يعتبر ملف العدالة الانتقالية بعد ثورات الربيع العربي هو من الأكثر الملفات صعوبة، ودائمًا ما يثار حول هذا الملف الشائك الجدل والخلافات، ويبدو أن ثورة “الياسمين” بتونس – مُلهمة ثورات الربيع العربي- لم يسلم ملفها في العدالة الانتقالية من الصعوبات، فبالرغم من أن تلك الثورة يُنظر إليها على أنها تتقدم نسبيًّا نحو تحقيق أهدافها عن نظيراتها بدول الربيع العربي، فلا يزال الخلاف قائمًا حول آليات وسبل العدالة الانتقالية.

خلاف تبلور بشكل واضح إثر مشروع قانون المصالحة الوطنية أو الاقتصادية الذي أصدره، الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في منتصف يوليو الماضي، وصادق عليه مجلس الوزراء، واستقبله الشارع السياسي التونسي بين مؤيد ومعارض، في انتظار قبوله أو رفضه من خلال التصويت على القانون في البرلمان.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أهم ما جاء في مشروع قانون المصالحة “الاقتصادية”، وأبرز المؤيدين والمعارضين له مع ذكر أسباب وآليات التأييد والرفض:

1- بداية ما هو القانون؟

“حان الوقت لتجاوز حقبة الماضي ولا بد من مصالحة وطنية”.

هكذا قال “السبسي” تمهيدًا وتبريرًا لقانون المصالحة الاقتصادية، الذي يهدف إلى: “طي صفحة الماضي وإغلاق الملفات المرتبطة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام”.


وحوى مشروع القانون 12 فصلًا وارتكز فحواه على عدم التتبع القضائي في قضايا الفساد المالي للموظفين العموميين بالدولة ورجال الأعمال السابقين – فيما عدا قضايا الرشوة والاستيلاء على المال العام- وفي المقابل إعادة الأموال بناءً على لجنة تم تشكيلها تنظر في طلبات الصلح وتقر ما يمكن الصلح بشأنه من عدمه، وما تقره اللجنة للصلح تقدر قيمته ماديًّا على أن يتم إعادة دفعها بزيادة 5% عن كل سنة من تاريخ الحصول على الصلح.

وهذه أهم فصول مشروع القانون:

“الفصل 1:
يندرج هذا القانون في إطار تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار، وينهض بالاقتصاد الوطني، ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة. ويهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيًّا وطيّ صفحة الماضي تحقيقًا للمصالحة باعتبارها الغاية السامية للعدالة لانتقالية.

الفصل 2:
توقف التتبعات أو المحاكمات أو تنفيذ العقوبات في حق الموظفين العموميين وأشباههم من أجل أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام، باستثناء تلك المتعلقة بالرشوة وبالاستيلاء على الأموال العمومية.

الفصل 3:
يمكن لكل شخص حصلت له منفعة من أفعال تتعلق بالفساد المالي أو بالاعتداء على المال العام تقديم مطلب صلح إلى لجنة مصالحة برئاسة الحكومة يشار إليها فيما يلي باللجنة، وتتركب من:

– ممثل عن رئاسة الحكومة : رئيس.

– ممثل عن الوزارة المكلفة بالعدل.

– ممثل عن الوزارة المكلفة بالمالية.

– عضوين عن هيئة الحقيقة والكرامة.

– المكلف العام بنزاعات الدولة أو من يمثله.

الفصل 5:
تقدر اللجنة قيمة الأموال المستولى عليها أو المنفعة المتحصل عليها بعد التثبت من صحة المعطيات الواردة بمطلب الصلح ويمكنها للغرض المطالبة بالوثائق الضرورية والقيام بكل إجراء تراه مناسبًا. ولا يجوز معارضتها بالسر المهني.

يتم الصلح بمقتضى قرار يُمضى من رئيس اللجنة ومن المعني بالأمر مقابل دفع مبلغ مالي يعادل قيمة الأموال العمومية المستولى عليها أو المنفعة المتحصل عليها تضاف إليها نسبة 5 % عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك.

ينص قرار الصلح وجوبًا على طبيعة الأضرار وقيمتها، وعلى قبول الأطراف به واعتباره نهائيًّا غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن أو الإبطال أو دعوى تجاوز السلطة. لا يسري الصلح إلاّ في حدود ما تمّ التصريح به والتصالح في شأنه”.

 

 

2- مانيش مسامح:

 

المصدر صفحة الحملة على الفيس بوك

 

دشن معارضون للقانون حملة “مانيش مسامح” (أي لن أسامح) رفضًا لقانون المصالحة الاقتصادية، وتأتي هذه الحملة التي أطلقها حركة مجتمع مدني تضم معارضين مستقلين، جنبًا إلى جنب مع الاتحاد العام التونسي للشغل وعدد من الأحزاب السياسية التونسية ومن أبرزها: “الجمهوري”، و”التيار الديمقراطي”، و”التكتل من أجل العمل والحريات”، و”التحالف الديمقراطي”، و”حركة الشعب”، و”الجبهة الشعبية”، و”المؤتمر من أجل الجمهورية”.

واعتبر المعارضون أن القانون تطبيع مع الفساد وجاء لـ”تبيض الفاسدين”، وقد يرسخ لمبدأ الإفلات من العقاب، ويربطه البعض بأسباب سياسية ترتبط بالعفو عن رجال أعمال فاسدين كانوا قد دعموا “السبسي” في حملته الانتخابية، و”تلبية للوعود التي وجهها الثنائي الحاكم، حزبا “النهضة” و”نداء تونس”، لرؤوس الأموال الذين دعموا حملتيهما الانتخابية”، بحسب هالة يوسفي أحد أعضاء حملة مانيش مسامح.

وتنوعت سبل وآليات المعارضة إلكترونيًّا وميدانيًّا، إذ تعدت صفحة “مانيش مسامح” على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” الـ15 ألف مشارك، وأطلق التيار الديموقراطي خلال صفحته في “فيس بوك” حملتين ضد قانون المصالحة المالية والاقتصادية، الأولى بعنوان “#لا_لداعس” أي “لا لدولة الفساد وعصابة السراق”، والثانية جاءت الحملة تحت عنوان :”كي نتحاسبوا تو نتصالحوا” أي “لنتحاسب أولًا ثم نتصالح”.

وميدانيًّا دعت حملة “مانيش مسامح” إلى التظاهر يوم أمس – 12 سبتمبر- بشارع الحبيب بورقيبة وأعلنت الأحزاب المعارضة سالف الذكر مشاركتها، ودعا الرئيس السابق منصف المرزوقي للتظاهر السلمي ضد القانون.

وجاءت تظاهرات السبت بأجواء محفوفة بالمخاطر، إذ إنها أقيمت في ظل فرض حالة الطوارئ التي تم فرضها بعد تفجير سوسة في يونيو، وامتدت شهرين إضافيين في نهاية يوليو، كما أن وزارة الداخلية التونسية كانت قد رفضت إعطاء تصاريح للتظاهر، وكانت قد فرقت احتجاجات في شارع الحبيب بورقيبة وعدد من المحافظات الأخرى في بداية الشهر الجاري جاءت رفضًا للقانون نفسه، وتواردت أنباء عن تعرض محتجين لاعتداءات من قبل قوات الأمن آنذاك، ولكن يبدو أن احتجاجات الأمس مرت بسلام.

3- رجًع الفلوس:

في المقابل يؤيد عدد من الأحزاب السياسية في تونس قانون المصالحة، على رأسها حزب “نداء تونس” الحزب الحاكم بتونس والذي ينتمي إليه الرئيس “السبسي” بالإضافة إلى شريكيه في الحكم “آفاق تونس” و”الاتحاد الوطني الحر”.


والذين ينظرون إلى القانون باعتباره يساعد على الإنعاش الاقتصادي للاقتصاد التونسي – المتدهورالذي بلغت نسبة نموه مؤخرا 0.7%- وزيادة الاستثمار لمساعدة المناطق الفقيرة، رافضين ما يتردد بأن القانون “يساعد على تبييض الفساد” ويرونه يساعد على العدالة الانتقالية واسترجاع الأموال المجمدة.

ويعلق محسن مرزوق الأمين العام لحزب نداء تونس على قانون المصالحة: “مشروع قانون المصالحة الاقتصادية يقوم على شعار “#‏رجع_الفلوس” والأموال التي ستسترد ستخصص للمناطق المحرومة، ومشروع القانون هو تصور لاسترجاع وخلاص أموال الدولة التي تمت حيازتها بطريقة غير شرعية مع إلزام الشخص بدفع غرامة مالية، وكل من يقف ضد هذا القانون هو ضد استرجاع الدولة لأموالها دون ابتزاز وفي آجال سريعة”.


4- “النهضة” لم يحسم موقفه!


 

 


لم يحسم حزب النهضة التونسي موقفه من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، وكون لجنة فنية من الخبراء والمختصين داخل الحزب لدراسة المشروع وقرائته بشكل مفصل لحسم موقفه. من مشروع القانون، وتشير تصريحاتهم إلى قيول مبدأ المصالحة بشكل عام كمبدأ وخيار وطني ثابت للحركة، بحسب تعبير نور الدين لبحيري رئيس حركة كتلة النهضة الذي أكد أن: “
النهضة لا ترفض القانون رفضًا مطلقًا، ولا تقبله دون قراءة بنوده ودراسته فصلًا فصلًا”.

 

“نعم لازم للمحاسبة وما في إفلات من العقاب ولكن ليس بروح الانتقام والتشفي والثأر”.

 

هكذا علق رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي على قانون المصالحة، مشيرًا إلى “أن القانون غير مرفوض مبدئيًّا ولكنه يحتاج إلى تعديلات”.

 

المصادر

تحميل المزيد