إنهم يريدون القضاء علينا، إنهم يخططون لتدميرنا

تلك هي الفكرة المحورية لكل نظريات المؤامرة المتعددة والكثيرة، والتي أصبحت تلقى رواجا غير مسبوق في العقود الأخيرة، بعد أن ازدادت الحياة البشرية تعقيدا وتغيرا واضطرابا، وأضحت الأحداث المتداخلة والمتسارعة عسيرة الفهم، مما وفر أرضية خصبة لانتشار هذا النمط من التفكير، الذي أصبح يخترق كل الطبقات الاجتماعية المتعلمة وغير المتعلمة ولاسيما في المنطقة العربية بالخصوص، ما جعل كل القوى السياسية بمختلف توجهاتها تستخدم نظريات المؤامرة للنيل من الخصوم، كما أنها تبدو تجارة رابحة في سوق السينما والكتب والإعلام.

ما الذي إذن يجعل نظريات المؤامرة تلقى مثل هذا الرواج؟

قبل أن نجيب عن السؤال لنأخذ أو لا فكرة عامة عن هذا النوع من التفسيرات للعالم.

ما الذي يمكن قوله عن «نظرية المؤامرة»؟

بدأ استعمال هذا اللفظ منذ بدايات القرن الماضي، للإحالة على مجموعة خفية تتحكم بالعالم دون أن يعرف بها أحد، غير أنه بعد ذلك أصبحت الظاهرة تتخذ أشكالا عديدة ومتنوعة وتنتشر في كل المجتمعات البشرية بدرجات متفأو تة حسب طبيعة المجتمعات والثقافات.

ورغم أن الظاهرة يطلق عليها اسم “نظرية” فلا علاقة لها بالمفهوم العلمي للنظرية، الذي يستوجب مقولات منطقية تم بناؤها على أسس عقلانية موضوعية وتم إثباتها عمليا، يضع قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية تعريفا عاما لنظرية المؤامرة وهي “اتفاق بين فردين أو أكثر للقيام بعمل إجرامي أو غير قانوني أو مستهجن”، ويعرفها بيجدن “خطة سرية من جانب مجموعة ما من أجل التأثير جزئيًّا في الأحداث بعمل خفي”.

لكن عادة ما تشير نظرية المؤامرة إلى مزاعم وقوف جهات خفية وراء أحداث كبيرة، إنها نمط تفكير شائع لدينا اليوم لتفسير كثير من الأحداث والوقائع، يفترض فيها أن جهة ما وهي تجسد الشر المستطير تحيك لمجموعة ما تمثل الخير المطلق مؤامرات للقضاء عليها.

تخترق نظريات المؤامرة كل المجالات بما في ذلك الدين والسياسة والمجتمع وحتى العلم، وهي متعددة وكثيرة لدرجة يصعب حصرها، معظمها يبدو سخيفا للغاية، وبعضها ينطوي على إمكانية تحقق بعض أو جلها دون القدرة على إثبات ذلك.

لعل أبرزها فكرة الكائنات الفضائية التي تتحكم بالعالم، و”مجموعة الماسونيين” التي تسيطر على جميع البشر، وأنه تم صنع الأمراض الوبائية مثل الإيدز والإيبولا للقضاء على السود الأفارقة، وأن العلماء يخفون نتائج أبحاث بخصوص المناخ البيئي تؤكد اقتراب نهاية الحياة البشرية، وأن الحكومة الأمريكية لا تريد الإفصاح عن الجهة الحقيقية وراء اغتيال كينيدي وغيرها من المزاعم الرائجة.

أما بخصوص نظريات المؤامرة الرائجة في العالم العربي والإسلامي بتشعباتها، فيدور معظمها حول فكرة أن “الغرب يخطط دائما وأبدا للقضاء على الإسلام والمسلمين”، ومن ثمة فالكثير من “المسلمين” يعتقد داخل هذا السياق أن حادثة 11 سبتمبر مدبرة، وأن تفجيرات مدريد ولندن وغيرها من التفجيرات بما فيها حادثة شارلي إيبدو الأخيرة مدبرة، وأن داعش والقاعدة وبوكو حرام هي أيضا جماعات مفبركة، وأن هناك مشروع مخطط له لتقسيم المنطقة العربية وأن الثورات العربية مؤامرة، وربما يصل البعض بالتفكير التآمري إلى درجات هستيرية مثل أن الغرب يدس معان مخفية جدا، مجسدة في أسماء شركات معينة، وشعارات مكتوبة في منتجات استهلاكية، وأيضا لقطات من مواد إعلامية، كل ذلك يفسر حسبهم بأنه مدبر للنيل من هوية المسلمين.

من أين إذن تستمد نظريات المؤامرة قوتها؟

  • البساطة والشمولية المطلقة

تعتمد نظريات المؤامرة دائما على تبسيط الأحداث وتسطيحها وفق قالب نمطي واحد يصلح لتفسير كل شيء تقريبا، إنها نمط تفكير مغرٍ بالنسبة لعموم الناس، لتفادي جهد استقصاء الواقع المعقد والشحيح جدا في معطياته الموضوعية.

في عالمنا اليوم، حيث تتجاذب الفرد الشركات العملاقة ووسائل الإعلام الضخمة والباهرة، وتشتت وعيه الأحداث المتداخلة والمتشابكة، وينسحق تحت الضغوطات المختلفة، والتغيرات المتتالية والمتسارعة، يشعر الفرد بفقر في الوعي بالبيئة العالمية، مما يجعله يلجأ إلى خطاب بسيط يفسر كل الأحداث الواقعة والتي ستقع مستقبلا، بتلك الطريقة يمكن التخلص بسهولة من القلق والإحساس بالتيه تجاه الأحداث، كما تعفينا عناء البحث عن جواب الأسئلة من خلال الواقع الموضوعي.

يمكن إقناع العامة ببساطة من خلال نظريات المؤامرة، لذا فجل القوى السياسية بتنوع إيدلوجياتها تستخدمها وفق رؤيتها المؤدلجة، فهي لا تستدعي تفكيرا معينا أو بحثا لاستيعابها، كما أنها مختزلة جدا ومصكوكة يسهل التعبير عنها.

إن ما نعلمه حتى الآن عن حياتنا وحول هذا الكون هو أقل بكثير جدا عما نجهله، كما أن لا أحد لديه الوقت الكافي لمعرفة كل الأحداث والوقائع بتفاصيلها وإن وجدت المعرفة المتاحة، ولأن معظم الناس يميلون إلى ادعاء المعرفة فإن “نظرية المؤامرة” تستطيع ملء كل ثغرات الجهل التي قد نعانيها حول موضوعات معينة، إنها سبيل التهرب من وضعية الجهل.

تبدو نظرية المؤامرة كوحدة مترابطة تجيب عن كل الأسئلة دفعة واحدة، وتختزن داخلها كل الجزئيات المطلوبة من دون استثناء بما في ذلك دوافع “المتآمرين”.

  • الأسطورية والغموض

تحفل نظريات المؤامرة بالجانب الأسطوري والغموض، مما يضفي عليها بريقا يوحي “بالحقيقة العميقة”، فهي غير قائمة على أساس منطقي واقعي واضح ناهيك عن استحالة وجود فكرة قادرة على تفسير كل شيء لحد الآن ، إلا أن معتنقيها في كل الأحوال لا تنقصهم ما تعتبر بالنسبة لهم أدلة إثبات لفكرتهم، بما في ذلك أنصار فكرة الكائنات الفضائية المسيطرة على العالم، وفكرة سعي المجتمعات البشرية غير المعتنقة للدين الإسلامي للقضاء على الإسلام والمسلمين.

 

 

منذ بداية التاريخ تعرف المجتمعات البشرية جوانب أسطورية في حياتها، حيث كانت الأسطورة قبل ظهور العلم هي الأساس الذي يمكن المجتمعات القديمة من صياغة فهم للعالم حولها، وأيضا تنظيم حياة أفرادها.

لكن رغم أن المجتمعات البشرية قطعت أشواطا في التفكير العلمي، إلا أن الجانب الأسطوري في الحياة البشرية بقي يشتغل في الوعي الجمعي للمجتمعات الإنسانية إلى اليوم، ما قد يعتبره البعض جزءا فطريا في حياة البشرية.

كثير من نظريات المؤامرة هي مسلية فحسب، ولا ترقى إلى الرد عليها، غير أن بعضها فعلا قد يملك بعض أوجه إمكانية التحقق دون قدرة أنصارها على إثباتها وهو أمر يدل بالنسبة لهم على براعة “المتآمرين” في إخفاء الأدلة، لكن أيضا هي صعبة التفنيد بالنسبة لمعارضيها، نظرا لكون هذا النوع من نمط التفكير يقدم فكرة عامة تختزن داخلها مؤامرات صغيرة يتم ربطها ببعضها لتشكل المؤامرة الكبرى، وبالتالي فهي غير محددة لتكون قابلة للاختبار، وحتى إذا تمكن المرء من دحض جزئية محددة منها فإن أنصارها مباشرة يعوضونها بجزئية أخرى، وبالتالي السقوط في محاولة تكذيب سلسلة لا متناهية من المؤامرات الصغيرة لدحض المؤامرة الكبرى.

نظرية المؤامرة في أصلها فرضية عامة يعتبرها أصحابها حقيقة، وهم يطالبون منتقديهم إذا ما أرادوا التخلي عن فكرتهم بإجابات فورية ومقنعة وشاملة وتجيب عن كل الأسئلة.

  • تقول ما نريد وما نرغب فيه

تعكس نظريات المؤامرة داخل الفرد أكثر من خارجه ما دامت غير قائمة على أبحاث علمية، إنها تعبر عن هواجس الجموع ومخاوفهم وتجسد ما يرغبون في أن يكون، لا ما هو موجود فعلا.

لعل أبرز صفة تتسم بها نظريات المؤامرة باختلافها هي الانحياز، فكل “الأشياء السلبية” تفسر بأن الآخر “المتآمر” هو من يقوم بها، الذي يفترض لديه القدرة لفعل كل المخططات “الشريرة”، من أجل القضاء على “المتآمر عليه” الأخير الممثل للخير المطلق وفي نفس الوقت للضعف المطلق أمام مخططات المتآمر.

نظريات المؤامرة هي وليدة الثقافة، ففكرة ضرر المأكولات المعدلة جينيا أو إخفاء نتائج بحوث مناخية تنبئ بنهاية العالم، لن تجدها منتشرة سوى في المجتمعات الغربية، وفكرة النيل من المسلمين بالتحديد دون سواهم لن تجدها سوى في المجتمعات الإسلامية بالعالم العربي وإيران، بما في ذلك الجالية العربية المسلمة التي تعيش في بلدان المهجر، إذا أن مضمون فكرة المؤامرة يعبر في الحقيقة عن مخاوف الأفراد أو متمنياتهم المرغوبة، مثلما يوحي بطبيعة التفكير داخل ثقافة معينة.

تمكننا أيضا نظريات المؤامرة من تبرير أوضاعنا المحبطة، إنها وسيلة ناجعة للتهرب من المسؤولية وذلك بالقيام بدور الضحية، واتهام “المتآمر” بأسباب فشلنا، إنها ذريعة مريحة لتفادي مرارة النقد الذاتي وتأنيب الضمير.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد