تعيش المملكة العربية السعودية، ظرفًا استثنائيًّا، انتقلت خلاله من مقعد المنخرط في حروب الأطراف أو الرعاية، إلى آلة حربية متكاملة تجمع رعاياها في حروبها، وهي المسألة التي لم تمر بها طيلة تاريخ تأسيسها الذي يمتد لمائة عام.

جبهات الحروب التي أقحمت فيها المملكة قوتها العسكرية سواء كانت في اليمن، التي ما تزال مسرحًا مفتوحًا للعمليات العسكرية السعودية، التي لم يكتب لها نهاية، أو الجبهة التي تشتاق المملكة لاقتحامها في سوريا، دفعت الكثيرين لتساؤل عن ما إذا كانت هذه الحروب ستدفع القيادة السياسية للمملكة لجعل التجنيد إجباريًّا على الشباب السعودي.

خبراء سعوديون: التجنيد الإجباري أصبح ضرورة

يقول أنور عشقي، المستشار السابق لمملكة العربية السعودية، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» إن اتجاه المملكة العربية السعودية نحو إقرار التجنيد الإجباري صار ضرورةً، في ظل التحديات الأمنية، وجبهات القتال المفتوحة على المملكة من أكثر من جهة، وبروز دور السعودية في ملفات المنطقة العربية المشتعلة، مؤكدًا أن هذا الأمر يجد قبولًا واسعًا لدى الشباب السعودي.

وأضاف «عشقي» الذي يشغل منصب رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية بمدينة جدة، أن اهتمامات المملكة في المنطقة العربية، انطلاقًا من دورها التي قطعته على نفسها، يدفعها نحو توسيع قدراتها العسكرية، وتدعيم جيشها الوطني بأكبر عدد من الشباب السعودي.

وتابع «عشقي» أن مسألة طرح التجنيد الإجباري تكررت أكثر من مرة على مدار الأعوام الماضية، موضحًا أن تجنيد الشباب في الخدمة العسكرية لمدة عام يساعدهم على إثراء معرفتهم بالعلوم العسكرية، ورفع درجة الانضباط والالتزام لأغلبيتهم، وتأهيلهم تربويًّا في المجتمع.

وكان مفتي السعودية العام، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس هيئة كِبار العلماء، أكبر مؤسسة دينية في المملكة، دعا في خطبة جمعة نهاية عام 2015 إلى «الاستعداد والتسلح الدائم لمقاومة أي شيطان، والتجنيد الإجباري لشبابنا أمر مهم ومطلوب؛ لتكون لنا قوة لا تُغلب، مُدرّبة تدريبًا جيدًا».

وجهة نظر «عشقي» تقابلها وجهة نظر أخرى لرئيس اللجنة الأمنية في مجلس الشورى الدكتور سعود السبيعي، الذي أوضح لجريدة «الحياة» اللندنية أن المملكة العربية السعودية لا تحتاج إلى فرض التجنيد الإجباري على مواطنيها، لأسباب تتعلق من وجهة نظره «بالانسجام الكبير بين المواطنين، والاتفاق في كثير من الأمور، ما يجعله غير ضروري وملزم على أبناء السعودية».

وتضمنت وجهة نظر «السبيعي» التأكيد أن الحروب الحديثة لا تحتاج إلى أعدادٍ كثيرة، وليست بكثرة الجنود، إذ إنها تعتمد على التقنيات الحديثة والأسلحة المتطورة، كالطائرات من دون طيار، إضافة إلى اقتناء الصواريخ والمعدات المتطورة التي تقلب موازين المعادلة على الميدان.

يتفق مع «عشقي» في وجهة نظره، اللواء متقاعد صالح القرزعي، الذي كان ضمن القوات التي ساهمت في تحرير الكويت عام 1991: «تجنيد الشباب السعودي في أفرع القوات المسلحة ضرورة، لأسباب تتعلق بالسياق السياسي والعسكري التي تعيشه المملكة في هذه المرحلة»، موضحًا أن هذا الأمر كان يفترض اتخاذه قبل نحو ربع قرن، خلال فترة احتلال العراق الكويت، وما تطلبه ذلك من قوة عسكرية كبرى.

ويضيف في تصريحات سابقة له، على هامش أحد المؤتمرات البحثية، أن مزايا هذا الأمر هو تقوية الجيش، والقدرة على مقاومة أي اعتداء أو مد خارجي، وزرع الوطنية والشجاعة في نفوس الشباب.

مُدة الخدمة العسكرية المُقترحة: من عام لعامين.. ومكأفاة مالية للمتدرب

ويتضح من الاقتراحات، بشأن مدد التجنيد الإجباري داخل المملكة للملتحقين بالتجنيد، أنها يجب ألا تقل عن سنة وألا تزيد على سنتين، لإتاحة الفرصة للمتدربين لاستخدام المعدات الحربية، مع صرف مكافأة مالية للمتدرب طيلة فترة التحاقه بالخدمة العسكرية.

ويشمل التجنيد الإلزامي، حال تطبيقه، نحو 20 مليون مواطن سعودي، أكثرهم دون الـ30 عامًا، فيما يبلغ عدد سكان المملكة العربية السعودية نحو 30 مليون نسمة.

وشملت التغريدات التي أطلقها مجموعات من الشباب السعودي على «تويتر» انقسامًا بشأن مسألة التجنيد الإجباري، ففيما رحب البعض بالفكرة كتجربة جديدة للشباب السعودي أسوة بشباب الدول المجاورة في الخليج، رأت مجموعات أن الفكرة لا تناسب العصر، إلى جانب أن تطبيقها سيثتني كافة أبناء الأمراء، وما يتبع ذلك من توزيع الجنود داخل المناطق حسب أنساب الشباب السعودي.

واقترحت مجموعة أخرى من الشباب السعودي بدائل عملية لمسألة التجنيد الإجباري، كفتح باب القبول للكليات العسكرية دون وساطة، وتوظيف الشباب في الجيش والحرس الوطني الذي سيكون أفضل من التجنيد، من وجهة نظرهم.

حسب مؤسسة «غلوبال فاير باور»، المؤسسة الأمريكية المتخصصة في الدراسات التحليلية المتعلقة بالقطاعات العسكرية حول العالم، فالجيش السعودي هو الثالث عربيًّا بعد مصر والجزائر، والـ 28 على مستوى العالم.

كما يبلغ تعداد الجيش السعودي 233 ألفًا و500 جندي، منهم 75 ألفًا بالقوات البرية، و13 ألفًا و500 بالقوات البحرية، و20 ألفًا بسلاح الجو. إضافةً إلى قوات الاحتياط العاملة، والتي تقدر بنحو 25 ألف شخص، إضافة إلى 100 ألف عنصر يشكلون الحرس الوطني.

قطر والإمارات.. الاستثناء في دول التعاون الخليجي التي تطبق «التجنيد الإلزامي»

من ضمن دول التعاون الخليجي، التي اتجهت لتطبيق التجنيد الإلزامي، دولتا قطر والإمارات، خلال السنوات الماضية، حيث طبقت قطر نظام التجنيد الإلزامي منذ عام 2013، والذي يلزم كل مواطن قطري أتمّ 18 عامًا بأداء الخدمة العسكرية، وذلك بموجب قانون أصدره أمير الدولة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بشأن الخدمة الوطنية في 11 مارس/ آذار 2013.

وتبعتها الإمارات التي أقرت قانونًا اتحاديًّا للتجنيد الإجباري في السابع من يونيو 2014، لتصبح بهذا ثاني دولة تعتمد التجنيد في تاريخ دول الخليج العربي.

وتشمل مدة الخدمة العسكرية في قطر للمجند الحاصل على الشهادة الثانوية، أو ما يعادلها فأعلى ثلاثة أشهر، بينما تصل في الإمارات لـ9 أشهر. فيما تصل مدة الخدمة لغير الحاصلين على الشهادة إلى سنتين في الإمارات، وأربعة أشهر في قطر، وتسعة أشهر ثابتة للإناث في الإمارات لأي مؤهل.

سجلت قوانين التجنيد القطرية والإماراتية عقوبات شديدة بحق المتخلف عن التجنيد «بدون عذرٍ مشروع»، حيث شملت هذه العقوبات 50.000 ريال/ درهم، إضافة إلى السجن عامًا كاملًا، أو أحدهما.

وتتجه الكويت كذلك لتطبيق التجنيد الإلزامي بعد عامين، وذلك بعد إقراره من جانب مجلس الأمة الكويتي بعدما طرحته الحكومة للمناقشة، مع استثناء العاملين في القطاع الخاص.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد