شهدت العلاقات بين المغرب والسويد منذ أيام توترات دبلوماسية حادة بسبب قضية الصحراء ولا زالت تداعياتها مستمرة حتى الساعة، الأخيرة التي يعتبرها المغرب قضية قومية حساسة، تتمحور حولها سياساته الخارجية بكل مظاهرها.

السويد كانت تنوي الاعتراف بالبوليساريو

وجاء غضب المغرب الفجائي تجاه السويد، بعد توصله إلى نية الدولة الاسكندنافية الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، ما دفعه إلى شن حملة دبلوماسية وإعلامية بهدف ثني ستوكهولم عن قرارها.

وكانت الحكومة الاشتراكية السويدية قد كلفت الدبلوماسي فردريك فلورن مسؤولا عن تحرير تقرير سياسي حول ملف الصحراء، حيث قام بجولة في كل من المغرب ومخيمات تندوف والجزائر، التقى خلالها مجموعة من الفعاليات السياسية والثقافية المختلفة.

وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم مع السفير المكلف بالتقرير حول الصحراء فدريك فلورن

 

ووفق تصريح وزيرة الخارجية مارغوت فالستروم أنه اعتمادا على هذا التقرير الذي أنجزه مبعوثها الخاص في المنطقة فريديريك فلورن، سيتم اتخاذ الخطوات الدبلوماسية بخصوص قضية الصحراء، سواء على مستوى سياستها الخارجية أو داخل أروقة مجلس الأمن.

وكان من تداعيات هذ التقرير أن قدم نواب الحزب الحاكم باستوكهولم إلى الحكومة بمقترح يوم 3 سبتمبر يرمي إلى الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وما يعني ذلك من تمثيل دبلوماسي لجبهة البوليساريو على أراضيهم.

يتهم التقرير الذي أعده المبعوث الخاص للسويد في المنطقة المغرب “بالقوة الاستعمارية”، كما يتضمن عبارات مقلقة أخرى في حق المغرب، مضيفا التقرير أنه “أمام هذه الوضعية الخطيرة فان اعتراف السويد بالجمهورية الصحراوية يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى وسيشكل ضغطًا على المغرب، كونها أول دولة أوروبية تعترف بالنضال السلمي الذي يخوضه الشعب الصحراوي منذ أربعة عقود” على حد تعبير وثيقة مبعوث السويد الخاص بهذا الشأن. وهو الأمر الذي قاد الرباط إلى تصعيد دبلوماسي في وجه ستوكهولم بسبب ما يعتبره تحرك سياسي خطير يقوض وحدته الترابية.

وتعتبر السويد أول بلد أوروبي يعترف بدولة فلسطين رغم الضغوطات الأمريكية والإسرائلية، وهي تضع قضية الصحراء والقضية الفلسطينية في خانة واحدة تحت بند تصفية الاستعمار، ولعل هذا الأمر أكثر ما يقلق المغرب ويرفضه باعتبار أن هناك فرق شاسع بين القضيتين.

رد المغرب على التحركات السياسية السويدية

دفع التحرك الدبلوماسي السويدي نحو الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” المغرب إلى استنفار سياسي وشعبي لصده، كما صاحب ذلك قيام حملة إعلامية من قبل وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، لإظهار معارضة هذ التحرك.

ومن بين الإجراءات التي اتخذها المغرب في مواجهة ما يعتبره تحرشات بوحدته الترابية من قبل السويد، تجميد نشاط مجموعة “ايكيا” أول مركز استثماري سويدي بالمغرب، وإرسال بعثة حزبية دبلوماسية إلى ستوكهولم لشرح الموقف الرسمي حول القضية لدى المسؤولين هناك.

وقد استعانت الدولة المغربية بالأحزاب اليسارية لإقناع السويد، التي تقودها التيارات اليسارية منذ عقود كالشأن لدى معظم البلدان الأوروبية، بـ”ضرورة التراجع عن خطواتها السياسية التي تهدد استقرار مستقبل المنطقة”.

 

وكشفت نبيلة منيب رئيسة الوفد المغربي التقدمي الذي زار ستوكهولم في ندوة صحفية، أطلعت الرأي العام خلالها بحصيلة لقاءاتها بمسؤولين حكوميين من الداخلية والخارجية وبعض صناع الرأي العام من مراكز التفكير الإستراتيجي في السويد، عن مدى تغلغل جبهة البوليساريو في المجتمع السويدي وجمعياته ومدى الغياب المهول للدبلوماسية المغربية، مضيفة “أنه تم التركيز على شرح للمسؤولين السويديين الاختلاف بين قضية فلسطين والصحراء وأن هذه الأخيرة هي قضية شعب”.

كما شهدت الرباط مظاهرات شعبية احتجاجًا على المواقف الرسمية للسويد تجاه قضية الصحراء، وتكرر الأمر يوم أمس باستكهولم حيث قامت الجالية المغربية هناك باحتجاجات تطالب البلد الذي يحتضنهم بالرجوع عن خطواته السياسية التي تصب في صالح البولساريو.

وبالفعل قد أثمرت المجهودات الدبلوماسية والشعبية التي قام بها المغرب في مواجهة التحركات الدبلوماسية للسويد نحو الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” عن تراجع الأخيرة عن قرارها، وتأكيد الوزارة الخارجية السويدية بكون ليس هناك أي قرار رسمي يماثل ذلك في الوقت الراهن.

تقصير الدبلوماسية المغربية سبب تراجع قضيتها الوطنية بأوروبا

يتهم البعض الدبلوماسية المغربية بأدائها الهزيل في إقناع الدول الأوروبية، الإسكندنافية منها خصوصا، بعدالة مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب لحل قضية الصحراء، بعكس البوليساريو التي أصبح خطابها القائم على “تقرير المصير” يؤثر في العديد من الأحزاب الأوروبية بإسبانيا والسويد والدانمارك وفلندا وغيرها.

ويقول مراقبون بأنه ما كانت السويد لتصل إلى هذا المسار الدبلوماسي الذي ينحو نحو كفة البوليساريو لو قام المغرب بتحركاته هذه منذ 2012 حينما اعترف البرلمان السويدي بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”.

بالإضافة إلى التقصير الدبلوماسي المغربي بخصوص قضية الصحراء، يعتبر حقوقيون أن بعض التجاوزات الحقوقية والديموقراطية وانتشار الفساد داخل المغرب، كل ذلك يقدم صورة سلبية للدول الإسكندنافية التي تعتبر نفسها ممثلة لضمير العالم، ناهيك عن إرادة مجموعة من الأطراف السياسية والمدنية الداخلية والخارجية بالمغرب استمرار هذا النزاع الذي طال أمده لما يدر عليهم من امتيازات كبيرة.

يعتبر البعض أن قرار إغلاق إيكيا السويدية بالمغرب لم يكن قرارًا حكيمًا

 

كما يحمل البعض المسؤولية لكثير من المواطنين المغاربة الذين يهاجرون إلى السويد بطريقة غير قانونية، ويتذرعون بكونهم من “ساكنة صحراء المغرب المضهطدين” لقبول إقامتهم بالسويد كلاجئين يحتاجون للحماية. وكانت قناتا “TV1″ و”SVT” الوطنيتين بالسويد رصدت فيه أحوال المشردين المغاربة في شوارع السويد، ما جعل الأخيرة تتهم السفارة المغربية بالتهرب من تحمل مسؤولياتها بتوثيق هوية مواطني بلدهم للنظر في طلبات لجوئهم، وهو الأمر الذي نفاه المغرب لعدم وجود أي وثائق لأولئك المشردين تثبت كونهم مغاربة.

وعلى الرغم من تراجع السويد عن قرارها بالاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” بعد التصعيد المغربي، فيبدو أنها تنهج نفس الطريق الذي اعتمدته للاعتراف بفلسطين، وذلك عبر مراحل متدرجة تمنح الصفة الدبلوماسية لمؤيدي جبهة البوليساريو.

يجدر بالذكر في الختام أن قضية الصحراء بالمغرب تعتبر أقدم نزاع على الإطلاق في إفريقيا، حيث يقدم المغرب مقترح الحكم الذاتي لحل النزاع بينما البوليساريو وحليفتها الجزائر تنادي بحق “تقرير المصير”، ولازالت المساعي الأممية في هذا الشأن متعثرة، وقد سببت هذه المشكلة السياسية للمغرب إهدار الكثير من الأموال وتفويت الكثير من الاستثمارات والمكتسبات الديموقراطية والحقوقية في سبيل الحفاظ على الصحراء، وهو ما جعل الكثير من القطاعات السياسية والمدنية تنادي بالتحرك العاجل لحل هذا النزاع العالق بشكل نهائي، لتوفير المناخ الملائم لانطلاق مسيرة التنمية والديموقراطية بشكل أفضل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد