حقق النظام السوري تقدمًا ميدانيًّا في مدينة حلب، مع إطباق الحصار على شرقي المدينة، وتردي الأوضاع الإنسانية هناك، بعد سقوط مئات المدنيين، وسط ما يبدو أنه «رضوخ» أممي للنظام السوري، و«تعثر» أمريكي في توجيه ضربات عسكرية له.

ومنذ انهيار الهدنة الروسية الأمريكية، مساء يوم 19 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتشهد مدينة حلب السورية معارك طاحنة بين فصائل المعارضة السورية، المتمركزة بشكل أساسي في الجانب الشرقي من المدينة، وبين الجيش النظامي السوري المدعوم بفصائل شيعية، وغطاء جوي روسي، والذي يتمركز بشكل أساسي في المناطق الغربية للمدينة.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، المعارض، أمس الخميس، بتقدم ميداني للجيش السوري في حلب، وانتزاع السيطرة على نصف حي رئيسي من قبضة المعارضة، وأشار المرصد إلى اشتباكات دارت بين الطرفين في محور صلاح الدين بمدينة حلب، بينما «تواصلت الاشتباكات بين الطرفين في محور حي بستان الباشا شمال حلب، وسط تقدم قوات النظام وسيطرتها على المعهد الرياضي، وتقدمها في محاور أخرى بالحي، بالتزامن مع قصف قوات النظام على مناطق الاشتباك، ومواقع مقاتلي الفصائل».

ويقع حي بستان باشا بين المناطق الغربية التي تسيطر عليها المعارضة، والمناطق التي يسيطر عليها النظام السوري غربي المدينة ووسطها، وأفاد المرصد بأن هذا التقدم للنظام في هذا الحي يعتبر الأول له منذ سيطرة المعارضة عليه قبل ثلاث سنوات.

ويأتي هذا التقدم للحكومة السورية، في الوقت الذي تعهد فيه الرئيس السوري بشار الأسد -خلال حواره مع فضائية دنماركية- بالسيطرة على كامل البلاد، لافتًا إلى أنه يُفضل عمل ذلك «من خلال اتفاقات محلية وإصدار عفو يسمح لمقاتلي المعارضة بالمغادرة إلى مناطق أخرى». ونفى وجود معارضة «معتدلة» في سوريا.

فيما أعلن الجيش السوري تقليص ضربات الجوية والمدفعية شرقي حلب لـ«أسباب إنسانية وللسماح بمغادرة الأفراد إلى مناطق أكثر أمنًا» بحسب الجيش السوري الذي حذّر مقاتلي المعارضة وعائلاتهم من البقاء في حلب، وطالبهم بإلقاء أسلحتهم أو مغادرتهم المدينة، باعتبار أن تلك هي فرصة من لا يستغلها سيلقى «مصيره المحتوم».

مقتل وإصابة 1600 مدني منذ انهيار الهدنة

ومع التقدم الميداني للحكومة السورية في حلب، تزداد الأوضاع الإنسانية سوءًا، مع سقوط مئات المدنيين في تلك المدينة السورية، فمنذ انهيار الهدنة الأمريكية الروسية، في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي، قُتل 456 مدنيًا بينهم 83 طفلًا، و33 سيدةً في حلب، بحسب تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان، الصادر الأربعاء الماضي، موثّقًا فيه الضحايا المدنيين منذ انهيار الهدنة.

وأفاد المرصد، أن معظم الضحايا المدنيين، قُتلوا بسبب هجمات النظام السوري والغارات الروسية على أماكن سيطرة المعاضة شرقي المدينة، فيما لفت المرصد، في الوقت ذاته، إلى مقتل 27 مدنيًّا بينهم خمسة أطفال وثماني سيدات جراء سقوط قذائف للفصائل المعارضة على أحياء المدينة الغربية، التي تقع تحت سيطرة النظام، فيما بلغ عدد المدنيين المصابين من الجانبين 1100 شخص أُصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة، ولفت المرصد إلى أن 15 يومًا من قصف حلب «الوحشي» بعد انهيار الهدنة، رفع عدد «الشهداء» لثلاثة أضعاف العدد في المدة ذاتها لما قبل سريانها.

فيما أعلنت الأمم المتحدة أمس الخميس مقتل 276 شخصًا وإصابة 1266 نتيجة استهداف المستشفيات فقط، خلال الأسبوعين الماضيين. كما أفادت الأمم المتحدة -الأربعاء الماضي- بأن أحياء شرقي حلب تنطبق عليها الثلاثة معايير الأساسية للمنطقة المحاصرة، وهي: التطويق العسكري، وعدم وصول المساعدات الإنسانية، وحرمان المدنيين من حرية التنقل.

ويُطبق النظام السوري حصاره لتلك المنطقة منذ حوالي شهرين، وتزداد المخاطر على حوالي 270 ألف مدني يعيشون هناك في ظروف صعبة، يهددون بالقصف الروسي والسوري، ويعانون نقص الموارد الطبية والغذائية.

مقترحات دي ميستورا تحل الأزمة الإنسانية أم «ترضخ » للأسد؟

وتعليقًا على الوضع الإنساني في حلب وبالأخص في جزئها الشرقي، قال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا إن الجزء الشرقي من مدينة حلب الواقع تحت سيطرة المعارضة يواجه «دمارًا شاملًا» خلال شهرين، مع احتمال مقتل آلاف المدنيين «هذا ما سيراه العالم وهو يجهز للاحتفال بأعياد الميلاد». وحث دي ميستورا سوريا وروسيا على عدم تدمير المدينة للقضاء على المسلحين فيها، مُعربًا عن استعداده لمرافقة مسلحي جبهة فتح الشام بنفسه إلى خارج المدينة إذا كان هذا سيوقف القتال.

وجبهة فتح الشام هي الاسم الجديد لجبهة النصرة بعد إعلان فك ارتباطها بـ«تنظيم القاعدة»، وبالرغم من فك الارتباط ما تزال تحاربها موسكو وواشنطن وتعتبرانها جزءًا من تنظيم القاعدة، وتطالب أمريكا الفصائل المعارضة بالابتعاد عن أماكن تواجد مقاتلي جبهة الفتح، والذي يبلغ عددهم في حلب نحو 900 مقاتل، وهو طلب يصعب تحقيقه في أرض الواقع مع تمركز مقاتلي الجبهة في مناطق سيطرة المعارضة.

ولاقى اقتراح دي ميستورا بمرافقة مقاتلي جبهة فتح الشام خارج المدينة ترحيبًا روسيًّا، بحسب وكالة تاس للأنباء، في الوقت الذي أكد فيه المرصد السوري أن نسبة مقاتلي فتح الشام بحلب من 4 إلى 5 % في أقصى حالاتها، من نسبة مقاتلي الفصائل الإسلامية والمعارضة، المتواجدة في أحياء حلب الشرقية.

وطالب المرصد، أمس الخميس، من دي ميستورا «حال أراد مرافقة مقاتلي عدة (مئات) من جبهة فتح الشام، أن يرافق معهم أيضًا عدة (آلاف) من الميليشيات الموالية للنظام من جنسيات لبنانية وعراقية وإيرانية وأفغانية وروسية تقاتل إلى جانب النظام في محافظة حلب».

وقال رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري، إن «الأمم المتحدة تتحدث عن رحيل المواطنين»، مُعلقًا على ذلك، الأربعاء الماضي، في مداخلة تلفزيونية على قناة الحرة: «وكأننا خضعنا لما أرادته روسيا وأراده النظام، فبعد عملية الحصار والتجويع لأحياء حلب الشرقية، يتم ترحيلهم من بيوتهم إلى مخيمات ومناطق مجهولة، وعندما يصدر هذا الأمر من الأمم المتحدة، وكأنها تقول نحن شركاء أساسيون بما يجري في حلب من قتل وتقتيل ومحاولة تهجير ما تبقى من سكان أحياء حلب الشرقية».

روسيا منغمسة في الحرب وأمريكا «تدرس» الخيار العسكري

وفي الوقت الذي تنغمس فيه روسيا عسكريًّا بشدة في الحرب السورية لدعم نظام الأسد، وقتل معارضيه تحت وازع «محاربة الإرهاب»، ما تزال أمريكا تدرس خيارتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في مواجهة الأسد، وقال جوش إرنست المتحدث باسم البيت الأبيض -أمس الخميس-، إن واشنطن لا تستبعد احتمال «شن ضربات جوية ضد الجيش السوري» بسبب انتهاكه للهدنة، لكنه شكك في الوقت ذاته من عواقب ذلك على مصالح أمريكا القومية.

وقال إرنست للصحافيين «إن العمليات العسكرية ضد النظام السوري، والتي تهدف إلى تسوية الأوضاع في حلب لا يحتمل أن تحقق أهدافها المحددة التي يشير إليها الكثيرون، والمقصود تخفيض مستوى العنف. ومن المرجح أكثر أنها ستسبب عواقب غير متوقعة لا تتوافق تمامًا مع مصالحنا القومية، غير أنني لن أستبعد دراسة أية خيارات».

وتظهر تصريحات ما يبدو «عدم ارتياح» أمريكي لتوجيه ضربات عسكرية لنظام الأسد، مع عدم حسم نهائي برفض هذا الخيار أو قبوله، ولكن التجارب والمحاولات الأمريكية المشابهة في الشأن السوري، منذ اندلاع الأزمة هناك قد تُرجح الرفض الأمريكي لقرار كذلك، اتساقًا مع أولويات أمريكا في محاربة «تنظيم الدولة» عسكريًّا على مواجهة نظام الأسد؛ وخوفًا من أن خطوات كتلك قد تمكن مستقبلًا فصائل معارضة قد تمثل خطرًا مستقبليًّا على أمريكا، وبالأخص جبهة فتح الشام.

ففي الماضي القريب، في 17 يونيو (حزيران) الماضي، وقّع 50 دبلوماسيًّا في الخارجية الأمريكية على مذكرة، احتجوا فيها على تعامل الإدارة الأمريكية تجاه الملف السوري، مطالبين الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، قبل أشهر قليلة من تركه للرئاسة، بشن هجمات عسكرية، تستهدف نظام الأسد، ولكن البيت الأبيض، استبعد ضرب «الأسد» عسكريًّا، لحمله على الحل السياسي، باعتباره سيؤدي إلى انزلاق أمريكا لـ«حرب شاملة ومفتوحة» مع «دولة ذات سيادة، تتلقى الدعم من روسيا وإيران»، لافتًا أن ذلك سيُشتت الجهود الأمريكية لهزيمة «تنظيم الدولة».

الرئيس الأمريكي باراك أوباما

اقرأ أيضًا: واشنطن في سوريا.. ضد «تنظيم الدولة» فقط وليس «بشار الأسد»

ولم تكن هذه المرة الأولى التي ترفض فيها الإدارة الأمريكية أصواتًا من داخلها، تطالبها بمواجهة الأسد عسكريًّا، ففي صيف 2012، وقبل أشهر قليلة من انتهاء ولاية أوباما الرئاسية الأولى، قدمت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة والمرشحة الرئاسية الحالية، مع ديفيد بترايوس، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية «سي آي إيه»، خطةً لتسليح المعارضة السورية، وتدريبهم في إحدى دول المنطقة الحليفة، لمواجهة نظام الأسد.

وأيد الخطة حينها لوين بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي السابق، لكن أوباما رفضها، حتى لا تصل الأسلحة لمقاتلين «متشددين» يحاربون الأسد، أو بالأحرى لـ«تنظيم الدولة». لذلك، فإن التجارب التاريخية قد تستبعد توجيه أمريكا ضربات عسكرية لنظام الأسد، ولكن الخيار يظل مطروحًا في انتظار ما تخبئه لنا الأيام التي تحمل الحسم النهائي لذلك الخيار!

عرض التعليقات
تحميل المزيد