قبل أيام، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن تشكيل لجنة دستورية في سوريا، ستضم هذه اللجنة ممثلين عن النظام السوري والمعارضة والمجتمع المدني، وتهدف لمراجعة الدستور السوري والتوصل لحل سياسي في هذا البلد الغارق في الحرب منذ 2011.

بيد أن هذه الخطوة التي جاءت بعد أكثر من ثماني سنوات تمسكت فيها المعارضة السورية بمسار جنيف الذي أطلقته الأمم المتحدة لحل الأزمة بسوريا، تثير العديد من التساؤلات حول مدى إمكانية نجاح اللجنة في تحقيق تطلعات الشعب السوري أو انضمامها باعتبارها مسارًا سياسيًّا جديدًا إلى  مسارات سابقة وقفت خلفها بشكل رئيس روسيا التي لا تريد التنازل عن بقاء النظام السوري في الحكم.

المعارضة تشارك «لإحراج النظام»

«هناك تعهدات دولية من الأمم المتحدة والمجموعة المصغرة بأن اللجنة الدستورية سوف تكون الخطوة الأولى على طريق الحل السياسي في سوريا، حيث يتزامن معها مناقشة بعض ملفات القرار 2254 (أصدره مجلس الأمن الدولي عام 2015، لحل الأزمة السورية سياسيًا) وبالتالي نحن لهذا السبب انخرطنا في اللجنة على أمل ألا يبقى اتفاق جنيف معطلًا»، هكذا دافع عضو هيئة التفاوض السورية، وعضو اللجنة الدستورية، الدكتور إبراهيم الجباوي عن قرار مشاركة أطراف من المعارضة السورية في مفاوضات اللجنة الدستورية.

ويوضح الجباوي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن آلية اتخاذ القرار داخل اللجنة الدستورية ستتم بالتوافق، ففي البنود الإشكالية التي لم يتم التوافق عليها يجب أن تنال 75% من الأصوات لتكون نافذة، ويوضح: «هذه النسبة نحن من أصررنا عليها مع المبعوث الأممي لنضمن عدم إمكانية تمرير النظام وحلفائه لأي قرار لا يتماشى مع طموحات الشعب السوري».

ويضيف الجباوي وهو عميد منشق عن النظام السوري: «نحن لا نقول إن اللجنة الدستورية هي الحل أصلًا، وهي ليست إلا مفتاحًا للحل، أو لن تكون هي كل العملية السياسية، ولكن كما تعهد لنا المجتمع الدولي سوف تكون البوابة للعملية السياسية المتكاملة لأن الدستور بدون نظام سياسي لا يمكن أن يتماشى مع الثورة السورية، نحن لن نذهب لصياغة الدستور من أجل أن يحكم سوريا بشار الأسد، لأن الدستور الذي سبق وأن فصله على مقاسه دعسه وتخطاه ولم يحكم به، فكيف إذا وضعنا نحن الدستور».

كبير مفاوضي المعارضة السورية محمد علوش في أستانا

ويضيف الجباوي: «تواجه اللجنة الدستورية في عملها عدة عقبات، فالنظام دائمًا يضع نصب أعينه الحسم العسكري، وروسيا هي صاحبة القرار الأول والأخير في سوريا، لذلك نحن نتوقع أن تضع روسيا وإيران الكثير من العراقيل أمام عمل اللجنة الدستورية لا سيما في البنود الإشكالية التي تمس رئاسة الجمهورية، وتمس شخص وصلاحيات الرئيس، لكننا لن نسمح بتمرير أي مادة دستورية لا تحقق طموحات الشعب».

ويوضح الجباوي أن روسيا تحاول في كل حين أن يكون اتفاق أستانة (وقع بين تركيا وروسيا وإيران في مايو (أيار) 2017 وقضى بإقامة أربع مناطق آمنة في سوريا) بديلًا لاتفاقية جنيف (المسار التفاوضي الذي ترعاه الأمم المتحدة بسوريا) وحاولت مرارًا أن تفرغ جنيف من مضمونه، وذهبت إلى سوتشي (اتفاق مبرم بين أنقرة وروسيا في سبتمبر (أيلول) 2018، لإقامة منطقة منزوعة السلاح).

ويري الجباوي أن روسيا وافقت على اللجنة الدستورية بسبب حجم الضغوط الدولية التي مورست عليها، وهي بدورها من ضغطت على النظام حتى يوافق على اللجنة الدستورية، مستدركًا: «لكن نحن نعتقد أن هذا الانخراط ما هو إلا انخراط وهمي وشكلي وسوف يذهب النظام إلى وضع العصى في الدواليب ولن ينخرط بشكل جدي كما يجب أن ينخرط في هذه العملية السياسية، وبالتالي سوف يكون وضعه محرجًا أمام المجتمع الدولي».

«فورين بوليسي»: على عكس ما قد تعتقده.. بشار الأسد خسر كل شيء

اللجنة الدستورية.. وسيلة لتعويم الحل السياسي

برأي الكثيرين، فلا يعتبر تشكيل اللجنة الدستورية بعد ثماني سنوات ونصف من الحرب السورية هو المدخل الصحيح للوصول إلى حل سياسي عادل، حيث إن اللجنة جاءت عمليًا في ضوء انحراف مسار الحل السياسي عن القواعد التي حددتها المرجعية الدولية في بيان جنيف (1) 2012، وأهم بنودها تشكيل هيئة حكم انتقالي تعمل في بيئة محايدة وآمنة حتى تفضي إلى تغيير سياسي حقيقي في سوريا.

يتفق على ما سبق المنسق العام لـ«تجمع مصير» المحامي الفلسطيني السوري أيمن أبو هاشم، حيث يعتقد أبو هاشم أنه عندما يتم تجاوز هيئة الحكم الانتقالي والتركيز على سلاسل كالدستور والانتخابات يصبح إطلاق اللجنة الدستورية وسيلة لتعويم ومماطلة الحل السياسي والأخطر أنها فعليًا لن تسطيع أن تحقق ما ينبثق عنها طالما أن النظام السوري يحكم قبضته على كافة مفاصل الدولة، فاللجنة في المحصلة هي محاولة جديدة لإعاقة التوصل لحل عادل في سوريا.

ويقول أبو هاشم لـ«ساسة بوست» أنه من حيث الظاهر تدعي روسيا أن تشكيل اللجنة الدستورية جاء استجابة لتطبيق القرار 2254 (قرار مجلس الأمن الدولي عام 2015 الذي يؤكد حق الشعب السوري في تقرير مصير بلاده) لكن على أرض الواقع سنرى أن روسيا من خلال ضغطها لتشكيل هذه اللجنة ستساهم عمليًا بنسف القرار 2254، موضحًا: «تركيز روسيا على اللجنة الدستورية وتغيب القاعدة الأساسية للحل وهي تشكيل هيئة حكم انتقالي، يظهر أن روسيا تعي أن اللجنة الدستورية تضفي طابعًا قانونيًا على وجود النظام لتغطية جرائمه، فهي تعطي لروسيا هامشًا كبيرًا للمناورة لتؤكد للعالم أنها صاحبة القرار في سوريا بما يستجيب لمصالح النظام».

وينتقد أبو هاشم تورط أطراف في المعارضة السورية وقعوا في شرك اللجنة الدستورية كما قال، ويضيف: «أعتقد أن المعارضة متواطئة في هذه العملية، تواطأت بقبول بما كان يجب أن ترفضه رفضًا قاطعًا، وقعت في شرك اللجنة الدستورية كما وقعت في شرك أستانة وستوشي، تلك الاتفاقيات التي تعمل على تصفية ما تبقى من حواضن الثورة وعلى إعاقة أي حل حقيقي وعادل للقضية السورية».

ويشدد أبو هاشم أن هذه اللجنة تساهم في إعادة تأهيل النظام السوري، لأنها تبدأ بالعمل على رفع الغطاء عن هذا النظام المجرم، بدلًا عن تركيز المطالب على معاقبته على جرائم الحرب، والإبادة التي ارتكبها، وذلك بمحاولة إضفاء الشرعية عليه من خلال اعتباره شريكًا في الحل السياسي بسوريا، ويأتي ذلك كما يقول أبو هاشم في ظل القرارات الدولية الواضحة بأنه يجب أن يكون أي طرف مشارك في الحل السياسي غير متورط في دماء السوريين.

ويتابع أبو هاشم القول: «لا توجد هناك أي ضمانات دولية لتنفيذ مخرجات اللجنة الدستورية والمجتمع الدولي الذي عجز عن إطلاق معتقل سوري واحد وعن تقديم حل للمشكلات الإنسانية التي وردت في القرار 2254، وهذا السبب المباشر لفقدان السوريين الثقة في المجتمع الدولي، في إطار اللجنة الدستورية».

«الخدعة الروسية» في اللجنة الدستورية

يعتقد الباحث السوري في «مركز جسور للدراسات»، عبد الوهاب عاصي، أنّ إعلان تشكيل اللجنة الدستورية لا يعكس بالضرورة تحقيق اختراق فعلي في مسار الحل السياسي، على اعتبار أن آلية عمل اللجنة الدستورية لا تزال غير واضحة المعالم، ما يعني مزيدًا من الوقت، خاصة أن النظام كما يتوقع عاصي غالبًا ما سيذهب لاستثمار الثغرات الموجودة بغرض تعطيل انطلاق عمل اللجنة في حال واجه صعوبة في تمرير القرارات التي لا تتناسب مع تعزيز مصالحه أو الحفاظ على مكاسبه.

وزراء الخارجية، الإيراني، والروسي والتركي خلال تفاهمات جنيف

ويلفت الباحث السوري الانتباه إلى أنّ المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا حينما عدّل فكرة اللجان الأربعة المنبثقة عن القرار 2254 لتصبح السلال الأربع (السلال بحسب ترتيبها: الحكم الانتقالي، الدستور، الانتخابات، مكافحة الإرهاب)، كان قد أكّد على ضرورة تزامن المسارات، لكنّ روسيا التي قابلت سلّة الدستور بمقترح اللجنة الدستورية، لم تلتزم بهذا الشرط، بل دفعت باتجاه تحقيق تقدّم ملموس ومرضٍ في الملفات الأخرى لا سيما وقف إطلاق النار، مستدركًا لـ«ساسة بوست»: «بالتالي فإنّ هناك خطورة تكمن بأنّ روسيا لن تمضي قدمًا في اللجنة الدستورية على نحو متوازن مع بقية أطراف الصراع مالم تحقق اختراقًا مرضيًا أو متقدّمًا في ملف وقف إطلاق النار».

ويضيف عاصي أن النظام السوري غالبًا ما يسعى إلى اختزال الحل السياسي في اللجنة الدستورية بما ينسجم مع رؤيته لدورها وصلاحياتها، أي بما لا يتجاوز التعديل على دستور (2012) أو على أقل تقدير ضمانة توجيه أي طرح دستوري لا يتعارض مع مصالحه ومكاسبه، أما فيما يتعلق بالتعويل على قدرة المعارضة السورية على الاستفادة من اللجنة الدستورية لتحقيق تقدّم في مسار العملية السياسية، فيعقب عاصي بالقول: «هذا يحمل الكثير من التفاؤل في غير مكانه، فهي ذاتها قلّلت من إمكانية ذلك. ولا يُمكن أيضًا القول بأنّ انخراط المعارضة في اللجنة سوف يحمل معه مزيدًا من الإحباط والخسائر، باعتبار أنّ التغيير على مستوى العملية السياسية مرهون بالإرادة الدولية والضغط على الأطراف المحلية».

تعلمت درس الشيشان.. هذه هي أقوى أساليب الخداع الروسية للسيطرة على إدلب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد