في واحدة من أغانيهم الشهيرة؛ تقول فرقة «رولنج ستون» الغنائية: «أنت لا تستطيع دائمًا الحصول على ما تريده، ولكن حاول بصدق؛ فربما تصل إلى ما تحتاجه»، قد تبدو تلك الجملة غريبة، ولكن ما لا يعرفه البعض أن هناك فرقًا بالفعل بين ما يريده الإنسان وما يحتاج إليه «بين المتعة والرضا»، وبجانب أقوال الكثير من الحكماء ونصائحهم عن الرضا، وعن أن ما يحتاجه الإنسان في الحياة للوصول للرضا هي أشياء قليلة وبسيطة؛ فالعلم مؤخرًا سواء علم النفس أو علم الأعصاب بدأ يشير بوضوح للفروق بين الاثنين «الحاجة» و«الرغبة»، فليست كل رغبة حاجة، بينما كل حاجة رغبة.

رغبة تناول الطعام نابعة عن حاجة أساسية وجسدية لا يستطيع الإنسان التغلب عليها أو تجاهلها، بينما الرغبة في تبديل السيارة الخاصة بالشخص بنوع أحدث لا يختلف جوهريًّا عن سابقه، هي رغبة لا تنبع من حاجة، هل يبدو الأمر معقدًا لك؟ لا تقلق ففي هذا التقرير نخبرك عن ما قاله العلم عن الفرق بين ما تحتاجه وما تريده، وعن الفرق بين المتعة والرضا.

علميًّا.. هل يمكن رصد السعادة في مخ الإنسان؟

السعادة يعتبرها العلم مفهومًا فلسفيًّا أكثر من كونه حالة عقلية يمكن رصدها لدى الإنسان، وهذا لأن السعادة مفهوم فردي ويكون نابعًا عن قناعات الإنسان، ولذلك السعادة لا يمكن قياسها أو رصدها كما تُرصد المتعة على سبيل المثال.

وهل السعادة والمتعة مختلفتان؟؛ نعم وفقًا لعلم النفس وعلم الأعصاب، وهناك الكثير من البشر الذين يكثرون من استهلاك المتع اليومية مثل ممارسة الجنس ولكنهم لا يزالون يعانون من الاكتئاب، والشخص المكتئب يمكن أن تضعه في خانة التعساء حتى لو أننا لم نصل لمفهوم حقيقي لماهية السعادة، فنحن على الأقل نُدرك ما الأشياء التي تنافيها، مثل الاكتئاب والتوتر والقلق والحزن والغضب، ولكن كيف يشعر الإنسان بالمتعة وهو حزين؟ أو إذا سمحت لنا أن نقول؛ كيف يستمتع الشخص وهو غير سعيد؟ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في الدوبامين.

والدوبامين هو من الهرمونات المحفزة للإنسان، ويعمل في الجسد مكافأةً على إقبال الإنسان على متعة جسدية ما. على سبيل المثال الوصول إلى هزة الجماع من الأفعال التي تفرز الدوبامين في المخ، ولكن ما اكتشفه العلم الحديث أن حتى الشعور بالشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي والحصول على الكثير من التفاعلات يفرز نفس الهرمون – دوبامين – في المخ ولأن هذا الهرمون يمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالمتعة، فيجد الفرد نفسه مقبل على نفس الفعل مرة أخرى ليحصل على نفس المكافأة من مخه، ولكن هذا ليس بالضرورة تكون نهايته السعادة، فعلى الرغم من إفراز الدوبامين في المخ لدى البعض، يظل القلق والتوتر والاكتئاب مصاحبين لهم دون تغيير.

«عدم الرضا عن المتعة»

الدوبامين في الأساس مرتبط بالمتعة، وشعورك بالمتعة الناتج عن الدوبامين لا يشترط أن تصاحبه السعادة، فعلى سبيل المثال يوجد فرق بين الاستمناء وممارسة الجنس، فالاستمناء يضمن لك إفراز الدوبامين في المخ والذي يشعرك بالمتعة لبعض الوقت، على عكس ممارسة الجنس مع شريك الحياة حيث تتضمن ممارسة الجنس مشاركة عاطفية مع طرف آخر، فالمخ في هذه الحالة يفرز بالإضافة إلى الدوبامين؛ هرمون السيروتونين، وهو ما يساعد الإنسان على التخلص من القلق والتوتر، على عكس ممارسة الاستمناء والذي يصيب البعض بحالة من العزلة والاكتئاب والقلق المزمن.

بالنسبة للجسد الوصول لهزة الجماع؛ ربما تكون نتيجتها واحدة للجسد كيميائيًّا، ولكن ما اكتشفته دراسة لعلم الأعصاب نشرت في عام 2010 إن قناعات الشخص تؤثر في تلك النتيجة الكيميائية، فالإنسان بعد أن تطور وأسس مجتمعات حديثة أصبحت له وجهات نظر تخص السعادة والمتعة، وإذا مارس الإنسان متعة يراها مُحرمة أو معيبة أو ليست من حقه، فهذا يتحكم في النتيجة النهائية لوقع تلك المتعة على جسد الإنسان كيميائيًّا ونفسيًّا، وهو ما أطلقت عليه الدراسة بـ«تشوهات المتعة» أو «عدم الرضا عن المتعة»، وهو ما يصيب الإنسان بالقلق والتوتر وأحيانًا الاكتئاب بعد ممارسة تلك النوعية من المتع.

ووضحت تلك الدراسة أنه حتى تكون المتعة الفردية لا يصاحبها شعور بالذنب أو القلق، يجب أن يكون لها قيمة ومعنى لدى الفرد، وأطلقوا على تلك العملية الذهنية والنفسية مصطلح «BRIDGING PLEASURE TO MEANING» أو إنشاء جسر بين المتعة والمعنى، والمعنى هنا يُقصد به غاية أسمى، على سبيل المثال؛ ممارسة الاستمناء قد تمنح الإنسان متعة مؤقتة ولكنها تعزله عاطفيًا عن الآخرين وقد لا يكون لها «معنى» بالنسبة به، أو معنى سلبي أيضًا إذا كان يعتقد في حرمتها دينيًّا على سبيل المثال، أما ممارسة الجنس مع شريك الحياة فهو تواصل جسدي وروحي يهدف لإسعاد الشريك أيضًا وليس السعادة الفردية فقط كما أنها توطد العلاقة العاطفية، وهنا أصبح «للمتعة معنى» فلا يحدث لها ما أطلقوا عليه ظاهرة «عدم الرضا عن المتعة».

ولكن هذا يأخذنا لسؤال آخر: «وما هو الرضا؟».

«هنا والآن كل شيء مثالي»

في عام 2014 سافر أستاذ علم النفس الأمريكي دانيال كورديرو إلى أعالي جبال الهمالايا في شرق بوتان لدراسة مجموعة نائية من السكان الأصليين لتلك المنطقة، واستطاع دانيال وفريق بحثه التواصل مع ما يقرب من 200 عائلة منعزلين انعزالًا كليًّا عن الحضارة كما نعرفها، فلا يملكون هواتف ولا كهرباء ولا إنترنت. 

وكانت تلك الدراسة هي الخطوة الأخيرة للانتهاء من بحث استغرق فيه دانيال وفريقه ما يقرب من خمس سنوات، وكان الهدف الرئيسي من الدراسة هو تعريض السكان الأصليين لصور وجوه بشرية بها تعبيرات مختلفة للعواطف بين الغضب والحزن والإحراج، في محاولة لاكتشاف هل سيتمكن هؤلاء السكان من التعرف على هذه المشاعر التي طورها البشر من خلال تفاعلهم حضاريًّا واجتماعيًّا.

وبحسب دانيال جاءت النتيجة غير متوقعة، فقد تمكن أفراد القبائل المنعزلة من التعرف على نسبة كبيرة جدًا من تعبيرات الوجه ونبرات الصوت وتحديد أي عاطفة تعبر عنهم، فيما عدا شعور واحد فقط، وهو الشعور بالرضا.

وقتها تدخل المرشد الذي يصطحب الفريق البحثي ليوضح لهم الأمر، وقال لهم إن الشعور بالرضا عند تلك القبائل هو شعور فردي تمامًا وخاص، ويعتبرون أنه «أعلى إنجاز لرفاهية الإنسان» وفي لغتهم ليس هناك كلمة واحدة تصفه بينما أقرب تعبير له هو «chokkshay» وهي كلمة تعتبر عميقة وروحانية لدى تلك القبائل وتعني حرفيًّا «إدراك ما يكفي»، بما يعني شعور الفرد أنه «هنا والآن كل شيء مثالي كما هو بغض النظر عما نختبره بالخارج».

وربما أقرب مثال في لغتنا لكلمة chokkshay هي «السلام الداخلي»، والمقصود بجملة «إدراك ما يكفي» هو إدارك الفرد بما يكفيه ليكون راضيًا كبداية الطريق للسعادة. «في تلك اللحظة أدركت أن بحثي يجب أن يكون عن أكثر إحساس لا يحظى بأهمية وقدرة على مر تاريخ الطب النفس وهو الرضا»، هكذا صرح دانيال في مقال له نشره عن تلك التجربة.

«إستراتيجية المزيد» تقتل السعادة

يخبرك الطب النفسي عن فخ يقع فيه الإنسان أطلقوا عليه «إستراتيجية المزيد» والتي تقف عائقًا بين شعور الانسان بالرضا أو الامتلاء أو اكتمال احتياجاته، ويوضح علم النفس أن تلك الإستراتيجية قد تسيطر على الإنسان دون وعي منه، فيجد نفسه يحلم بمبلغ ألف دولار في الشهر، ولكن بعد أن يصل له بفترة تبدأ السعادة بالمبلغ تقل فيهدف للحصول على «المزيد» من المال ليستعيد الشعور بالسعادة.

ما أكده الطب النفسي أن الثقافات القديمة كانت بالحكمة الكافية لإدراك أن الرضا لن يتعلق بما يدور حول الإنسان بل بما يتعلق داخله وإحساسه تجاه ما حوله، ومن هنا ظهر في علم النفس مصطلح «إستراتيجية الكفاية» وهي الإستراتيجية التي تكون نتيجتها الرضا، وتُنفذ تلك الإستراتيجية عن طريق تتبع الفرد لما يحتاجه وليس ما يريده.

انغماسنا في الحياة الاجتماعية خاصة الافتراضية منها، قد تعرضنا لمدخلات خارجية تخرج لدينا حاجات ليست ضرورية، مثل أن نرتدي ملابس ثمنها أغلى من ملابس أشخاص منافسين لنا في الحياة، أو نحصل على سيارة «آخر موديل» حتى لو كانت السيارة التي نملكها تكفي «الحاجة» منها.

وتعتبر مواقع التواصل الاجتماعي الآن الساحة الأكبر لإظهار المرء لإنجازاته التي يريد التباهي بها سواء اليومية أو الحياتية بشكل عام، وقد أثبتت العديد من الدراسات أن مدى شهرة الفرد وشعبيته على مواقع التواصل الاجتماعي تساهم في جزء كبير من تقديره لذاته، ولذلك قد يسعى هذا الفرد لمزيد من هذا التقدير حتى تزيد متعته من استخدام السوشيال ميديا، والتي كما ذكرنا سلفًا تساهم في إفراز الدوبامين ولكن للمتعة المؤقتة.

وإذا شعرت للحظة أن التفريق بين ما تحتاجه وما تريده يصعب الوصول إليه، اسأل نفسك عندما تقبل على أي تصرف بعد أن تقرأ هذا التقرير، هل هذا الفعل سيمنحني الشعور بالمتعة أو الرضا، وبعنى آخر إذا لم يكن شخص آخر يشاهدني وأنا أفعل ذلك الشيء هل سأقبل عليه، بمعنى؛ هل ستذهب إلى هذا المطعم الفاره وتأكل تلك الوجبة إن لم تنشر لها صورة على موقع التواصل الاجتماعي، وهل تريد ان تسمع تلك الأغنية بالفعل دون أن تشاركها مع أصدقائك على صفحتك الشخصية؟

هذا مقياس صغير ومؤشر بسيط يمكنك من خلال التفريق بين ما يمنحك المتعة المؤقتة وما يتراكم ليمنحك إحساس الرضا كما وصفه السكان الأصليون لجبال الهمالايا بأنه «هنا والآن» دون التفكير في نظرة الآخرين لإنجازك، ودون الشعور بضرورة استعراض إنجازك أمام الآخرين. ما يؤكده الطب النفسي أن الشعور بالرضا يندرج تحت بنده أيضًا التمتع وحتى شعور السعادة بمفاهيمها الفلسفية المتعددة، ولكن ليس بالضرورة أن تتضمن المتعة الشعور بالرضا والسعادة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد