في العصور الوسطى، كانت المعرفة الطبية في أوروبا المسيحية غارقة في الجهل والضلال، وكان الأطباء الأوروبيون أشبه بالسحرة، مجردين من المعرفة، وتقيدهم عقلية ثقافية استهزأت بعملهم بوصفه تحديًا للإرادة الإلهية؛ إذ أصرت الكنيسة على أن المرض ناتج من مس شيطاني، أو قوى خارقة للطبيعة؛ عقابًا على الخطيئة؛ ومن ثم كان العلاج الوحيد للمرض عبر الوسائل الدينية.

كانت الروشتة الطبية في الغالب تشمل تعيين قديس لكل مرض، يعمل على توجيه المريض، وعائلته، وأصدقائه، والمجتمع للصلاة طلبًا للشفاء. وعارضت الكنيسة أي شيء يُنقذ الجسد لكنه يخاطر بالروح؛ فمنع البابا الجراحة لكونها تُشكل خطرًا على فرصة الجراحين في الخلاص. وجرى استبدال الأطباء برجال دين مقتنعين بأن دور الطبيب ليس العلاج، بل دراسة أعمال وكتابات الأطباء الآخرين والتعليق على عليها.

على الجانب الآخر، مع انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي، بُعثت العلوم في ثوب جديد. واشتهرت بغداد خاصةً بروح علمية متجددة، يبحر فيها العلماء والدارسون من المعلوم إلى المجهول، يدرسون الظواهر العلمية بدقة، ولا يقبلون بشيء على أنه حقيقة مطلقة، ويرفضون كل ما لم يُبنَ على التجربة.

وفي الأندلس، تأسست مدارس الطب في إشبيلية، وطليطلة، وقرطبة وغيرها. وكان من أشهر أساتذتها: الزهراوي، وابن رشد، وابن زُهر، الذي يلقب بـ«أبو الجراحة التجريبية». فما قصته؟ وكيف أسهم في تطور الحركة الطبية في بلاد الأندلس وكشف ظلمات العصور الوسطى الأوروبية؟

أسرة بني زُهر الأندلسية.. عائلة الأطباء والفقهاء

كانت عائلة بني زهر الأندلسية من العائلات الشهيرة بتوارث العلم، والأدب، والوزارة، ويرجع نسبهم إلى زهر بن إياد بن معد بن عدنان، أحد أجداد الجنس العربي.

كان الجد الأكبر، محمد بن مروان بن زهر الفقيه، فقيهًا اشتهر بالعلم والفصاحة والكرم. وقد أنجبت العائلة خمسة أجيال من الأطباء، من بينهم جَدُّ ابن زهر ووالده، إلا أن ابن زهر تفوق عليهم جميعًا، وأصبح أحد أعظم الأطباء في العالم الإسلامي، وأكبر أطباء الأندلس.

لوحة متخيلة للطبيب ابن زُهر

ولد ابن زهر حوالي عام 1090م في إشبيلية، ودرس الأدب والفقه، وتخرج في جامعة قرطبة، ثم تعلم الطب على يد والده أبي العلاء بن زهر، الذي كان طبيبًا رائدًا في عصره، وعُيِّن وزيرًا في دولة المرابطين. وقد تولى الأب تعليم ابنه وتدريبه على الممارسة الطبية، التي كانت الأكثر تقدمًا في العالم آنذاك.

وقد أظهر ابن زهر تفوقًا ونبوغًا في الطب، وكان يميل إلى إجراء التجارب العملية بنفسه واكتشاف المجهول، فيقول: «إن التجربة إما أن تصدق قولي حيًّا كنت أو ميتًا وإما أن تكذبه». وكان ابن زهر منذ صغره صديقًا مقربًا للطبيب والفيلسوف الشهير ابن رشد، الذي قال عنه: «إنه أعظم الأطباء بعد جالينوس».

وبالإضافة إلى تفوق الأطباء الذكور في عائلة بني زهر، كانت ابنة ابن زهر وابنتها طبيبتين مشهورتين، وكانت لهما خبرة جيدة في مجال النساء والتوليد، حسبما قال ابن أبي أصيبعة، المؤرخ الطبي الشهير من القرن الثالث عشر، في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء».

وقد مهد ذلك لتقليد أصبح شائعًا في المجتمعات المسلمة حتى الوقت الحاضر، ألا وهو قبول النساء طبيبات. في الوقت الذي كانت فيه المرأة الأوروبية منبوذة في تعاليم الدين، وينظر إليها على أنها الخطيئة الأصلية، وأقل شأنًا من الرجل. كذلك، لم تتخرج أول طبيبة في الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 1849، وفي إنجلترا عام 1870، وإسكتلندا عام 1894.

مسيرة علمية مميزة بدأت من غياهب السجون

في بداية مسيرته المهنية، عمل ابن زهر مع أمراء دولة المرابطين، حتى خرج عن سلطة حاكمها، علي بن يوسف بن تاشفين، الذي ألقى القبض على ابن زهر لأسباب غير واضحة – ربما لتعاطفه مع دولة الموحدين الصاعدة حينها – وسجنه لنحو 10 سنوات، بحسب ما جاء في كتاب «الطبيب ابن زهر الأندلسي – رائد التجريب».

بعد زوال دولة المرابطين، وقيام دولة الموحدين، أُفرج عن ابن زهر الذي خرج من غياهب السجون إلى قصور الأمراء، حيث عمل طبيبًا ووزيرًا مع عبد المؤمن مؤسس الدولة الموحدية، الذي تغمد ابن زهر بالرعاية والاهتمام، ما مكَّنه من تأليف أفضل كتبه في الطب.

كان ابن زهر يعتمد المنهج التجريبي في عمله، فكان يجرب العمليات الجراحية على الحيوانات أولًا، قبل إجرائها على المرضى البشر. يقول ابن أبي أصيبعة إنه «كان جيد الاستقصاء في الأدوية المفردة والمركبة، حسن المعالجة، قد ذاع ذكره في الأندلس وفي غيرها من البلاد، واشتغل الأطباء بمصنفاته، ولم يكن في زمانه من يماثله في مزاولة أعمال صناعة الطب».

وقد وافق العلم المعاصر في تحديد عدد عظام الجمجمة، والأغشية الخارجية والداخلية لها، وحدد أيضًا عدد أغشية الدماغ بثلاثة أنواع تُعرف اليوم بـ«السحايا». فضلًا عن أنه أول من اكتشف الغشاء الخاص بعظم القحف المعروف اليوم بالسمحاق. وكان أول من أطلق مصطلح «أوعية الدم»، وكان يُفرِّق بين العروق الضوارب (الشرايين)، والعروق غير الضوارب (الأوردة).

وتوصل أيضًا لاكتشاف الشعيرات الدموية، وهو أول من وصفها بأنها رقيقة كالشعر؛ ليسبق بذلك عالم التشريح الإيطالي، مالبيجي، بحوالي 532 عامّا في وضع أول التصورات العلمية حول الشعيرات الدموية، قبل ابتكار المجهر المكبر.

وفي دراسته للأعصاب، تمكن من التفريق بين الأعصاب الحسية والحركية، وطبيعة كل منها ووظيفتها، وأماكن وجودها في الجسم البشري. وكان أول من تحدث عن الخلية العصبية، وحدد ما يعرف اليوم بالزوائد الشجيرية.

«أعظم طبيب في العالم أجمع».. ابن زهر أبو الجراحة التجريبية

«تميز عن غيره في حقل الطب في شرق وغرب الدولة الإسلامية، بل إنه أعظم طبيب في عصره في العالم أجمع». *المستشرق جورج سارتون

كرّس ابن زهر حياته لدراسة الطب، فكان أول عالم مسلم يكرس نفسه للطب فقط، وركز على التدقيق العلمي والتجربة. وقد توصل إلى نتائج دقيقة لا يمكن استنتاجها إلا من خلال دراسات وملاحظات سريرية، ما يجعله طبيبًا تجريبيًّا بحق، فتح آفاق البحث الطبي لمن جاء بعده. وساهم في تطور الجراحة بطريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة.

مصدر الصورة: البيان

أما المباشرة؛ فقد أثرى ابن زهر المعرفة الجراحية والطبية من خلال وصف عديد من الأمراض والابتكارات العلاجية، التي لم يسبق وصفها من قبل. مثال على ذلك، اكتشافه لإمكانية التغذية عن طريق أنبوب يمر إلى المعدة مباشرةً، ليضع بذلك أولى التصورات لما يعرف اليوم بالتغذية الاصطناعية، ويصبح أول طبيب مسلم يشرح طريقة التغذية الاصطناعية والقسرية عن طريق الشرج أو الحلقوم.

كذلك، كان أوَّل من أجرى عملية شقِّ الحجاب الحاجز، فكان يشق الصدر ويطهره. وأجرى عديدًا من البحوث حول قُرح الرأس، والفم، والأنف، والعيون، والأسنان، وأمراض القلب والرئة، وأنواع الحمى والأمراض الوبائية، وميَّز بين التهاب الرئة والتهاب غشاء القلب.

وقد وصف في كتابه «التيسير في المداواة والتدبير»، الذي تُرجم لاحقًا إلى العبرية واللاتينية، التهاب التامور الخطير (التهاب الكيس الغشائي المحيط بالقلب)، والخراجات المنصفية (التي تصيب الأعضاء والأنسجة في التجويف الصدري فوق الحجاب الحاجز بين الرئتين)، والإجراءات الجراحية لثقب القصبة الهوائية (tracheotomy) لإنعاش حالات الاختناق الحاد، وإزالة حصى الكلى، وعلاج المياه البيضاء، وناقش أيضًا اتساع حدقة العين وانقباضها. وكان يؤمن بإمكانية الوقاية من تكون حصوات المسالك البولية، عبر إدارة النظام الغذائي.

وعن مساهمته غير المباشر في تقدم الجراحة، فكانت عبر إصراره على وجود برنامج تدريبي منظم وخاضع للإشراف الجيد للجراحين الجدد، قبل السماح لهم بالعمل المستقل، وتأكيده على أهمية إلمام المتدرب الجراحي بعلم التشريح جيدًا. ورسم أيضًا الخطوط الحمراء التي يجب أن يتوقف عندها الطبيب، خلال إدارته العامة لحالة جراحية؛ الأمر الذي ساهم في تطور الجراحة العامة تخصصًا مستقلًا بذاته.

مؤلفاته وإسهاماته في نهضة الطب في أوروبا

ذكر ابن أبي أصيبعة أن ابن زهر ألَّف سبعة كتب، لم يبق منها إلا ثلاثة فقط، أشهرها «التيسير في المداواة والتدبير»، الذي يعد موسوعة طبية شاملة وضع فيها ابن زهر ثمار معرفته في الطب، وأهداه لصديقه ابن رشد، الذي ألف فيما بعد كتاب «الكليات في الطب»، وكان كل من الكتابين يكمل الآخر.

وكان لكتاب «التيسير» أثر كبير في نهضة الطب في أوروبا، حيث جرى اعتماده في مقر التدريس بمعهد الطب بجامعة مونبلييه خلال القرن 14، وكان يعد وقتها أهم مصدر لطلاب العلوم الطبية. وامتد تأثير ابن زهر في الطب الأوروبي حتى القرن 17 م، بفضل ترجمة كتبه إلى اللاتينية والعبرية.

تاريخ

منذ سنة واحدة
قصة الشاعر الأندلسي الذي اكتشف أثر العدوى قبل لويس باستور

وقد ساهمت تجاربه في تطوير المدرسة التجريبية التي بدأها الطبيب أبو بكر الرازي، في بغداد خلال القرن التاسع. وكان لها دور كبير في التطورات التي أدخلها الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، في الدراسة والبحث العلمي في أوائل القرن 17، وتأسيس الثورة العلمية الحديثة في أوروبا المبنية على الملاحظة والتجريب.

فضلًا عن ذلك، ألَّف ابن زهر كتاب «الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد»، الذي يضم خلاصة للأمراض والأدوية، والحفاظ على الصحة، والطب النفسي. إلى جانب كتاب «الأغذية والأدوية» الذي يصف فيه مختلف أنواع الأغذية، مثل العسل، وأثرها في الصحة، وأهدى هذا الكتاب لمحمد عبد المؤمن بن علي أمير دولة الموحدين.

وتوفي ابن زهر في إشبيلية عام 1162م، لتبقى مؤلفاته وإسهاماته شاهدًا دامغًا على أن الطب في الحضارة العربية الإسلامية لم يكن نسخة عن الطب اليوناني كما يزعم بعض المتعصبين للتراث الإغريقي، ولكنه فتح آفاقًا جديدة في مسار تطور العلوم الطبية في الشرق والغرب.

المصادر

تحميل المزيد