رفض الكونجرس الأمريكي، أمس الأربعاء، فيتو الرئيس باراك أوباما بشأن قانون (جاستا) «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، والذي يسمح لأهالي ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بمقاضاة السعودية ومسؤوليها. ويعد قرار الكونجرس «سابقة خطيرة» وله أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية على أمريكا والسعودية.

ماهية الحدث.. خلفياته ومعناه

كان الكونجرس الأمريكي قد أقر قانون «جاستا» في وقت سابق، ولكن أوباما نقض القانون باستخدام حق الفيتو، يوم الجمعة الماضية في 23 سبتمبر (أيلول) الجاري، ويستلزم تعطيل الفيتو الرئاسي في القانون الأمريكي، موافقة أغلبية الثلثين في الكونجرس بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) على تعطيل الفيتو.

وصوّت الكونجرس الأمريكي على تعطيل فيتو أوباما الخاص بقانون «جاستا»، أمس الأربعاء، ووافق مجلس الشيوخ بإجماع شبه كامل على تعطيل الفيتو، بتأييد 97 سيناتورًا ورفض سيناتور واحد، ثم جاء الدور على مجلس النواب الذي وافق بأغلبية كبيرة على تعطيل الفيتو الرئاسي، بتأييد 348 نائبًا، ورفض 76، وبعد تأييد الكونجرس الأمريكي تعطيل الفيتو بأغلبية الثلثين، يُصبح قانون «جاستا» ساريًا.

 

وبإقرار تشريع جاستا الجديد، يُعدل القانون الجنائي الفيدرالي لـ«يُقلص نطاق حصانة الدول أو الأشخاص الأجانب بالإذن للمحاكم الأمريكية، بنظر قضايا ضد دولة أجنبية في أحداث إرهابية»، مما يسمح بـ«رفع قضايا مدنية ضد دولة أجنبية أو مسؤول أجنبي، لطلب تعويضات عن إصابات أو موت أو أضرار ناجمة عن عمل من أعمال الإرهاب الدولي».

وبذلك يتُيح القانون الجديد لأهالي ضحايا 11 سبتمبر (أيلول) 2001، على سبيل المثال، بمقاضاة مسؤولين سعوديين أمام القضاء الأمريكي, في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، شهدت أمريكا أسوأ حادثة قتل جماعي ضد المدنيين، إذ قُتل نحو ثلاثة آلاف شخص بعد انفجار طائرتين ببرجي التجارة العالمية بنيويورك، وأخرى بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، في عملية تبناها تنظيم القاعدة.

ولم تُظهر نتائج التحقيقات الأمريكية الرسمية أي تورط لمسؤولين سعوديين فيها، ولكن 15 شخصًا من أصل 19 نفذوا العملية كانوا سعوديين، وهو ما يُثير المخاوف السعودية بشأن مقاضاة أهالي الضحايا لهم، بعد إقرار القانون الجديد، مخاوف تزداد جديتها بعد أشهر قليلة من الإفراج عن تقرير أصدره الكونجرس في 2002، وظل سِريًا حتى يوليو (تموز) الماضي، يتكون من 28 صفحة ويكشف علاقات محتملة بين مسؤولين سعوديين ومنفذي هجمات 11 سبتمبر(أيلول) 2001.

اقرأ أيضًا: قصة الـ28 صفحة: 4 أسئلة تشرح لك تجدد الخلاف السعودي الأمريكي بسبب أحداث 11 سبتمبر

موقف الإدارة الأمريكية «الأكثر إحراجًا»

توالت ردود الأفعال الغاضبة من الإدارة الأمريكية على قرار الكونجرس الأخير، وفي أول رد فعل للرئيس الأمريكي، قال أوباما إن المشرعين ارتكبوا «خطأ» ، واصفًا رفضهم للفيتو بـ«السابقة الخطيرة» ، واعتبر القرار «مُسيسًا يتجاهل عواقب وخيمة» من إصدار القانون، وتجدر الإشارة إلى أن هذا أول فيتو يعترض عليه الكونجرس، بعد عدم اعتراضه على تسعة قرارات بالفيتو استخدمهم أوباما منذ وصوله إلى الحكم.

وأوضح أوباما، أن القانون قد «يعرض الشركات والمسؤولين والقوات الأمريكية إلى دعاوى قضائية محتملة خارج البلاد»، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن «هذا القانون غير موجّه لدولة بعينها، وإنما يفتح الباب أمام خصومات مع دول عدة، من بينها حلفاء تاريخيون للولايات المتحدة» .

