قللت الولايات المتحدة الأمريكية، عدد مُستشاريها المشاركين في التحالف الدولي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن، باعتبار أن دعم السعودية «ليس شيكًا على بياض»، وسط تصعيدٍ سياسي وشعبي من معسكر الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، عثّر مُحادثات السلام، وأُدينَ دوليًّا.

في 20 أغسطس (آب) الجاري، قلّصت الولايات المتحدة عدد مستشاريها المشاركين في التحالف الدولي باليمن، من 45 إلى خمسة فقط، ووفقًا للمتحدث باسم الأسطول الخامس الأمريكي -الذي يتخذ من البحرين مقرًا له- الكلونيل إيان ماكونهي، فإن هذا الخفض لعدد المستشارين، تَقَرر «نتيجة تراجع طلب المساعدة من السعودية، ويعتبر توزيعًا أكثر فاعلية للموارد العسكرية»، مُضيفًا في تصريحات صحافية أدلى بها السبت الماضي لوكالة فرانس برس، أن البحرية الأمريكية تزود السعوديين «صورًا تتيح لهم تقييم الوضع الميداني بشكلٍ أفضل».

من جانبه قلّل اللواء أحمد عسيري، المتحدث باسم التحالف الدولي، من أهمية تلك الإجراءات، «كونها تتصل بأمر على المستوى التخطيطي»، مُوضحًا، في تصريح لرويترز، أن الولايات المتحدة «ربما تجري تغييرًا في المواقع، لكن ذلك ليس له تأثير في العلاقة المشتركة بين البلدين».

وقال ماكهوني إن خمسة عسكريين أمريكيين، يعملون حاليًا بوقت كامل فيما أسماها بـ«خلية التخطيط المُشترك»، والتي كانت قد أُنشئت العام الماضي، بغية تنسيق الدعم الأمريكي للتحالف، والذي يتضمن إعادة تزويد طائرات التحالف بالوقود في الجو، بمتوسط مرتين يوميًّا، والتبادل المحدود لمعلومات المخابرات.

وأفاد مسؤولون أمريكيون لرويترز، بأن هذه المساعدات ستظل مُستمرة، نافيين أن يكون قرار التقليص، مُرتبطًا بالمخاوف الدولية على ضحايا مدنيي اليمن من الحرب التي تعيشها اليمن منذ 17 شهرًا، وأودت بحياة حوالي 6500 شخص، نصفهم من المدنيين.

لهجة أكثر حدة من البنتاجون

وبعكس اللهجة المطمئنة التي كانت عليها تعليقات ماكلهوني وعسيري والمسؤولين الأمريكيين، جاءت لهجة وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»، أكثر حدة، إذ قال آدم ستامب، المتحدث باسم البنتاجون، إن التعاون الذي تقدمه الولايات المتحدة للسعودية «متواضع وليس شيكًا على بياض»، لافتًا إلى أنّ لجنة التخطيط المشترك، أُهملت إلى حد كبير، مُوضحًا أن العسكريين الأمريكيين «لم يُقدموا في أي مرحلة موافقة صريحة أو ضمنية لاختيار الأهداف أو متابعتها».

وأضاف ستامب: «حتى مع مساعدتنا للسعوديين فيما يتعلق بوحدة أراضيهم، فهذا لا يعني أننا سنحجم عن إبداء قلقنا بشأن الحرب في اليمن وكيفية شنها»، مُشددًا على ضرورة «تقليل عدد الضحايا المدنيين».

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة، حمّلت في تقريرها السنوي، التحالف الدولي التي تقوده السعودية، مسؤولية مقتل وإصابة 60% من الضحايا الأطفال في اليمن، الذين سقطوا خلال العام الماضي، فيما ردت السعودية بأن التقرير جاء بناءً على معلومات وصفتها بغير الدقيقة.

ويأتي هذا التقليص، بعدما قررت منظمة أطباء بلا حدود، إجلاء طواقمها من ست مستشفيات شمالي اليمن، على خلفية استهداف غارات التحالف، إحدى منشآتها، الإثنين الماضي، أسفرت عن مقتل 19 شخصًا، وإصابة 24 آخرين، في رابع غارة للتحالف، تستهدف منشآت المنظمة، وأشدها دموية. واتهمت المنظمة التحالف بـ«القصف العشوائي»، مُعربةً عن فقدان ثقتها في قدرة التحالف على منع وقوع ما أسمته بـ«الهجمات الفتاكة».

كما يأتي الخفض الأمريكي لمستشاريها في التحالف، قبل أيام قليلة من زيارة مرتقبة، لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري للسعودية، تمتد ليومي 24 و25 أغسطس (آب) الجاري، ستركز في الأساس على الحديث عن الحرب اليمنية، وتطورات المشهد اليمني.

تعثر في مفاوضات السلام بسبب «المجلس السياسي»

مع نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، وأثناء مفاوضات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة مع طرفي الصراع في اليمن، من خلال المبعوث الأممي أحمد ولد الشيخ، وفي ظل ضغط الكويت، حيث تُقام المفاوضات، على الطرفين للوصول إلى اتفاق نهائي، أعلن الحوثيون، وحزب المؤتمر الشعبي العام، بزعامة الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، اتفاقًا لتشكيل «مجلس سياسي»، لإدارة المنطقة التي يسيطرون عليها، وهو ما اعتبرته حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دوليًّا، نسفًا لمفاوضات السلام التي توقفت بالفعل بعد هذا الإجراء.

ويتكون المجلس السياسي الذي تشكل في 28 يوليو (تموز) الماضي، من 10 أعضاء بالمناصفة بين جماعة الحوثي، وحزب المؤتمر العام، لـ«إدارة شؤون الدولة سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا وإداريًّا واجتماعيًّا وغير ذلك» وضم المجلس عددًا من الأعضاء، من أبرزهم: صالح الصماد، رئيس المكتب السياسي للحوثيين، وصادق أمين أبو رأس، نائب رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام، ويوسف الفيشي، عضو المكتب السياسي للحوثيين، وخالد سعيد الديني، وقاسم لبوزة القياديين في حزب المؤتمر. ذلك بالإضافة إلى عددٍ من الشخصيات المعروفة بقربها من الحوثيين مثل: اللواء الركن مبارك صالح المشن، وعبد الله جابر الوهباني، وسلطان السامعي، وناصر عبد الله النصيري.

رفض أممي وخليجي لـ«المجلس السياسي»

وجاء رفض الأمم المتحدة  لهذا الاتفاق المجلس السياسي سريعًا، في نفس يوم إعلانه، باعتباره اتفاقًا ينتهك قرار مجلس الأمن رقم 2216 لسنة 2015، الذي يطالب «جميع الأطراف اليمنية، ولا سيما الحوثيين، بالامتناع عن اتخاذ المزيد من الإجراءات الانفرادية، التي يمكن أن تقوض عملية الانتقال السياسي في اليمن»، ويدعوهم إلى «التوقف عن جميع الأعمال التي تندرج ضمن نطاق سلطة الحكومة الشرعية في اليمن» في الإشارة لحكومة الرئيس هادي.

وقال ولد الشيخ، إن هذا الاتفاق، لا يتماشى مع الالتزامات التي قطعها معسكر الحوثيين وصالح، على نفسه، لدعم العملية السياسية، باعتبار أن هذه الاتفاق يعبر عن «ترتيبات أحادية الجانب»، على حد تعبيره، مُضيفًا أنّه «يُعدّ خرقًا واضحًا للدستور اليمني، ولبنود المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية»، فيما أعربت دول مجلس التعاون عن قلقها من هذا الاتفاق باعتباره يقود عملية السلام، فيما فشل مجلس الأمن في إدانة القرار بسبب الرفض الروسي.

روسيا تنضم لصفوف الرافضين بعد حشود صنعاء

ولكن هذه المواقف الأممية والخليجية، لم تمنع طرف الحوثيين وصالح، من دعوة أنصارهم من الاحتشاد في العاصمة اليمنية صنعاء التي يسيطرون عليها، لإظهار دعم شعبي لـ«المجلس السياسي». وبالفعل احتشد مئات الآلاف، السبت الماضي، تأييدًا لـ«المجلس السياسي»، واحتجاجًا على الغارات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده السعودية في اليمن.

ولكن يبدو أن الاحتشاد أتى بنتائج عكسية على الصعيد الدولي، إذ وصف سفراء الدول الثمانية عشر الراعين للسلام في اليمن -بمن فيهم روسيا- اتفاق إنشاء المجلس الرئاسي بـ«الأحادي وغير الدستوري». وقالوا في البيان الذي أُصدر السبت الماضي تزامنًا مع خروج الحشود إلى صنعاء، إن هذه الإجراءات «تجعل البحث عن حل سلمي أكثر صعوبة، وذلك نتيجة قيامهم بأعمال أحادية وغير دستورية في صنعاء، وأن هذه الأعمال لا تفيد سوى بالمزيد من الانقسامات في اليمن، ولن تعالج مشاكله السياسية والاقتصاد والأمنية التي تسبب هذه المعاناة المنتشرة في أرجاء البلاد».

وجدد البيان دعوة الأطراف لوقف القتال فوريًّا، والتعامل بمسؤولية مع ولد الشيخ، و«الالتزام بمرجعيات الحل السلمي، المتمثلة بمبادرة دول مجلس التعاون الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة، بما في ذلك القرار رقم 2216». وفي نفس السياق، أعلن ميخائيل بوجدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن روسيا لا تعترف بـ«المجلس السياسي»، باعتباره تصرف أحادي الجانب.

تقدم ميداني لمعسكر هادي غرب تعز وقرب صنعاء

وعلى الصعيد الميداني، أعلنت الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في اليمن، السبت الماضي، تمكنهما من فك الحصار غرب مدينة تعز، واستعادة السيطرة الكاملة على المنطقة الغربية من المدينة، وجبل هان الإستراتيجي، بعد مواجهات مسلحة مع الحوثيين، والقوات الموالية لصالح، مع استمرار الاشتباكات بين الطرفين في الجهات الشرقية للمدينة.

وأسفرت معارك تعز عن مقتل 13 من الحوثيين، وإصابة العشرات، فيما قُتل خمسة أشخاص وأُصيب 23 آخرين من قوات الجيش، والمقاومة الشعبية. ومن ناحية أخرى، استمر تقدم قوات الجيش الوطني، والمقاومة الشعبية في جبهة نهم القريبة من العاصمة اليمنية صنعاء، مع تراجع مسلحي الحوثيين، والقوات الموالية لعلي عبد الله صالح.

عرض التعليقات
تحميل المزيد