مباشرة بعد تأدية الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة اليمين الدستورية يوم الإثنين الماضي (28 أبريل/نسيان)، بقصر الأمم بنادي الصنوبر بالعاصمة الجزائرية، ارتفعت الأصوات المعارضة لاستمرار الرئيس المقعد على كرسي المرض في الحكم لولاية رابعة، وطالبت شخصيات سياسية وحقوقية المجلس الدستوري بتفعيل بنود الدستور التي ترفض استمرار رئيس يعاني من صعوبات صحية وتعتبر المنصب شاغرًا؛ لكن هذا المجلس الدستوري الذي تلقى رسائل المعارضين الراغبة في “تنحية” بوتفليقة هو نفسه المجلس الذي أشّر على “صحة” انتخاب الرئيس المريض رغم أنه لم يظهر قط في الحملة الانتخابية، في سابقة سياسية في التاريخ الحديث في الجزائر وفي العالم.

الدستور ضد بوتفليقة

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة

ينص الدستور الجزائري لسنة 1996 المعدل في سنة 2008، في المادة 88 بالحرف على ما يلي: “إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبًا، وبعد أن يتـثـبـت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع. يعلن البرلمان، المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا، الثبوت المانع لرئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلف بتولي رئاسة الدولة بالنيابة مدة أقصاها 45 يوما، رئيس مجلس الأمة الذي يمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 90 من الدستور، وفي حالة استمرار المانع بعد انقضاء 45 يوما، يعلن الشغور بالاستقالة وجوبًا حسب الإجراءات المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين”.

ماذا يعني ذلك؟ نظريًا أوّلا ينبغي أن يكون رئيس المجلس الدستوري حاصلًا على صلاحياته كاملة، ويستمد قوته من تلك السلطة إذا ما استطاع تحريك بنود الدستور (أعلى وأسمى قانون في أي بلد)، ويتم تفعيل المساطر ذات الصلة وهنا تعني إحالة “الطلب” المقدم من المعارضة على أنظار مجلس الأمة ليقول كلمته.

المؤسسات مع بوتفليقة

رئيس المجلس الدستوري مراد مدلسي

لكن عمليا يصعب ذلك ولربما يستحيل في ظل وجود معطيات ومؤسسات “موالية” بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للسلطة التي رشّحت الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة رغم حالته الصحية الصعبة، بل ومهدت له الطريق ليفوز بولاية رابعة من خلال الحملة الانتخابية التي كانت “قوية” بالرغم من أن الرئيس لم يظهر بها ولو مرة ليخاطب الجماهير ويشرح لهم برنامجه الرئاسي، وكانت حملته الانتخابية تلك تدار بالوكالة من قبل أطراف في السلطة، وهو ما أثار استغراب المتتبعين محليًا ودوليًا؛

ينبغي الإشارة إلى أن المجلس الدستوري سارع مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 17 أبريل/ نيسان الماضي إلى “تزكية” تلك النتائج كما أعلنتها السلطات العمومية، وأكد حينها المجلس “فوز” الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بفترة رئاسية رابعة في الانتخابات، وأنه حصل على 81.49 في المائة من الأصوات، بينما حصل منافسه الرئيسي علي بن فليس على 12.30 في المائة فقط، وهو ما أعلنته السلطة التي أشرفت على تلك الانتخابات. وزاد رئيس المجلس، مراد مدلسي، موضحًا في بيان له، أن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بلغت 50.70 في المائة، ولـ”يتماهى” أكثر مع ما أوردته السلطات من نتائج فإنه أكد “رفض” المجلس كل الطعون على نتائج تلك الانتخابات وعددها 94 طعنا.

الرئيس الجزائري

وربما كان أكبر المتفائلين يتمنى على الأقل أن يقبل هذا المجلس بعض الطعون، ولو تعلق الأمر ببعض مكاتب الاقتراع حتى يعطي صورة على أنه يلتزم الحياد في هذه الانتخابات، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، وهو ما يراه معارضون، شيء طبيعي ما دام أن السيد مراد مدلسي هو “ابن طبيعي” لهذا النظام الذي أصر على استمرار وبقاء الرئيس الحالي رغم أنه لا يستطيع “إدارة” حتى شخصه بسبب مرضه؛ فالسيد مدلسي ومنذ سنة 2005 إلى اليوم وهو يتقلد المناصب الوزارية و”السامية” إلى جانب الرئيس الجزائري الحالي؛ ومن وزير للتجارة إلى وزير للمالية والميزانية، إلى وزير للخارجية ثم مستشار رئاسي لدى عبد العزيز بوتفليقة، ثم حاليا رئيس للمجلس الدستوري، كلها مناصب ما كان ليتقلدها لولا أنه من “رجالات” النظام الحالي الذي تديره المؤسسة العسكرية، ولولا “الثقة” التي يضعونها فيه لما تقلد كل هذه المناصب، هذا عدا عن مناصب أخرى منها الوزارية حتى قبل أن يأتي بوتفليقة إلى الرئاسة في سنة 1999.

الرئيس بوتفليقة يحاول جاهدا تحريك يده في إحدى لقاءاته الرسمية

بقي مجلس الأمة (البرلمان) الذي لربما من باب “الأحلام والآمال” قد يعلق عليه بعضُ الجزائريين بعضَ الآمال لتنحية الرئيس الحالي المريض وفي حال ما أراد رئيس المجلس الدستوري أن يرمي بالكرة إلى معترك هذه المؤسسة التشريعية، لينقذ بعض ماء وجه السلطة؛ لكن يبدو أن هذه الآمال سرعان ما ستتلاشى بالعِلم أن أغلبية النواب هم من حزب “جبهة التحرير الوطني” الذي يعتبر عبد العزيز بوتفليقة رئيسه الشرفي، وهو أعتد وأقدم الأحزاب الجزائرية وله “شرعية” وطنية يستمدها من سنوات التحرير الوطني، هذا بالإضافة إلى أن هناك بالمجلس ما يسمى “الثلث الرئاسي” وهم البرلمانيون المعينون مباشرة من قبل الرئيس .. هؤلاء لا يمكنهم بأي حال من الأحوال التصويت لفائدة “تنحية” رئيسهم حتى وإن كان “شرفيا” فقط فما بالك إن كان رئيس دولة أعطته صناديق الاقتراع شرعية ديموقراطية وزكاها المجلس الدستوري بشرعية دستورية وقانونية.

أمنيات !

جزائريون ضد استمرار بوتفليقة في السلطة

تحركات بعض الأحزاب المعارضة بالإضافة إلى بعض مكونات المجتمع المدني والتي طالبت المجلس الدستوري بتفعيل المادة 88 من الدستور، وتنحية الرئيس المريض، تبقى مجرد أمنية يصعب تحقيقها في ظل وجود سلطة قوية للنظام ترسخت بعد سنوات من إقصاء وتهميش المعارضة، وبعد عشرية دامية (سنوات التسعينيات) خاضت أثناءها المؤسسة العسكرية حربًا ضروسًا ولا تزال مع الجماعات المتشددة، وهي الحرب التي بقدر ما أثارت جدلًا كبيرا في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية حول تورط بعض “الجهات” الأمنية فيها، بقدر ما جعلت الشعب الجزائري يتخوف من أي مستقبل قد يكون مجهول المعالم .. إنه التخوف الذي استغلته السلطة أيضا بشكل كبير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رافعة شعار “الاستقرار أو الطوفان” وضاربة المثل ببعض دول “الربيع العربي” في الجوار القريب.. فهل يركن الجزائريون في بيوتهم خوفًا من السلطة أم من “عواصف” قد يأتي بها أي “ربيع جزائري” محتمل؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد