2,012

لا تخلو العلاقات الروسية – السورية، من بعض الخلافات التي بدأت مؤخرًا في الظهور على السطح بأصوات روسية صحافية ورسمية، وتتضمن إظهار «الفضل» الروسي في إبقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وإدارة روسية ذاتية لبعض الملفات والمناطق بلا تنسيق مع النظام، وتراجع روسيا عن تقديم منظومة صواريخ «إس – 300» للجانب السوري، وهي خلافات ليس مرتبطة بإيقاف الدعم الروسي لنظام الأسد، ولكنها مرتبطة  أكثر بزيادة التحكم الروسي في الأوضاع السورية.

« الأسد كان كالدجاجة المُبللة»

كان بشار الأسد في خريف 2015 أشبه بدجاجة مبللة… ولم ينجح في رفع كتفيه والمشي معتدلًا إلا بعدما انتشلته روسيا من القاع

هكذا تحدّث بلغة صريحة وحادة جنرال روسي سابق عن تأثير التدخل الروسي في سوريا، في قلب المعادلة لصالح النظام، خلال مقال له في صحيفة رسمية روسية واسعة الانتشار، تحمل اسم «جازيتا رو» لافتًا إلى أن نظام الأسد كان مهددًا بالسقوط أكثر من مرة قبل أن تنقذه روسيا.

وامتد انتقاد الجنرال الروسي للجيش النظامي السوري وحلفائه من المليشيات الشيعية والقوات الرديفة مثل «حزب الله»، وعدّ الجنرال أن الجيش السوري لم يكن مؤهلًا لخوض معركتي: الإرهاب، والحرب الأهلية مع المعارضة، لافتًا إلى تصرف المليشيات على هواها، ووصف الوضع بـأنه كان«مزريًا» مع بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) 2015.

وأوضح: «لم يحدث في أي مرة أن التزم حزب الله والمجموعات الأخرى، بتنفيذ المهام الموكلة إليهم تمامًا وحتى النهاية، في بعض الحالات كانوا ينسحبون فجأة ويتركون القوات الحليفة في المناطق المجاورة في خطر جدي. وكان قادتهم يتصرفون بشكل فردي ولا يخضعون لأوامر أحد، وحدث أكثر من مرة أن فضلوا عدم التقدم في مواقع كان يجب أن يتقدموا فيها أو العكس».

وفي السياق ذاته، نشرت «وكالة الأخبار الفيدرالية» مقالًا لمعلق عسكري لفت فيه أيضًا إلى سوء وضع جيش النظام السوري مع بدايات التدخل العسكري الروسي في سوريا، موضحًا: « عندما ذهبنا إلى سوريا كان التقدير الأولي لدى العسكريين الروسي أن أداء الجيش السوري سوف يتحسن سريعًا بمجرد حصوله على الإمداد اللازم والغطاء الجوي القوي، لكن عملياتنا العسكرية الحاسمة التي أضعفت كثيرًا خصوم النظام أظهرت في الوقت ذاته تدهور وضع الجيش النظامي وعدم قدرته على التقدم، لم تحرك القيادة العسكرية السورية أصبعًا في الشهور الأولى، وكان الهم الرئيس لديها أن يفاخروا بأن الإيرانيين والروس سوف يقضون على الإرهابيين وفقًا لحديث سمعته بنفسي من ضابط سوري».

ولفت إلى وجود عمليات «فساد كُبرى» وانسحاب مفاجئ من الجيش السوري وحلفائه الإيرانيين من تدمر بعدما كانت روسيا استعادتها من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في 2016، مُشيرًا إلى أن جزءًا من الأسلحة الروسية التي تقدمها موسكو لدمشق كان يباع لـ«الإرهابيين»؛ مما دفع القيادة الروسية إلى السيطرة الكاملة على ترسانة الأسلحة منذ عام 2017؛ حتى لا تُباع للأعداء.

الأسد كسب 35.6% من الجغرافيا السورية بعد التدخل  الروسي

مع أن لغة الجنرال الروسي اتسمت بالحدة وشدة اللهجة، إلا أنها على ما يبدو لم تبتعد كثيرًا عن الواقع السوري قبيل التدخل العسكري الروسي في الأشهر الأخير من عام 2015، والفارق الكبير التي أحدثته روسيا في الجغرافيا السورية ونسب السيطرة بعد نحو عامين ونصف من ذلك التدخل العسكري الروسي، وتظهر الخرائط والأرقام ذلك الفارق بوضوح.

فقد ساهم التدخل الروسي بشدة في تقوية النظام ليمكنه من مناطق رئيسة كانت خاضعة تحت سيطرة المعارضة: كحلب في نهاية 2016، والغوطة الشرقية في نهاية 2017، ذلك بالإضافة استعادة الأراضي الشاسعة التي سيطر عليها (داعش) في سوريا منذ 2015، وحتى بداية 2017.

خريطة  لنسب السيطرة لأطراف الصراع في سوريا بعد سبع سنوات من الحرب (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

فبحسب إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن النظام خلال الأشهر الأخيرة من عام 2015، لم يكن يسيطر إلا على 22% فقط من الأراضي السورية، أي بأقل من ربع جغرافية البلاد، قبل أن تنقلب الكفة، ويصبح النظام السوري يسيطر الآن على أغلبية الجغرافيا السورية خلال عامين ونصف من التدخل الروسي.

فبحسب إحصائية سنوية للمرصد السوري، بعد سبع سنوات من الحرب السورية، وتعود لـ12 مارس (آذار) 2018، فإن النظام السوري أصبح يسيطر على 57.57% من الأراضي السورية، وبذلك يكون الأسد قد كسب 35.6% من الجغرافيا
السورية بعد التدخل العسكري الروسي، فيما تقلّصت سيطرة (داعش) لتصل إلى 3.03%، بعد ذلك كان يسيطر التنظيم  على أغلبية الأراضي السورية بنسبة تصل إلى 51.6% مطلع عام 2017.

انتصارات الأسد وبوتين على جثث آلاف المدنيين

ولم تأتِ انتصارات النظام بمساعدة روسيا من فراغ، إنما جاءت على جثث آلاف السوريين، أكثريتهم من المدنيين، فالغارات الروسية كانت عنيفة وقاسية لتهدر آلاف أرواح المدنيين في سوريا، بينهم أطفال ونساء.

فخلال 30 شهرًا من التدخل العسكري الروسي في سوريا، في الفترة من 30 سبتمبر 2015، وحتى 30 مارس 2018، تسبب القصف الروسي في قتل 17183 شخصًا، منهم: 4865 عنصرًا من (داعش)، و4651 مقاتلًا من الفصائل المعارضة.

حصاد 30 شهرًا من التدخل العسكري الروسي في سوريا (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

ولكن الأكثر لفتًا للانتباه، هو تسبب القصف الروسي في إيقاع أكبر نسبة من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين؛ إذ بلغت نسبة الضحايا المدنيين 44.6% من إجمالي ما تسبب في قتله القصف الروسية، بمقتل 7667 مدنيًا، بينهم 1842 طفلًا، و1132 سيدة، ليبلغ بذلك عدد الضحايا المدنيين من الغارات الروسية في 30 شهرًا، 60% من إجمالي ضحايا قصف النظام السوري الجوي في 42 شهرًا!

لم يتوقف الدعم الروسي لنظام بشار الأسد، على الجانب العسكري فقط مع تدخل الروس عسكريًا في 30 سبتمبر 2015، وإنما امتد لدعم سياسي كبير في المحافل الدولية، حصّن نظام الأسد من اتخاذ عقوبات ضده، بتعطيل العديد من قرارات مجلس الأمن دعمًا للنظام السوري، وبدأ هذا الدعم منذ الشهور الأولى بعد اندلاع الانتفاضة السورية في مارس 2011، وبالوصول لأبريل (نيسان) 2018، بلغ عدد استخدام روسيا حق «الفيتو» لتعطيل قرارات مجلس الأمن بشأن سوريا 12 مرة.

وقد عرقلت روسيا قرارات تتضمن ما هو مرتبط بفرض عقوبات على نظام الأسد لاستخدامه الأسلحة الكيماوية، وقرارات تطالب بتقديم الأسد لمحكمة جنائية دولية، وأخرى مرتبطة بفرض هدنات لوقف القتال، وهذا خط زمني لثمانية من أبرز المرات التي استخدمت فيها روسيا حق الفيتو بشأن سوريا.

قرارات انفرادية روسية تتضمن أوراقًا ثبوتية بختم روسي!

أدى الدعم الروسي العسكري والسياسي الكبير لنظام الأسد إلى شعور روسيا بمزيد من القوة والسيطرة على الأراضي السورية، يمكن اختصاره بمعنى أنه «لولا روسيا لما بقي نظام الأسد» وهو شعور ترجمته روسيا بإجراءات انفرادية وذاتية على أرض الواقع السوري دون الحاجة لتنسيق مسبق مع دمشق.

وفي مثال قريب على ذلك، فقد تفاوضت موسكو مع مسلحي الغوطة الشرقية مباشرةً وتوصلت إلى اتفاقيات وضمانات للانسحاب، دون الرجوع للنظام السوري، وقد لفت مقال للكاتب الصحافي الروسي يفغيني كروتيكوف لصحيفة «فزغيلاد» الروسية، أعاد نشره موقع «روسيا اليوم» الرسمي، لتلك القرارات الانفرادية الروسية، بالإشارة إلى أن بعض المناطق المحررة تديرها الشرطة الروسية، ولم ترجع إلى سلطة دمشق؛ لعدم ثقة المدنيين السوريين في المناطق المحررة من انتقام النظام وشبيحته.

ويفتخر الرئيس الروسي فلاديمر بوتين باختيار مسلمين سنة روس في تلك الوحدات العسكرية الروسية؛ «حتى يكونوا قادرين على التفاهم مع السكان، ويحترمون واجبهم لجهة عدم القيام بأي نشاط يستفز مشاعر الغالبية السكانية في المناطق المحررة».

وامتد الأمر لحصول مدنيين من منطقة في حلب على سبيل المثال على أوراق ثبوتية شخصية مختومة من القوات الروسية، وهي أوراق تمكن بعض المدنيين من الحصول على مساعدات بموجب الوثائق الروسية من خلال المناطق المحررة والمحاطة بوحدات عسكرية روسية، وقد حذرت الصحيفة الروسية من أن ذلك النوع من الإدارة الذاتية الروسية وما يُصاحبها من «بعض التساهل» يُثير غضب أجهزة الأمن السورية.

روسيا تتراجع عن مد الأسد بمنظومة صواريخ «إس – 300»

في 14 أبريل الماضي تعرضت مواقع سورية لضربات عسكرية غربية أمريكية بريطانية فرنسية، بعد استخدام الأسد أسلحة كيماوية في هجمات ضد المدنيين، وهي ضربة أثارت غضبًا «مُعلنًا» لروسيا؛ دفعت وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى القول حينها: «إن الضربات أعفت روسيا من أي التزام أخلاقي يمنعها من تسليم الصواريخ»، في إشارة إلى منظومة صواريخ «إس- 300»، التي من شأنها تصعيب أية غارات جوية غير مرغوب فيها على سوريا.

منظومة صواريخ إس-300 الروسية

ولكن الموقف الروسي يبدو أنه تغير بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو، مع توتر العلاقات بين إسرائيل وحلفاء الأسد من قوات إيرانية وشيعية كحزب الله، وظهر ذلك التغير بتراجع روسيا عن إمداد سوريا بصواريخ «إس- 300»، بحسب ما أفاد فلاديمير كوجين، مساعد الرئيس الروسي في ملف المساعدات العسكرية الروسية للدول الأخرى. الذي قال: إن روسيا لا تجري محادثات مع دمشق بشأن إمدادها بتلك الصواريخ، وقال في تصريحات صحافية تعود ليوم الجمعة الموافق 11 مايو (أيار) 2018: «نحن لا نتحدث عن أية عمليات تسليم لأنظمة دفاع جوي حديثة».

وقد أرجعت تقارير صحافية ذلك التغير إلى ضغوط مارسها نتنياهو على موسكو حتى لا تتخذ ذلك القرار، لتشن إسرائيل بأريحية هجمات ضد قواعد إيرانية في سوريا في اليوم التالي لتصريحات كوجين، أسفرت عن مقتل 11 إيرانيًا، وسط صمت روسي يؤكد على ما يبدو تلك الضغوط الإسرائيلية، ويُظهر عدم استعداد موسكو للوقوف ضد إسرائيل مع حليف إقليمي «مؤقت» يتمثل في إيران، على حد وصف صحيفة «فايني آبازريني» الروسية.

ومما يدعم إمكانية التراجع الروسي عن تقديم الصواريخ لسوريا أو تأجيل ذلك الأمر، هو تأثر موسكو مسبقًا بـ«لوبي إسرائيلي» دفعها سلفًا لإلغاء صفقة لشراء إيران لنفس منظومة الصواريخ عقدتها في 2007؛ لتتخلى موسكو عنها في 2010، بحسب ما أفاد الفريق أول ليونيد إيفاشوف، المدير السابق للمديرية المركزية للتعاون العسكري الدولي بوزارة الدفاع الروسية.