بالنسبة إلى عالم نظريات المؤامرة، فإن ما يحدث على سطح الكرة الأرضية ليس ما يظهر لنا فقط، لكن هناك أمورًا وأشياءً أعمق وأكثر ظلامًا مما نراه خارجيًّا. في هذا العالم المثير هناك خيوط غير مرئية في نظرهم، تربط المفاهيم التي لا علاقة بينها كما يظن البعض، والأهم من هذا هو أنه ليس هناك مجال للصدفة العشوائية.

ظل العلماء والباحثون لوقت طويل جدًا يعتصرون أدمغتهم في محاولة لمعرفة وفهم ما يجعل بعض الناس أكثر ميلًا لرؤية المؤامرات وربط الأحداث التي يفترض أنها غير مترابطة، وقد تمكنت دراسة حديثة أخيرًا من تعقب واحدة من أنماط التفكير الغريبة التي يتميز بها أصحاب هذه النظريات أو متبنيها أو مطلقيها. المثير في الأمر أننا جميعًا نستخدم هذا النمط من التفكير، لكن أصحاب نظريات المؤامرة عادة ما يستخدمون هذا النمط كثيرًا.

في عام 1997، ظهر فيلم رائع من بطولة النجم ميل غيبسون اسمه «نظرية المؤامرة – Conspiracy Theory»، والذي يتناول قصة جيري فليتشر، الشخص المهووس بنظريات المؤامرة، والذي أصدر مطبوعة صغيرة بشكل دوري يتحدث فيها عن نظريات مؤامرة غريبة تقف وراء بعض من الأحداث التي تقع في العالم.

من بين نظرياته كانت رأيه في غرق أحد رجال الأعمال البارزين في محطة مترو، وليس في حمام السباحة في منزله كما تقول الرواية الرسمية، ولعل النظرية الأبرز كانت أن الزلزال الذي ضرب إحدى الدول الأوروبية خلال زيارة الرئيس الأمريكي لها كان سببه قمر اصطناعي جديد مخصص لإثارة الزلازل الطبيعية.

كان الجميع ينظر إلى جيري على اعتباره شخصًا غير طبيعي، مخبولًا يقول أمورًا عجيبة، لكنه كان شخصًا يملك نظرة مختلفة للعالم من حوله، بغض النظر عن صحة نظرياته أو خطئها.

نمط التفكير يحدد رؤيتك للعالم

وقد توصل فريق من علماء النفس من جامعة «فريجي أمستردام» في هولندا، وجامعة «كنت» في المملكة المتحدة إلى أن أصحاب نظريات المؤامرة مرتبطون ومتعلقون بشيء يسمى «تصور النمط الوهمي» أو «illusory pattern perception».

يقول الفريق في ورقته البحثية الجديدة إن الناس غالبًا ما يملكون معتقدات غير عقلانية، ويعرف العلماء هذه المعتقدات على نطاق واسع بأنها افتراضات لا أساس لها، وغير علمية، وغير منطقية عن العالم، وأضاف: «على الرغم من وجود العديد من المعتقدات غير العقلانية، فإن الاعتقاد في نظريات المؤامرة والاعتقاد في القوى الخارقة هما الأكثر انتشارًا بشكل خاص بين الناس العاديين، وبين أصحاب نظريات المؤامرة».

وبعبارة أخرى، فإن هؤلاء الذين يطلقون نظريات المؤامرة ليسوا مجانين كما يظن الكثير من الناس، بل هم أشخاص عاقلون جدًا، وهو الأمر الذي يجعل معتقداتهم محيرة أكثر بالنسبة لنا، ونتساءل كيف يطلق هؤلاء الأشخاص مثل هذه النظريات الغريبة وغير المنطقية، حتى نظن أنهم مجرد «مخابيل»، لكن في النهاية، ومن خلال البحث الجديد، فإن العلماء أدركوا الآن أنهم في الواقع يرون العالم بشكل مختلف تمامًا، ونظرتهم لما يحدث حولهم تختلف عما يحدث حولنا.

تصور النمط الوهمي هو مفهوم بسيط جدًا. يحدث ذلك كلما وجدنا نمطًا ذا معنى في المحفزات العشوائية، أو في التخطيطات والبراهين، أو حتى في المسببات والأسباب، رغم أنها لم تحدث في الواقع. على سبيل المثال، قد يكون عندك حلم يتعلق بأحد أقربائك المسنين، وبعد ذلك تتلقى الأخبار في اليوم التالي أن هذا القريب قد وافته المنية. غالبية الناس سينظرون لهذا الأمر ببعض التعجب والدهشة كما لو أن قلوبهم كانت تشعر بما سيحدث، لكن لبعض الناس ستكون هذه المصادفة كافية لاستنتاج أن أحلامهم يمكنها التنبؤ بالمستقبل.

في الحقيقة نحن جميعًا نفعل ذلك أيضًا بأنماط معينة إلى حد ما، لأن هذه هي الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، وفي الواقع هي أداة مفيدة لاستخلاص النتائج حول بيئة مليئة بالأسباب والتأثيرات والأخطار المحتملة.

أول دليل تجريبي على صحة الفرضية

قد تعتقد أن تصور النمط الوهمي هو تفسير واضح لما يجري مع أصحاب نظريات المؤامرة، وصحيح أن الباحثين قد افترضوا أن هذه الظاهرة تلعب دورًا، ولكن الغريب أن الباحثين والعلماء منذ فترات طويلة لم يختبروها بالفعل. يقول الفريق في الدراسة الأخيرة، إنه من المستغرب أن القليل من الأدلة التجريبية المباشرة المتاحة جرت لدعم الدور الذي يلعبه تصور النمط الوهمي في المعتقدات غير العقلانية بشكل عام، ولا سيما في مجال نظريات المؤامرة، ولمعالجة هذه المشكلة، قام الفريق بسلسلة من التجارب، فجندوا 264 من البالغين الأمريكيين، وبدؤوا بتقييم اعتقاد المشاركين في نظريات المؤامرة الشائعة والمختلقة على مقياس من 1 إلى 9.

وكان من بين المؤامرات المذكورة للمشاركين أشياء مثل «فيروس إيبولا هو فيروس من صنع الإنسان» و«هبوط الأمريكيين على القمر كان خدعة»، و«مستخلص خصية الثور في مشروب ريد بول له آثار جانبية غير معروفة». كما صنف الباحثون معتقدات المشاركين الخارقة للطبيعة، قبل أن ينتقلوا إلى سلسلة من التجارب المصممة لاختبار ما إذا كان الأشخاص الذين لديهم درجات اعتقاد عالية في المؤامرات والأشياء الخارقة يمكن أيضًا أن يكونوا أكثر ميلًا إلى اكتشاف الأنماط الموجودة وسط العشوائية الكاملة.

وبعد أن جرى اختبار ميول المشاركين بالنسبة لقرعة «ملك وكتابة» على العملة النقدية بشكل عشوائي، اكتشف الباحثون أن هؤلاء الذين يميلون لنظريات المؤامرة يذكرون أنماطًا أكثر، رغم أن القرعة تتم بشكل عشوائي كامل، انتقل الفريق إلى نمط اكتشاف الأعمال الفنية الحداثية التي قام بها فيكتور فاساريلي (الذي له نماذج هندسية لها أنماط واضحة)، وجاكسون بولوك (الذي تتميز لوحاته الفنية بأنماط أكثر عشوائية لدرجة أن كل ضربة فرشاة تبدو أنها ضربة وهمية لا يوجد ما يربطها بما حولها).

ومن الغريب أن المعتقدات التآمرية والخارقة للطبيعة التي أظهرها المشاركون كانت مرتبطة فقط بالأنماط الموجودة في الأعمال الفنية العشوائية عند بولوك، في حين أن الناس الذين رصدوا أنماطًا هندسية لم يظهروا ميلًا محددًا نحو أي معتقدات غير عقلانية.

وعمومًا، ولدت هذه الدراسة بعض الأدلة المقنعة جدًا في أن حاجتنا إلى فهم العالم من خلال توليد أنماط من الممكن في الحقيقة أن يذهب بعيدًا إلى تجاوزات غير فعلية عند أولئك الذين ينحرفون باتجاه نظريات المؤامرة، وذكر الفريق البحثي: «نخلص مما سبق إلى أن تصور النمط الوهمي هو عنصر معرفي مركزي للمعتقدات في نظريات المؤامرة والظواهر الخارقة للطبيعة».

هذا الاستنتاج الأخير مهم للغاية. على الرغم من أنك قد تغضب بشدة عندما تجد نفسك تدور في نقاش محتدم حتى وقت متأخر من الليل عبر الإنترنت مع واحد من أصحاب نظريات المؤامرة، إلا أنه عليك أن تتذكر أن مثل هؤلاء الأشخاص في الواقع يرون العالم بشكل مختلف، وربما يشعرون بالوحدة.

الناس يحبون نظريات المؤامرة

على الرغم من أن الاعتقاد بنظرية المؤامرة يمكن أن يستند في بعض الأحيان إلى تحليل عقلاني للأدلة المتاحة أمامنا، إلا أنها في معظم الأحيان ليست كذلك. نحن البشر، واحدة من أعظم نقاط القوة لدينا هي قدرتنا على إيجاد أنماط ذات مغزى في العالم من حولنا، وتكوين روابط سببية، لكننا أحيانًا نرى الأنماط والروابط السببية التي لا توجد في الواقع، خاصةً عندما نشعر بأن الأحداث خارجة عن إرادتنا.

قد تنشأ جاذبية نظريات المؤامرة من عدد من التحيزات المعرفية التي تميز الطريقة التي نعالج بها المعلومات، على سبيل المثال فإن ما يعرف بـ« التحيز التأكيدي» هو التحيز المعرفي الأكثر انتشارًا، وهو يعد أقوى الأمور التي تجعلنا نعتقد في وجود نظريات المؤامرة.

لدينا جميعًا ميل طبيعي لإعطاء المزيد من الوزن للأدلة التي تدعم ما نعتقده بالفعل، كما أن لدينا جميعًا ميل لتجاهل الأدلة التي تتناقض مع معتقداتنا. أحداث العالم الحقيقي التي غالبًا ما تصبح موضوعات لنظريات المؤامرة، تميل إلى أن تكون معقدة جوهريًّا وغير واضحة، وقد تحتوي التقارير المبكرة على أخطاء وتناقضات وأوجه غموض، ويركز أولئك الذين يرغبون في العثور على أدلة على التستر على أوجه عدم الاتساق هذه لدعم مطالباتهم.

هناك نوع آخر من التحيز يسمى «التحيز التناسبي». ميلنا الفطري إلى افتراض أن الأحداث الكبيرة لها أسباب كبيرة، قد يفسر أيضًا ميلنا لقبول المؤامرات. هذا هو أحد الأسباب التي جعلت الكثير من الناس غير مرتاحين لفكرة أن الرئيس جون كينيدي كان ضحية لمجرد مسلح وحيد، ووجدوا بالطبع أنه من الأسهل قبول النظرية بأن اغتياله كان نتيجة مؤامرة واسعة النطاق ودولية.

نوع آخر من أنواع التحيز المعرفي ذو الصلة هو «الإسقاط». قد يكون الأشخاص الذين يؤيدون نظريات المؤامرة أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات تآمرية، مثل نشر شائعات، أو أنهم يميلون إلى التشكيك في دوافع الآخرين. إذا كنت تشارك في مثل هذا السلوك، فإنه من الطبيعي أن الآخرين يفعلون المثل أيضًا؛ مما يجعل المؤامرات تبدو أكثر معقولية وواسعة النطاق بالنسبة لك، وعلاوة على ذلك، فإن الناس الذين يميلون بقوة نحو التفكير التآمري، سيكونون أكثر عرضة لتأييد نظريات متناقضة متبادلة؛ على سبيل المثال، إذا كنت تعتقد أن أسامة بن لادن قتل منذ سنوات عديدة قبل أن تعلن الحكومة الأمريكية رسميًّا وفاته، فإنك أيضًا أكثر عرضة للاعتقاد بأنه لا يزال على قيد الحياة الآن.

اقرأ أيضًا

لماذا يحب الناس نظريات المؤامرة ويصدقونها بسهولة؟

المصادر

تحميل المزيد