 

وجاء رد فعل أوباما متسقًا مع أسباب نقضه للقانون يوم الجمعة الماضية، عندما لفت إلى أن إقرار القانون قد يمكن دولًا أخرى من مقاضاة دبلوماسيين أو عسكريين أو شركات أمريكية، بسبب أعمال منظمات تلقّت دعمًا أو تجهيزات أو تدريبًا من أمريكا. وأشار آنذاك إلى «أن هذا القانون سيخلّ بالمبادئ الدولية المعمول بها منذ عقود، بشأن الحصانة السيادية، وقد يثير تعقيدات حتى مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة».

وفي سياق متصل، انتقد جوش إرنست-المتحدث باسم البيت الأبيض- نتيجة التصويت، واصفًا إياه بـ«الفعل الأكثر إحراجًا من مجلس الشيوخ ربما منذ عام 1983»، في إشارة لنقض المجلس لفيتو رئاسي آخر آنذاك قبل أكثر من عقدين.

وفي وقت سابق من يوم الأربعاء، أكد جون برينان -مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، إقرار القانون سيكون له «عواقب وخيمة» على الأمن القومي الأمريكي. مُوضحًا «إن أخطر العواقب وأكثرها ضررًا سيتعرض لها أولئك المسؤولون الحكوميون الأمريكيون الذين يعملون في الخارج نيابة عن بلادنا»، وأضاف «إن مبدأ الحصانة السيادية مبدأ يحمي المسؤولين الأمريكيين كل يوم، وهو مبدأ مبني على التبادلية، إذا تخلينا عن تطبيق هذا المعيار بالنسبة للدول الأخرى، فسنعرض مسؤولي بلدنا إلى مخاطر».

اقرأ أيضًا: «أوباما» في مواجهة الكونغرس: ملفات أثارت الخلاف

موقف السعودية من قانون «جاستا» وخياراتها للرد على إقراره

بعد تعطيل الكونجرس فيتو أوباما بشأن قانون جاستا، تراجع الريال السعودي في تعاملات اليوم أمام الدولار الأمريكي، فيما يبدو أنه هبوطًا له علاق بتصويت الكونجرس، ومنذ طرح ذلك القانون من الكونجرس وبدء الحديث عنه، والسعودية تعارضه بشدة.

وحذر عادل الجبير -وزير الخارجية السعودي- مرارًا وتكرارًا من تمرير هذا القانون، وقال في تصريحات صحافية سابقة، إن إقرار القانون وتعطيل الكونجرس لـفيتو أوباما «سيضر بالعلاقات طويلة الأمد بين واشنطن والرياض»، وأضاف «إن أعضاء الكونغرس الأمريكي يسيرون في اتجاه تحويل عالم القانون الدولي إلى قانون الغاب»، وتأتي تلك التصريحات لتوضح أكثر ما قد يكون قصده أوباما، بأن إقرار القانون «يفتح الباب أمام خصومات تاريخية للولايات المتحدة» .

وتعدى الرفض السعودي للقانون، مرحلة انتقاده، ووصل إلى تهديدات سعودية بسحب استثمارات المملكة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو تهديد يزداد خطورته، عند الإشارة إلى ما كشفته وزارة الخزانة الأمريكية ، في 15 مايو (أيار) الماضي، لأول مرة بحسب وكالة بلومبرج، بأن حجم الاستثمارات السعودية في أذون وسندات الخزانة الأمريكية، بلغ 116.8 مليار دولار بنهاية شهر مارس(آذار) 2016، وهو مبلغ جعل من السعودية الدولة رقم 13 من حيث أكبر الدول الأجنبية التي تمتلك أصول سندات بالخزانة الأمريكية.

 

«السعودية ستجد نفسها مضطرة لبيع سندات خزانة وأصول أخرى بالولايات المتحدة قيمتها 750 مليار دولار، خشية أن تتعرض للتجميد بأوامر قضائية أمريكية إذا ما أقر الكونجرس قانون جاستا»، هكذا أبلغ الجبير مشرعين بالكونجرس الأمريكي في مارس (آذار)، وفقًا لما نقلته صحيفة نيو يورك تايمز الأمريكية في أبريل (نيسان) الماضي وفي السياق ذاته، قدّر جوزيف جانيون -الباحث في معهد باترسون للاقتصاديات الدولية- حجم الأصول الرسمية السعودية في الولايات المتحدة بين 500 مليار دولار وتريليون دولار.

وأفاد تقرير لوكالة أسوشتد برس الأمريكية، بأن السعودية تمتلك العديد من الوسائل للرد على إقرار قانون جاستا من بينها «تجميد الاتصالات الرسمية وسحب مليارات الدولارات من الاقتصاد الأمريكي، وإقناع حلفائها في مجلس التعاون الخليجي بتقليص تعاونهم مع أمريكا، في مجالات مكافحة الإرهاب، والتعاون الاقتصادي، والاستثمار، والسماح للقوات المسلحة الأمريكية باستخدام قواعد المنطقة العسكرية».

ولفت التقرير إلى أن المملكة أظهرت «خبرة» في التعامل مع تلك المواقف، في الإشارة إلى حملة استهدفت السعودية من الخارجية السويدية العام الماضي، التي انتقدت وضع حقوق الإنسان بالمملكة، ولكن استكهولم تراجعت عنها في النهاية؛ نتيجة تهديد دول مجلس التعاون الخليجي بعقوبات اقتصادية تهدد الاستثمارات السويدية بالخليج.

ولم يصدر رد فعل رسمي فوري من الخارجية السعودية على إقرار قانون «جاستا»، في الوقت الذي علّقت الخارجية البحرينية بعبارات شديدة اللهجة، عندما قال خالد بن أحمد -وزير الخارجية البحريني- في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، «#قانون_جاستا ، سهم أطلقه الكونغرس الأمريكي على بلاده .. أليس منكم رجل رشيد؟».

المعاملة بالمثل تُخيف الإدارة الأمريكية

تُضاف إلى التهديدات السعودية والخليجية الاقتصادية والأمنية والسياسية المحتملة على أمريكا، نتيجة إقرار الكونجرس لقانون «جاستا»، تهديدات قانونية وسياسية وأمنية أخرى قد تأتيها من عشرات الدول في العالم، وليست من السعودية أو دول مجلس التعاون الخليجي فقط، إذا ما فُتح المجال للمعاملة بالمثل، وتقليص الحصانة السيادية للمسؤولين الأمريكيين، وهو ما يعرض العسكريين والمسؤولين الأمريكيين عمومًا، والعاملين بالخارج خصوصًا، للخطر الشديد، وهو ما أكد عليه أوباما ومدير السي آي إيه، في معرض انتقادهما لقرار الكونجرس.

ولمزيد من التوضيح في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى ما يسمى ببرنامج «التدريب المتبادل المشترك JCET» ، الذي تقدمه القوات الخاصة الأمريكية للقوات المحلية في عشرات البلدان بالعالم، ووفقًا لتقرير لموقع ذا إنترسبت الأمريكي نُشر العام الماضي، فإن القوات الخاصة في الولايات المتحدة دربت قرابة 25.000 عسكري من القوات الأجنبية في 77 دولة حليفة في إطار برنامج «التدريب المتبادل المشترك JCET » في عامي 2012 و 2013 فقط.

مصدر الصورة: (موقع ذا انترسبت).

وذكر الموقع أرقامًا أكثر تفصيلًا في الفترة من 2012 وحتى 2016 تفيد بأن: عام 2012 قُدم 170 برنامجًا تدريبيًا في 67 دولة، وفي 2013 قُدم 154 برنامجًا تدريبيًا في63 دولة، وفي 2014 قُدم 176 برنامجًا تدريبيًا في67 دولة، وفي عام 2015 سيكون قد قُدم حوالي 174 برنامجًا تدريبيًا في قرابة 65 دولة، ومع نهاية العام الحالي سيكون قدم قُدم حوالي 180 برنامجًا تدريبيًا في قرابة 68 دولة.

وبالعودة إلى الوراء قليلًا فتشير تقديرات، إلى أن انتشار قوات العمليات الخاصة حول العالم أخذ في الانتشار منذ 11 سبتمبر عام 2001، وكثرت العمليات الخاصة من حيث العدد والميزانية المدفوعة من أجلها.

ومن أهم ما كشفه تقرير الموقع أيضًا ارتكاب القوات المحلية التي تدربت على يد قوات خاصة أمريكية، انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء أو بعد فترة التدريب، وهو ما يفتح المجال بعد إقرار القانون الجديد، وتعامل بعض الدول بالمثل فيما يخص مقاضاة أهالي ضحايا تلك الانتهاكات للمسؤولين الأمريكيين بالداخل والخارج، لتتضح بشكل أكبر المخاوف الأمريكية بشأن «المخاطر» التي قد يعاني منها المسؤولون الأمريكيون بعد إقرار قانون «جاستا».

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن حروب أمريكا «السرية» في عشرات الدول في العالم؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد