تتزايد أعداد الأعمال الفنية والسينمائية التي تتحدث عن تلك الـ«روبوتات» التي تملك وعيًا كاملًا مثل البشر، وتتصرف بإرادة مستقلة، والمتفائلون من صناع هذه الأفلام يرون أنه حال حدوث ذلك ستمثل الروبوتات إضافة مفيدة للبشر وستجعل مستقبل الإنسانية أفضل، بينما المتشائمون يرون أنها تمثل خطرًا حقيقيًّا على البشرية، بل ربما تتسبب في فنائنا أو استعبادنا.

في هوليوود شاهدنا الكثير من الأفلام حول هذا الأمر، وبالنسبة للنموذج المتشائم كانت هناك ثلاثية «The Matrix» الشهيرة التي تحول فيها البشر لعبيد لإنتاج الطاقة للآلات التي هيمنت على الكوكب، وفي سلسلة أفلام «The Terminator»، شاهدنا تلك الحرب التي لا تتوقف بين الآلات ذات الوعي المستقل والبشر حتى كادت البشرية تفنى.

وفي الجانب المقابل، كانت هناك أفلام تقدم هذه الروبوتات الواعية بشكل جيد، أو ربما تكون حتى هي ضحية البشر، مثل فيلم «Artificial Intelligence» وفيلم «I, Robot»، وفيلم «Bicentennial man» وغيرها.

نحن نعرف أن كل هذه وجهات نظر تمثل فقط إبداعات في الخيال العلمي لا أكثر، لكن السؤال: هل بالفعل يمكن أن يصل البشر إلى تصنيع روبوت ما يكون عنده الوعي الكامل مثل البشر، ليتحرك ويفعل «ما يشاء» دون رقابة أو هيمنة من البشر؟ نحن لا نتحدث عن ذكاء اصطناعي، لأنه محكوم بمدخلات منحها له البشر ويعمل على أساسها، لكننا نتحدث عن وعي مستقل وإرادة حرة.

يظن البعض أن الروبوت الواعي هو التقدم المتوقع للتكنولوجيا في المستقبل، إلا أن آخرين يرون أن هذا مستحيل، ليس بسبب قناعاتهم الدينية، لكن بسبب عدم معرفة الإنسان حتى اليوم لماهية الوعي بالضبط.

ما هو الوعي؟

كما ذكرنا، فالخلاف حول ما إذا كان بإمكان الآلات أن تكون واعية في وقت ما، ليس فقط جدالًا فلسفيًّا أو دينيًّا، لكنه خلاف علمي أيضًا، يتعلق بكيفية رؤية العلماء للوعي وتعريفهم له، فببساطة حتى الآن لم يستطع الإنسان تحديد مفهوم «الوعي» بشكل قاطع، إذ إنه لا يزال إحدى تلك المناطق الغامضة في البشر، فموضوع «الوعي» أحد أكثر الموضوعات إثارة للجدل في المجتمع العلمي والفلسفي على حد سواء.

ما زلت تسأل عن الإجابة، أليس كذلك؟ الإجابة المختصرة لهذا السؤال ليست مرضية للغاية، فلا يزال العلماء والفلاسفة غير قادرين على الاتفاق على فكرة واضحة عن الوعي، فما بالك بإيجاد تعريف صارم وحاسم له، وأحد أسباب ذلك هو أن مفهوم الوعي يستخدم للإشارة إلى أشياء مختلفة قليلًا، لكن العديد من الخبراء يتفقون على أمر واحد، وهو أن الكائنات الواعية تدرك محيطها وأنفسها وتملك إدراكها الخاص بالأشياء من حولها.

يشير الوعي إلى ذاك الإدراك الفردي لأفكارك وذكرياتك ومشاعرك وأحاسيسك وبيئتك الفريدة. في الأساس، وعيك هو إدراكك بنفسك والعالم من حولك، وهذا الوعي شخصي وفريد لك، وبكلمات بسيطة، إذا كنت تستطيع وصف شيء ما تواجهه بالكلمات، فهذا يعني أن ذلك الشيء جزء من وعيك.

كما أن تجاربك الواعية تتغير باستمرار، وعلى سبيل المثال، قد تركز في لحظة ما على قراءة هذا التقرير، ثم قد يتحول وعيك بعد ذلك إلى ذكرى محادثة أجريتها في الصباح مع زميل في العمل، وبعد ذلك، قد تلاحظ مدى عدم ارتياحك في كرسيك الذي تجلس عليه، أو ربما تخطط للخروج لتناول العشاء، وكل هذه الأمور تشكل جزءًا من وعيك.

هل يمكننا صناعة روبوت واعٍ؟

حسنًا، إجابة هذا السؤال تعتمد على وجهة نظرك في كيفية رؤيتك وتعريفك للوعي. فإذا كان الشعور الذاتي بالوعي هو عبارة عن إدراك أو شعور تخلقه مجموعة من العمليات التي تحدث في الدماغ، فإن الآلات التي تكرر مثل هذه العمليات ستكون واعية بالطريقة التي نحن عليها.

كيف نعرف هذا؟ ربما يكون «اختبار تورينج» كافيًا لتأكيد هذا الأمر إذا أجريناه على هذا الروبوت بالشكل المناسب حسب نوعية الروبوت، واختبار تورينج هو عبارة عن اختبار ابتكره العالم آلان تورنج عام 1950، لاختبار قدرة الآلة على إظهار سلوك ذكي مكافئ لا يمكن تمييزه عن سلوك البشر.

يعتقد بعض الباحثين أنه بإمكاننا اتباع نهج يتمثل في اتباع فرضية تقول إن الوعي هو النموذج المبسط لعمل الدماغ، أي إن الوعي هو تمثيل لكيفية رؤية الدماغ للأشياء، ومن ثم، يمكننا بناء آلة تمتلك نموذجًا ذاتي الانعكاس، أي نبني آلة يمكنها بطريقة ما أن ترى ما في داخلها، فعندئذ سنعرف أن هذه آلة يمكنها أن تصف ذاتها الداخلية، فهي آلة تفكر وتعتقد أن لديها وعيًا، وذلك لأن لديها فهم وآلية معالجة واضحة للمعلومات.

بكلمات بسيطة، هذا يعني – من وجهة نظر هؤلاء الباحثين – أن الوعي يوجد في كل آلة تملك برنامج معالجة معلومات، وهؤلاء الباحثون يواصلون الإصرار على أن محاكاة عمل الأعصاب والخلايا العصبية وربطها بأجهزة الكمبيوتر هي الطريق الأفضل للوصول إلى آلة بوعي كامل.

لا توجد آلات واعية

في المقابل، يرى باحثون آخرون عكس ذلك، أنه لا يمكن تصنيع آلة بوعي كامل، والسبب يعود إلى أنه لا يزال من غير المعروف ما إذا كان الوعي مستقلًّا عما يسمى الركيزة، واستقلال الركيزة هنا هو مصطلح يستخدم وصفًا للعقل البشري، والذي يشير إلى أن العقل يعمل من خلال  عملية ديناميكية متكاملة لا تتعلق بخلاياه المادية نفسها، أو بكلمات أخرى، فإن عمل العقل البشري لا يرتبط بالخلايا الموجودة، فخلايا الدماغ يمكن أن تتبدل دون أن تؤثر في عمل الدماغ ووظائفه، ومن ثم، يوصف الدماغ البشري بأنه عملية وليس كيانًا ماديًّا.

من هنا، فإن تحديد ما إذا كانت آلة ما واعية يتطلب النظر إلى ما تقوم به ككل؛ إذ إنه من الممكن أن تحتوي هذه الآلة على التركيبات الخلوية نفسها المشابهة لخلايا الدماغ، لكنها في النهاية لا تستطيع الوصول إلى تلك العملية المتكاملة التي يقوم بها الدماغ. هذا مهم لنقول إذا ما كانت الآلة واعية أم لا.

بكلمات أخرى، فإنه بحكم تعريف الوعي بأنه عملية ديناميكية تحدث في الدماغ ولا ترتبط بالذرات المادية، فإننا لا نستطيع فهم هذا النظام المتكامل لعمليات الوعي في الدماغ عبر النظر إلى أجزائه، وهذا الأمر معاكس للآلات، التي تتكون من مكونات يمكن تحليلها إلى أجزاء بشكل مستقل، وفهم هذه الأنظمة الجزئية المفككة، ففهم وظائف الدماغ بشكل صحيح لا يعني أنك فهمت الوظيفة الكاملة للدماغ.

حتى نبسط وجهة النظر هذه، فإن الحديث هنا يقول إنه يستحيل تصنيع هذا النموذج للآلات الواعية لأن تركيبها مهما كان، سيكون مشابهًا لدماغ البشر، وليس مطابقًا له، وهو ما يعني استحالة استنساخ العملية الديناميكية نفسها في الدماغ التي تؤدي إلى الوعي، ومن ثم لا يمكن للآلات أن تكون واعية.

الوعي غير مادي

يذهب بعض العلماء أبعد من ذلك. إذ – من وجهة نظرهم – أن شعورنا الذاتي بالوعي هو نتيجة أشياء غير مادية من نوع ما لم نعرفها أو نستوعبها بعد، وأن هذه الأشياء غير المادية لها أهمية بالغة مرتبطة ببعض سلوكياتنا الذكية، وبالنسبة لهؤلاء، فإنه لا يمكن للآلات أن تمتلك هذا الجوهر أبدًا، لذلك لن تكون أبدًا واعية أو ذكية بالطريقة التي نحن عليها.

قد تبدو وجهة النظر هذه غير علمية للبعض، لكن بعض العلماء بالفعل يعتقدون فيها، وهو ما يفتح الباب لفكرة أن كون العلم مبنيًّا فقط على ما يمكن رؤيته وقياسه تبدو غير منطقية عند تطبيقها على كائن حي مكون مما هو أبعد من المادة فقط، فهناك أشياء بالفعل وفق هذه المدرسة في تركيب الإنسان لا يمكننا الحكم عليها من منطلق المادة، أو على الأقل لم يتمكن العلماء بكل تقنياتهم من الكشف عنها وقياسها بشكل مادي واضح.

صحة

منذ شهرين
هل تشعر بالفراغ رغم كل مشاغلك؟ احترس فصحتك العقلية ربما تكون في خطر

ربما هذا هو السبب في فشل العديد من مشروعات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تحاول بناء آلة واعية، فحتى الآن، لم تقترب محاولات بناء أدمغة الحواسيب العملاقة الواعية هذه؛ إذ فشل مشروع أوروبي بمليارات الدولارات بدأ في عام 2013 في ذلك، وتحول مشروع مشابه في الولايات المتحدة من محاولة محاكاة الدماغ البشري إلى مجرد مشروع لتطوير أدوات برمجية جديدة للباحثين لدراسة بيانات الدماغ.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد