«يُعدم الناس في بعض الأحيان بسبب قول الحقيقة» *جان دارك

في أواخر عام 1430م، كتب أعضاء هيئة التدريس بجامعة باريس رسالة إلى ملك إنجلترا، الذي كان يسيطر على باريس في ذلك الوقت، يطلبون منه تسليم الفتاة التي ألقى جنوده القبض عليها، من أجل تقديمها إلى محاكمة عادلة أمام الكنيسة. وبعد وقت قصير من كتابة الرسالة، جرت المحاكمة، وصدر الحكم على الفتاة بالإدانة، وحُكم عليها بالإعدام حرقًا، وهو ما حدث بالفعل في صباح يوم 30 مايو (أيار) عام 1431م.

وبعد حرقها وإلقاء رماد جثتها في نهر السين، ظن منتقدوها أنهم بذلك قد محوا سيرتها من التاريخ، لكن اسمها حُفر بحروف من نور في قلوب الفرنسيين وعقولهم منذ ذلك الحين. إنها جان دارك، المزارعة المتواضعة التي قادت شعبها ولعبت دورًا حاسمًا في السنوات الأخيرة من حرب الـ100 عام. تلك الحرب الشعواء التي اشتعلت بين عروش الممالك الفرنسية والإنجليزية، وأكلت الأخضر واليابس في البلدين، وأراقت شلالات الدماء، وأزهقت آلاف الأرواح.

ولكن من رماد الحرب، بُعثت الدولتان في ثوب جديد، وبروح عصر آخر. ينفضان الغبار الذي خلفته فوضى الحروب والنزاعات المتكررة جيلًا بعد جيل، ويخرجان من ظلمات العصور الوسطى، تستقبلهما شمس عصر جديد، عصر النهضة الأوروبية. فكيف حدث ذلك؟ وما قصة هذه الحروب؟ وكيف كان لجان دارك، الفراشة القادمة من حقول فرنسا، أثر لم يزل إلى اليوم؟

صراع العروش.. اللعنة الأزلية

تعد حرب المئة عام، من أطول الحروب تاريخيًّا، والتي وقعت فعليًّا على مدار 116 عامًا، منذ عام 1337 إلى عام 1453. لكن رحاها لم تدُر طوال تلك الفترة، بل تخللتها فترات من السلام والمهادنات. وتعاقب خلال الحرب التي تعد من أبرز نزاعات العصور الوسطى، خمسة ملوك في حكم فرنسا، وخمسة ملوك في حكم بريطانيا، يتنازعون فيما بينهم على الأحقية بكرسي العرش، الذي حلت لعنته على البلاد، وأدخلها في سلسلة من الصراعات على مدى أكثر من قرن.

فى ذلك الوقت، كان الكساد يعم أنحاء أوروبا، ولم تُعرف الدولة المركزية بمعناها المفهوم حاليًا؛ إذ لم يظهر مصطلح الدولة والسيادة سوى بعد ذلك بقرون في معاهدة وستفاليا عام 1648. وكانت أوروبا مقسمة إلى ممالك، تتفاوت في القوة والضعف، وكانت كل مملكة تحاول زيادة مساحة مملكتها على حساب الممالك الأخرى المجاورة لها. وكانت إنجلترا وفرنسا من أقوى وأكبر الممالك في أوروبا، وكانت كل منهما تخضع لحكم أنظمة ملكية.

Embed from Getty Images

وعن الشرارة التي أشعلت تلك الحرب الشعواء، تعددت الأسباب التي منها الصراع المحتدم على العرش الفرنسي عام 1328، عقب وفاة الملك تشارلز الرابع. واستياء ملك إنجلترا إدوارد الثالث، من عدم وفاء ملك فرنسا فيليب السادس بتعهداته بإعادة القسم المأخوذ من منطقة جوين، الذي كان قد استولى عليه تشارلز الرابع. واستمر القتال بين العروش البريطانية والفرنسية؛ من أجل السيطرة على منطقة جوين، والمعروفة حاليًا باسم بوردو، التي كانت مركزًا للشحن، والتجارة، والحبوب، ومنتجات الألبان، والأصباغ، والملح.

بالإضافة إلى رغبة كل من ملك إنجلترا وفرنسا في السيطرة على السوق المزدهرة للمدن الصناعية الغنية مثل بروج، وأنتويرب، ويبرز. إلى جانب السيطرة على الطرق التجارية؛ إذ كانت إنجلترا تعتمد في جزء مهم من اقتصادها على تجارة العنب والنبيذ، وتصدير صوف الغنم من إمارة «الفلاندر»، إحدى تبعات ملك فرنسا التي كانت شبه مستقلة، وكانت سوقًا مهمة للحرير الإنجليزي ومصدرًا للقماش. وقد تدخل ملك فرنسا كثيرًا في شؤونها واحتل العديد من مدنها، ما وضع إنجلترا في مأزق بسبب ضياع أهم سوق مفتوحة للإنجليز.

كذلك، احتد الصراع بين البحارة والصيادين الإنجليز والفرنسيين؛ للسيطرة على القناة الإنجليزية. علاوة على رغبة الملك الإنجليزي إدوارد الثالث في السيطرة على السواحل الفرنسية، ومحاولة الملوك الفرنسيين السيطرة على إقليم جاسكونيا الذي كان يخضع للسيطرة الإنجليزية. ويمكن تلخيص كل تلك الأسباب في سبب واحد، يعد السبب الرئيس لأي حرب، ألا وهو التعطش للسلطة والسيطرة، الذي تدفع الشعوب ثمنه الباهظ لاحقًا.

وعادة ما يقسم المؤرخون تلك الحرب إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: الحرب الإدواردية (1337- 1360)، وحرب كارولين (1369- 1389)، والحرب اللانشاسترية (1415- 1453). ورغم امتلاك الملوك الفرنسيين الأفضلية على المملكة الإنجليزية؛ نتيجة امتلاكهم الموارد المالية والعسكرية الأقوى، وعدد السكان الأكبر في أوروبا الغربية آنذاك، فإن الجيش الإنجليزي استطاع بتنظيمه الكبير، وبراعته في استخدام القوس الطويل الذي اشتهر به، صد هجمات الفرسان الفرنسيين، وتحقيق انتصارات عديدة بحرًا في معركة سلويز عام 1340م، وبرًّا في معركة كريسي عام 1346م.

Embed from Getty Images

ولم تكن معركة كريسي انتصارًا مفاجئًا للإنجليز وحسب، ولكنه كان حاسمًا كذلك؛ إذ تلقت فرنسا هزيمة كارثية رغم تفوقها العددي الكبير. وتمكن إدوارد الثالث ملك إنجلترا من حصار كاليه، وإجبار المدافعين عن المدينة على الاستسلام بعد عام واحد. واستمرت القوات البريطانية في زحفها نحو الأراضي الفرنسية، حيث استطاع الأمير إدوارد ابن الملك إدوارد الثالث، والذي كان يلقب بالأمير الأسود، نظرًا إلى تغلبه على وباء الطاعون الذي انتشر في تلك الفترة بكافة أنحاء بريطانيا، هزيمة القوات الفرنسية في معركة جديدة، معركة بواتييه عام 1356. ومجددًا لعب القوس الإنجليزي الطويل دورًا حاسمًا في نتيجة المعركة التي انتهت بوقوع ملك فرنسا جون الثاني في الأسر.

وفي عام 1360، جرى توقيع معاهدة بريتاني، التي حازت بريطانيا بموجبها عددًا من الأراضي الفرنسية، ونالت فدية كبيرة مقابل إطلاق سراح الملك الفرنسي المأسور. وعقب توقيع المعاهدة، عاش البلدان فترة سلام امتدت منذ عام 1360 وحتى عام 1369م، إلى أن اندلعت الحرب مرة أخرى في عام 1369، حين حاول الأمير إدوارد غزو بعض الأراضي الفرنسية؛ لتبدأ مرحلة جديدة من الحرب انتهت بتوقيع معاهدة جديدة، عرفت باسم معاهدة لولينفين، التي وُقِّعت في عام 1389م، وتضمنت إيقاف الحرب بين الطرفين لمدة ثلاثة أعوام.

قديسة فرنسية وزنديقة إنجليزية.. كيف قلبت جان دارك الموازين لصالح فرنسا؟

«إننا لا نملك سوى حياة واحدة، ونعيشها مثلما نؤمن بعيشها. ولكن أن تضحي بكينونتك وتعيش دون إيمان، فهذا مصير أكثر فظاعة من الموت» *جان دارك

بعد فترة من الهدوء الذي يسبق العاصفة، جدد هنري الخامس ملك إنجلترا الحرب، وحقق انتصارًا حاسمًا في معركة أجينكورت عام 1415، وغزا أجزاء واسعة من فرنسا، ثم حاول أن يتوِّج نفسه ملك فرنسا المستقبلي بموجب معاهدة تروي عام 1420. لكن نجاحاته العسكرية لم تقابلها نجاحات سياسية؛ إذ رفض غالبية الفرنسيين الهيمنة الإنجليزية، ودخلت الحرب مرحلة جديدة أسدلت الستار على سلسلة الانتصارات الإنجليزية، وكشفت النقاب عن فصل جديد تحولت فيها الأحداث تدريجيًّا للصالح الفرنسي، بفضل شجاعة فتاة ريفية تدعى جان دارك.

ولدت جان دارك في دومريميه عام 1412 لعائلة من الفلاحين، وعندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، راودها حلم طلب فيه منها رئيس الملائكة والقديسين إجلاء الإنجليز من البلاد، وإعادة العهد إلى تشارلز السابع من أجل تتويجه ملكًا. وفي الـ16 من عمرها، طلبت من الكونت روبير دو بودريكور قائد الحماية، أن يأذن لها بالذهاب إلى البلاط الملكي في شينو. وهناك، استطاعت جان أن تحوز ثقة الملك ومستشاريه، وذهبت بقوة صغيرة في محاولة لرفع الحصار عن أورليان.

وبعد أيام قليلة من وصولها، نجحت في مهمتها، ورفع الإنجليز الحصار. وكان ذلك واحدًا من أعظم النجاحات التي حققها الجيش الفرنسي خلال الحرب بأكملها. وقد شكَّل ذلك نقطة تحوُّل في مسار الحرب، وكان تأثيره النفسي عظيمًا، بعد مرور سنوات من الهزائم المتتالية، سيطر فيها الإحباط على القيادة العسكرية والمدنية في فرنسا. فارتفعت معنويات الجيش الفرنسي، ونجح الفرنسيون في هزيمة الإنجليز في معركة باتاي في يونيو (حزيران) عام 1429. وأقنعت جان تشارلز السابع بعد ذلك بالذهاب إلى ريمس لتتويجه ملكًا.

Embed from Getty Images

وبعد عدة حملات أخرى، دخلت جان كومبيين عام 1430 لتعزيز دفاعها ضد الملك الإنجليزي فيليب الخير. وخلال إحدى الطلعات، سقطت جان في أيدي البورجونديين الذين سلموها للإنجليز مقابل مبلغ كبير من المال. وسُجنت في روان في مطلع عام 1431، ولُفِّقت لها الاتهامات من أجل إعدامها، ثم أُرسلت قائمة الاتهامات إلى جامعة باريس من أجل فحصها.

صدقت الجامعة على الاتهامات، وحُكم بأن جان كاذبة ومستدعية للأرواح الخبيثة، وأن ادعاءها برؤية رئيس الملائكة والقديسين كاذب، وأن هذه الشخصيات كانت في الواقع شيطانية. ورأت المحكمة أن جان زنديقة، وإذا لم تتب، ستُعاقب بالإعدام حرقًا. وقد أعدمت بالفعل، ولكن هذا الأمر لم يوقف تتالي الانتصارات الفرنسية.

وفي عام 1435، تحالف الملك تشارلز مع البورجونديين، ونجح في السيطرة على منطقة جوين، عدا مدينة بوردو. وبحلول عام 1450، استعادت فرنسا السيطرة على منطقة نورماندي. وفي عام 1453، جاءت معركة كاستيون، التي انتهت بالفوز الفرنسي، وسقوط مدينة بوردو في أيديهم؛ لتسطر آخر فصول حرب الـ100 عام. وخسر الإنجليز على إثرها كل غنائمهم في فرنسا باستثناء مدينة كاليه، التي استعادها الفرنسيون عام 1558. ولم تحاول بريطانيا معاودة الهجوم مجددًا؛ بسبب انشغالها بالحرب الأهلية، الملقبة بحرب الوردتين، والتي كان من أسبابها الخسارة في حرب المئة عام.

وبعد أكثر من 20 عامًا من وفاتها، أسفر التحقيق في محاكمة جان، الذي أمر به الملك تشارلز السابع، عن إلغاء الحكم الصادر ضدها، وأثبتت التحقيقات براءتها وعُدت شهيدة. وفي 1920، أعلن البابا بندكت الخامس عشر جان دارك قديسة. واليوم تُعد واحدة من أبطال فرنسا القوميين، والتي  قادت الجيش الفرنسي خلال فترة حرجة، لم ترفع فيها الحصار عن أورليان وحسب، بل رفعت الروح المعنوية لأمة بأكملها.

ورغم نهايتها المأساوية، فإن تلك المزارعة البسيطة التي قدمت من حقول فرنسا، تركت أثرًا لا يزول. ولم يجعلها واحدة من أكثر الشخصيات شهرة في أواخر العصور الوسطى فقط، بل يرى المؤرخون أن دورها كان أحد العوامل التي مكَّنت فرنسا من الفوز في حرب معقدة، وأن وجودها محاربةً وشخصيةً روحية، أثار بداية صعود فرنسا قوةً أوروبية عظمى.

بزوغ عصر النهضة من رماد حرب المئة عام

«إنه من الأسهل أن تبدأ حربًا أكثر من أن تُنهيها» *جابريل جارسيا ماركيز

مع أن معركة كاستيون كانت آخر معارك الحرب، فإنه لم تحدث تسوية سلمية للنزاع، وظل الفرنسيون مستعدين لهجمات الإنجليز مجددًا. وظلت الأجواء متوترة حتى وضعت معاهدة بيكوجني عام 1475 حدًّا للحرب بينهما، وانتهت حرب المئة عام رسميًّا بتخلي الملك البريطاني عن المطالبة بالعرش الفرنسي.

وقد كانت النتيجة الأكثر وضوحًا لحرب المئة عام، عزم البلدين على تجنب إحياء مثل هذا الصراع المرير. وذلك بعد أن بدد كلا الجانبين قواه البشرية وكامل موارده في الإنفاق على إعداد الجيوش. وسعى الحكام والسكان في كلا البلدين إلى تحويل طاقاتهم إلى مشروعات أخرى، وأخذ البلدان شيئًا فشيئًا يخلعان عباءة العصور الوسطى، ويحيكان ثوبًا جديدًا من خيوط عصر النهضة، والفترة الحديثة المبكرة.

في فرنسا، غطت الحرب البلاد ببؤس لا يُوصف، حيث أُهدرت مساحات الأراضي الزراعية، وتفشت المجاعات والطاعون. وتضرر الاقتصاد نتيجة ذهاب أكبر النفقات إلى الجيش؛ الأمر الذي استدعى فرض الضرائب الباهظة لتمويل الحرب؛ ما أدى إلى اشتعال ثورة الفلاحين. وقد شكَّل هذا التمرد حجر الأساس لقيام الثورة الفرنسية فيما بعد. وعمَّ الذعر المناطق الريفية التي عانت من هجمات اللصوص، وتفاقمت الأوضاع بنشوب الحروب الأهلية، التي زادت الدمار والتفكك الاجتماعي. ولكن الملك لويس العاشر، خليفة تشارلز السابع، استفاد من هذه الوقائع؛ إذ مكَّنه انهيار طبقة النبلاء الإقطاعيين من توحيد فرنسا تحت جناح السلطة الملكية، وسهَّل له التحالف مع الطبقة المتوسطة.

ومن أنقاض الحرب نشأت فرنسا الجديدة، التي بدأت رحلتها إلى الملكية المطلقة التي سادت في القرون اللاحقة. وتحولت فرنسا من عدد من الأراضي الإقطاعية إلى دولة قومية، وسرعان ما بدأ الاقتصاد المتضرر في التعافي، وبرزت فرنسا قوةً مهيمنةً في غرب أوروبا.

وعلى الجانب الآخر، كانت نتائج الحرب حاسمة بالنسبة لإنجلترا، التي خسرت نفوذها على المستوى القارِّي، وسعت لتوسيع نفوذها على المستوى البحري. وأخذت القوة البحرية لإنجلترا تتنامى، وتوسعت في بناء الأساطيل البحرية حتى غزت العالم، مع ظهور الحقبة الاستعمارية فى التاريخ الحديث.

وعلى الصعيد الأوروبي، أنهكت الحرب اقتصاد أوروبا، وسعت بلدان القارة للكشف عن مصادر اقتصادية جديدة. وبدأت رحلات الاستكشاف الجغرافية التي تسابقت فيها دول أوروبا، ومن أبرزهم البرتغال وإسبانيا للكشف عن أراضٍ جديدة؛ ووطأت أقدام البحارة المغامرين أراضي العالم الجديد.

فضلًا عن ذلك، أدت الحرب إلى تطور الأسلحة والتكتيكات، وحلَّت قوات محترفة محل الجيوش الإقطاعية، التي اعتمدت على سلاح الفرسان الثقيل، والعجلات الحربية. ونشأت الجيوش الدائمة الأولى في أوروبا الغربية، وحدثت طفرة في بناء الجيش الحديث. واستُخدمت التكنولوجيا الجديدة للبارود، حيث شهدت معركة كاستيون عام 1453، أول مشاركة ميدانية كبرى لإطلاق النار في الحروب.

كذلك، تطورت الدبلوماسية الدولية خلال الحرب وفي أعقابها؛ فظهر برلمان أقوى في إنجلترا. وسعت فرنسا في تنفيذ خطط استراتيجية؛ لتفادي نشوب حرب نشطة، واستخدام أسلوب الدبلوماسية والتنازلات، وقبول المعارك الضارية فقط عندما لم يكن هناك بديل آخر. وأخيرًا وليس آخرًا، تنامت خلال هذا الصراع الطويل أفكار القومية الفرنسية والإنجليزية نموًّا كبيرً، حتى إنه ما تزال آثاره باقية بين هذين البلدين إلى اليوم، ويظهر جليًّا في الأحداث الرياضية الدولية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد