصل. لديهم بطاريات هارون، على الأقل قذيفة واحدة من نوع ميلان المضاد للدبابات، وأسلحة آلية ثقيلة. قذيفة ميلان مفيدة بشكل خاص في اصطياد المركبات الملغمة المعدة للعمليات الانتحارية. يقع حطام إحدى هذه المركبات على بعد 100 ياردة من المواقع الدفاعية للأكراد.

يقول البشمرجة أن «داعش» أرسلت خلال يومين 20 مركبة ملغمة على الطريق، وهي علامة على رغبة شديدة للإرهابيين في استعادة المنطقة. إحدى المركبات كانت تحمل ما يزيد على 8 أطنان من الـ TNT المعد للتفجير، لكن السائق تم قنصه قبل تفجير مركبته.

ثمة علامة أخرى أيضًا تظهر أهمية المكان: كتيبة عسكرية بريطانية صغيرة، غطى أفرادها وجوههم سريعًا وابتعدوا عند أول علامة لحضور طاقم تليفزيوني. “ممنوع التصوير من فضلكم”، هكذا صاح مرافقهم الكردي.

في الطريق إلى إسكي – الموصل تظهر القرى حول الزمر آثار احتلال «داعش». سويت بعض المباني بالأرض بفعل ضربات جوية. لكن عددًا كبيرًا آخر منها تم تفجيره بواسطة مقاتلي «داعش» أثناء انسحابهم. مبانٍ أخرى كانت مفخخة بواسطة مواد متفجرة مخبأة بذكاء، في انتظار عودة العائلات الفارة إلى وطنهم.

فيلا فاخرة على تلة مرتفعة تم تحويلها إلى مخزن للخرسانة والأسلاك والفولاذ، جهاز تلفزيون حديث مسحوق بين ألواح الإسمنت، يقف مالكها الكردي خارجًا، يعقد مسبحة من حبات كهرمانية بين أصابعه. يقول إن ابن أخيه جاء للمنزل مع ثلاثة آخرين، فتحوا الباب الأمامي، ثم حدث انفجار هائل.

قائد هذه المنطقة ورئيس مجلس أمن إقليم كردستان يدعى منصور برزاني، أحد أبناء الرئيس الكردي مسعود برزاني. في مكتبه شديد الحراسة على تل مرتفع، كان يشرح الوضع الحالي على خريطة للمنطقة. قوات البشمرجة استعادت حوالي 5000 ميل مربع منذ تمدد داعش الأخير فيها، كما أنها تحرس الآن جبهة يصل طولها إلى 700 ميل، منطقة تمتد من سنجار شمالًا وحتى كركوك وسط العراق.

أسطورة «داعش» التي لا تهزم تم تحطيمها؛ يقول برزاني. لكنه أيضًا يعترف بأن القوة القتالية لـ«داعش» لم تتأثر تقريبًا. يقدر برزاني قوات «داعش» في سوريا والعراق بحوالي 40 ألف مقاتل، مدعومين بأعداد أكبر من المتعاونين والمتعاطفين بين القبائل العربية السنية التي أقصتها الحكومة العراقية السابقة.

ربما على الجيش العراقي أن يقوم بخطوات تصعيدية الآن، يضيف برزاني؛ فالأكراد لا يستطيعون ولا ينبغي عليهم أن يسيطروا على مناطق عربية بالأساس مثل تل عفار، والتي تستحوذ عليها داعش منذ يونيو، لأن الأكراد لا يريدون خلق أي حساسيات سياسية مع العرب طبقًا لتعبيره.

برزاني كغيره يحاول فهم استراتيجية «داعش» في العراق. يبدو أن مركز ثقلهم يتحرك نحو الجنوب والغرب، حيث تدور المعارك الأعنف، في مقاطعتي الأنبار وصلاح الدين. حملة «داعش» على مدينة البغدادي في الأنبار، مستعينين بخلاياهم النائمة في الداخل والهجمات المنظمة من الخارج، أظهرت أن «داعش» ما يزال بإمكانها القيام بعمليات عسكرية معقدة، حتى بعد أشهر من بدء غارات التحالف.

تبدو بعض مكاسب «داعش» عابرة وتكتيكية، ربما يكون القصد منها استدراج القوات العراقية في اتجاهات مختلفة. على سبيل المثال، قامت «داعش» الأسبوع الماضي بعدة هجمات على القرى الجنوبية لمدينة تكريت التي ما زالت تسيطر عليها، لتستدرج مزيجًا من الجيش العراقي، الشرطة والميليشيات الشيعية.

في نفس الوقت، تبذل «داعش» جهدًا كبيرًا في محاولة تعزيز وجودها في الموصل. من فوق التلال المطلة على بلدة سنجار، شهدنا تدفقًا مستمرًا وسريعًا للشاحنات والناقلات بين الحدود السورية ومنطقة الموصل، في هذه الأثناء كانت طائرات التحالف ومقاتلات F-16s تحلق في سماء المنطقة.

يعتقد بارزاني أن «داعش» تقوم بسحب المقاتلين من سوريا لتعيد نشرهم في هذا الجزء من العراق. مع التقدم الكردي يبدو أن المقاتلين يسلكون طرقًا ملتوية للوصول إلى العراق دون الوقوع في أيدي الأكراد. من الواضح إذًا أن «داعش» ليس مستعدة للتخلي عن الموصل، جارتها الاستراتيجية والرمزية.

تحاول «داعش» تمثل انتصارات نور الدين زنكي ضد الصليبيين قبل 900 عام، حيث ذبح المسيحيين في جميع أنحاء المنطقة التي هي سوريا الآن. جمع زنكي حلب والموصل تحت حكمه، وبنى مسجدًا كبيرًا باسمه في الموصل؛ نفس المسجد الذي أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين من على منبره، الجمعة الأولى من رمضان العام الماضي.

الوضع داخل المدينة مزرٍ على أي حال، وفقًا للمسؤولين الأكراد، وللرسائل التي استطاع بعض المواطنين إرسالها من الداخل. ثمة نقص في إمدادات المياه والكهرباء، كما ارتفعت أسعار السلع الرئيسة ارتفاعًا هائلًا، إضافة إلى أن حكم «داعش» يزداد قساوة يومًا بعد يوم. المشتبه بهم في التعاون مع الأكراد يتم إعدامهم فورًا، شمل هذا مسؤولين سابقين في الجيش والشرطة. حفرت «داعش» الخنادق ونصبت السواتر حول المدينة تحصينًا لنفسها، كما دمرت على الأقل جسرًا رئيسًا واحدًا.

وفقًا لتصريحات برزاني لـ CNN فإن الأكراد وجدوا أهل المناطق التي استعادوها في حال شديدة السوء. “لقد تم تجويعهم، حرفيًّا”، هكذا قال برزاني.

“يتجنب الناس إخراج بناتهم إلى الشوارع، خشية أخذهن سبايا لمقاتلي وأمراء «داعش»، كما يحبسون أطفالهم أيضًا، خشية أسرهم وتجنيدهم بواسطة «داعش».

مع كل هذا، ما زال التوتر الطائفي وضعف بغداد يعود بالفائدة على «داعش» في جميع أنحاء العراق. يتم تدريب قوات الأمن العراقية وتنظيمها بمساعدة أمريكية، لكن هذه القوات ما زالت غير قادرة على المواجهة، وما زال اعتمادها قائمًا على المليشيات الشيعية، والمعروفة باسم وحدات التعبئة الشعبية في بعض المناطق. كما أن القوات العراقية ليست على دراية بالمعارك في المناطق الحضرية، وهو نوع القتال المطلوب لاستعادة مدينة مثل الموصل.

أشعل اغتيال القيادي القبلي السني البارز -الشيخ قاسم الجنابي الجمعة الماضية- التوترات الطائفية مرة أخرى، كما علقت الكتل السنية مشاركتها في البرلمان والحكومة. الجنابي كان قد قاد حملة تهدف للتحقيق في اختفاء العديد من السنة.

بعد الاغتيال صرح القيادي السني في الحكومة، ونائب رئيس الوزراء، صالح المطلك، بضرورة التخلص من المليشيات الشيعية، واستعادة الأسلحة من قبل الدولة. وعد رئيس الوزراء حيدر العبادي بفعل هذا، لكن بإدراك للحاجة الماسة إلى قوات قتالية فاعلة قادرة على التصدي لـ«داعش».

وفقًا لجو ستورك من منظمة هيومان رايتس ووتش، فإنه نتيجة للحرب الحالية، يتم سحق المدنيين العراقيين بين مطرقة «داعش»، وسندان الميليشات التابعة للحكومة، والتي تحاول استعادة المناطق التي تسيطر عليها داعش.

تحقق هيومان رايتس ووتش في مقتل أكثر من 70 شخصًا أثناء هجوم ميليشيا شيعية على قرية سنية في محافظة ديالى الشهر الماضي.

يقول جو ستورك: «تقوم الحكومة بعمليات اعتقال وإعدام عشوائية ضد من تراهم إرهابيين، ما يجعل المواطنين عالقين في ظل عدم وجود أي مكان يوفر لهم حماية حقيقية».

وهذا هو تمامًا ما تريده «داعش».

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد