«بغريرة»، «بريوة».. كلها أسماء لحلويات مغربية، مكانها الطبيعي داخل المطبخ، أو على الموائد الشهية. غير أن مصادفتها داخل المناهج التعليمية المعتمدة أمر اعتبره البعض غريبًا، وأثار موجة ردود فعل متباينة حوله وسط الرأي العام المغربي.

الدارجة «سبيل النجاح»؟

هذا كان شعار أول ندوة دولية حول التعليم بالمغرب تقيمها جهة غير حكومية، وهي جمعية «زاكورة» برئاسة رجل الأعمال البارز نور الدين عيوش. ففي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2013 احتضنت مدينة الدار البيضاء الندوة بحضور عدة شخصيات هامة في جهاز الدولة من مستشارين ملكيين، ورئاسة المجلس الأعلى للتعليم، ووزراء سابقين، إضافة إلى خبراء دوليين في مجال التربية والتعليم، ومختلف الأوجه من الفعاليات الجمعوية والحزبية المغربي.
عاد بذلك عيوش لساحة الزخم الاجتماعي، لا لشهرته في عالم المال والأعمال، بل عبر ما خلصت له الندوة من توصيات كان أهمها، وأكثرها إثارة للضجة: الدعوة إلى اعتماد اللهجة الدارجة المغربية في التعليم.
ثارت ثائرة البعض على عيوش، والمستغربين والمتسائلين عن علاقته بالتعليم، باعتبار أن الرجل يفتقر إلى الخلفية الثقافية، والأدوات المعرفية التي تخوّل له التدخل في شأن كهذا، وكان لسان حال البعض يقول: «هو رجل أعمال، فليبق في مجال اختصاصه دون الإفتاء في أمور هو بعيد عنها».
لكن الرجل كان له رأي آخر يجيب خلال حواره مع المفكر عبد الله العروي، في البرنامج الحِواري الأسبوعي «مباشرة معكم» الذي تعرضه القناة الثانية المغربية، بما مفاده: أن لديه تجربةً في هذا الأمر تمتد على طول 20 سنة من الممارسة؛ كون قصته مع التربية تعود إلى أول نشاطاته بمجال القروض الصغرى.

ويقول عيوش في ذات الحوار: «إن من المشاكل العويصة التي اعترضتنا هو الأمية المتفشية في أوساط المستفيدين»؛ هذا ما دفع جمعيته لإنشاء مراكز تعليم ومدارس غير نظامية، غير أن المشكلة لم تحل مادامت المعرفة لم تصل للمستفيد، الذي بالضرورة لا يفهم اللغة الفصحى. هكذا كان التوجه عند عيوش – برأيه، بدافع التجربة – إلى اللغة الأم، والتي يرى فيها الحل الأمثل للهدر المدرسي سبيلًا للنجاح التعليم المغربي الذي شخصه بكونه فاشلًا ونتائجه كارثية.  

مترجم: ما السبب الحقيقي لإعادة المغرب نظام التجنيد الإجباري للشباب؟

إلى الواجهة مجددًا

عادت ضجة إدماج اللغة الأم في مناهج التدريس إلى البروز الآن بعد خمس سنوات من أول ظهور لها، بعد أن تفاجأ المغاربة بوجود مصطلحات دارجة بين دفّات المقررات التعليمية لأبنائهم. إثر هذا الحدث عصف بوسائلَ التواصل الاجتماعي كم من التعليقات المستهجنة لهذا الأمر، والساخرة والمتعجبة في الأغلب.
اعتبر البعض الأمر ضربًا من عبث، بل راحت أصوات تنسج خيوط نظرية المؤامرة قائلة: «هم يدرسون أبناءهم في المدارس الخاصة والبعثات الأجنبية، ونحن يعلموننا البريوة والبغرير».
لتدخل وزارة التعليم المغربية على خط اللغط ببيان أخرجته للرأي العام موضحة أن «اعتماد الثقافة المغربية في نصوص موجهة لتلاميذ المراحل الأولى من تعليم اللغة العربية يستند إلى منطلقات بيداغوجية تتلخص في اعتماد اختيار النصوص على مدخل الموضوعات والمجالات الأسرية والبيئية والوطنية، وعلى القراءة والفهم عبر نصوص حكائية ووظيفية».
وبررت الوزارة  تضمين تلك المصطلحات الواردة في نصوصها، بضرورة استثمار «حقول لغوية مختلفة تنسجم مع كل مجال وتثري الرصيد اللغوي للمتعلم، إذ إنه ينبغي في هذا الصدد دعم هذا الرصيد بواسطة الوقائع والأمثلة والأشياء المحسوسة المستقاة من المحيط والوسط»، كما ورد في نص البيان.
مضيفة أن إنتاج المناهج الدراسية لم يعد مهمتها منذ سنة 2002 وفق المخطط الحكومي للتربية والتعليم، والذي فوض المهمة إلى الخواص، مع المحافظة على دور لجنة المناهج بذات الحكومة في المصادقة على مختلف النصوص المدرسية.

لم يجعل هذا الحدث عيوش في معزل عن الانتقاد، واللمز بدوره في هذه القضية، وهو الذي تم تعيينه عضوًا في المجلس الأعلى للتعليم من طرف الملك، منذ سنة 2014. وفي تفاعل مع ذلك يستنكر الأستاذ مصطفى قدري، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، قائلًا: «كيف أن قضية التعددية اللغوية بالمغرب لم تكن مشكلة في الماضي، حتى تعود كذلك في هذا العصر؟».

مبينًا أن التعليم العصري المغربي – ما بعد الاستقلال – يعتمد على قواعد كولونيالية (استعمارية)، عكس فترة ما قبل الاستعمار التي كان يتم بها التدريس الأولي باللغة الأم في كتاتيب تقليدية. ويرى قدري أن بداية المشكل التعليمي تنطلق من هنا، أي عندما تناقض المدرسة اللغة المستعملة خارجها، في وقت يستعصي على الطفل في سنه الصغير مجاراة هذا التناقض وفهمه.
كما يشير إلى استشفاف الحكمة من التجارب الأفريقية من السنغال وساحل العاج الذي يتم التدريس فيهما بالنسبة للتعليم الأولي باللغات الأم الشعبية.

بالنسبة لنور الدين عيوش – وكما يظهر لكل متتبع للمشهد الداخلي بالمغرب – فرسالة الرجل وصلت، قد تتحقق أو لا، المهم في الأمر أنها أصبحت في علم معظم المغاربة، شعبًا وأصحاب قرار. ومن ثم فقد  اختار الرجل الانسحاب من المشهد، كما تخبرنا عدة تقارير صحافية، أهمها ما نشرت جريدة «تيلكيل بالعربي» عن مصدرها قائلًا: «إن عيوش اتخذ قرار وقف نقاش التدريس بالدارجة بشكل نهائي، وقرر أن يخلد للراحة قليلًا».

ضد القطيعة.. انتصار للغة العربية

لم ترق دعوة عيوش لعدد كبير من المغاربة؛ ما جعل مجموعة من المهتمين يتدخلون للفصل في الأمر، أمر اعتبرته شريحة كبيرة منهم باطلًا.
يتساءل المفكر المغربي عبد الله العروي في حوار له من خمسة أجزاء نشرته جريدة «الأحداث المغربية»، إذا ما كانت الدعوة إلى استعمال اللغة الأم في التدريس الأولي أمرًا نافلًا، بدعوى أن المدرسين في هذه الفصول أساسًا يستعملونها كلغة تواصل، في وقت يتعذر عليهم هذا التواصل بالعربية الفصحى.
من هنا، وفي تحديد دقيق للمفاهيم، يفرق العروي بين مستويين في اللغة؛ المستوى الشفوي وهو المنطوق الشعبي، الوظيفي في الحياة،. والمستوى المكتوب الذي عليه تتأسس الحضارة البشرية، وتقوم المعرفة والعلوم. هكذا يخلص إلى أن نقل الدارجة المغربية من مستوى إلى آخر، إضافة إلى كونه إهدارًا للوقت والجهد، فهو يحيلنا على معضلة أكثر استعصاء هي رسم تلك اللغة المفترضة. «فمن جهة إذا تم رسمها بالحرف اللاتيني لم تعد دارجة عربية» يصرح العروي، «ومن جهة أخرى إذا رسمناها بالحرف العربي ماذا سيكون الفرق بينها وبين اللغة العربية؟»، بحسب العروي.
ويضيف أن الدارجة لغة محدودة المفاهيم، وظيفية في الشغل اليومي وفقط، لا يمكنها أن تعبر عن معارف وأفكار أكثر مما هو ضروري في واقعها، وبالتالي فالدعوة إلى التدريس بها غرضه خلق أجيال محدودة المفاهيم، ووظيفية داخل حلقة الإنتاج فقط. مشيرًا إلى أنها «أجندات اليونسكو والبنك الدولي، التي تم تطبيقها في دول أفريقيا، وهدفها هو خلق يد عاملة رخيصة وضيقة المعارف، بيد أن هذه الحالة لا تنطبق على المغرب، ولا يجب عليها أن تنطبق عليه».

في حين يقر الرجل بأن اعتماد اللغة الأم في التعليم له أعراض جانبية أخرى أهمها عزل المغرب عن امتداده الحضاري العربي، هكذا يعلنها حاسمة: «أن أعمل على تطوير لغة تمكنني من التواصل مع أكثر من 300 مليون نسمة خارج الحدود، ويشترك معي في العمل عليها خبراء من كل العالم العربي، أحسن لي من الدخول في عزلة عنهم».

هذا، وعلّق الكاتب وأستاذ العلوم السياسية المغربي حسن أوريد على القضية، قائلًا: «من الصعب اعتماد الدارجة لغة وطنية». معتبرًا أن إدخالها إلى المناهج التعليمية خطوة أولى لترسيم الدارجة لغة للمملكة. كما تساءل: «هل المغرب دولة قادرة على تحمل تبعات هذه القطيعة؟»، ليجيب بكون الصعوبة لا تتلخص فقط في العمل على العامية لإرجاعها لغة معيارية مقعّدة، بل في كون ترسيمها قطيعة مع تاريخ المغرب، وكذا مع امتداده الحضاري والثقافي العربي الإسلامي، وهذا ما أعتبره أمرًا خطيرًا لا يجب الوقوع فيه.

لينتهي بأن الخطورة تكمن في ظن البعض أن إصلاح المنظومة التربوية رهين بتبني التدريس بالدارجة، واصفًا هذا الظن بالتبسيط والاختزال للمشكل التعليمي بالبلاد، والكسل الفكري من طرف الداعين له.

«البيدوفيليا» في المغرب.. كيف تتعامل الحكومة مع الشبح الذي يؤرق البلاد؟