ربما تتطابق التكنولوجيا المتقاربة وذات الاستخدام المزدوج أو تتفوق على القدرات النووية القائمة وترسانات الأسلحة التقليدية خلال العشرين عامًا التالية. بالنسبة لكاتب المقال روبرت ماكرايت، لا بد من أخذ المخاطر التي تمثلها تلك التكنولوجيا على محمل الجد، خاصة وأنه من المؤكد اتجاه الدول نحو استخدامها في القريب العاجل.

مع استمرار زيادة تعقيد التكنولوجيات المتقدمة، ثمة أسئلة صعبة نحتاج إلى طرحها عن المخاطر المحتملة للأسلحة ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن أن تعرّض الاستقرار والأمن في هذا الكوكب للخطر. يمكن للدول التي تمتلك منظومات الأسلحة ذات درجة عالية من التطور بالفعل اكتساب مزايا هامة من ظهور هذا النوع من الأسلحة. في الواقع، ليس من المتصور أنه في غضون 15-20 سنة ستتطابق أو تتجاوز أو تبطل التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج المتقدمة قدرات الترسانات النووية والتقليدية القائمة. فما آثار هذا على الأمن الدولي؟

 

عصر جديد من التكنولوجيا المتقدمة

تنطوي التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج المتقدمة على مخاطر كبيرة من إطلاق سباق تسلح على مدى السنوات 15-20 القادمة. وبالمثل، فالمخاطر التي تنطوي عليها ما تسمى بـ”التكنولوجيات المتقاربة” قد تكون أشد فتكًا. تعكس التكنولوجيات المتقاربة مزيجًا من اثنين أو أكثر من التقنيات المتقدمة لإنشاء تكنولوجيا أكثر تقدمًا ذات أهمية استراتيجية أكبر. مثال على ذلك قد يكون المزج الصريح لعلم أمن المعلومات مع الروبوتات والذكاء الاصطناعي لإنتاج نوع جديد من الروبوت المحاربة. وتشمل التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج المتقدمة الأخرى علم الروبوتات وعلم الجينوم، وتكنولوجيا النانو والتقنيات العصبية والضوئيات واستخدام أشعة الليزر. فهذه التكنولوجيات لم تعد مقتصرة على عالم الخيال العلمي.

إن بزوغ فجر هذه التكنولوجيا المتطورة ذات الاستخدام المزدوج ليس وليد اللحظة. ففي عام 1945، كانت الآثار المترتبة على الحقبة النووية الجديدة بالكاد مفهومة. ومع ذلك، سعت عدة دول لامتلاك صواريخ جديدة وأقمار صناعية وطائرات هجومية وغيرها من التقنيات لزيادة قدراتها الهجومية ومجاراة قدرات الدول الأخرى. فقد أرادت هذه الدول امتلاك وسيلة تمكنهم من ردع خصومهم.

في العقود الأولى من القرن الـ 21، ازدادت الشهية العالمية انفتاحًا نحو الأسلحة الأكثر تطورًا من الناحية التكنولوجية. فبالإضافة إلى العديد من دول الاتحاد الأوروبي، سعت دول في شرق آسيا والشرق الأوسط فضلًا عن روسيا والصين للتنافس من أجل الهيمنة في مجال العلوم والتكنولوجيا.

وبطبيعة الحال، فإن التقدم في مجال العلوم والتكنولوجيا أيضًا يعود بالفائدة على المجتمع، ويعزز من الصحة العامة ويساعد في القضاء على الجوع وغيرها من الأمور. وهذا يعني أن السعي خلف تلك التقنيات له قيمة غير محدودة. ومع ذلك، تفترض هذ النظرية أن الجانب السيء من هذه التقنيات لن يظهر أبدًا. ولهذا فإن توقع سوء استخدام العلم والتكنولوجيا لأغراض مدمرة وشريرة له أهمية حاسمة.

على مدى العقد المقبل، فإن الدول التي امتلكت بالفعل هذه التكنولوجيا أو التي هي في طور الحصول عليها ستميل إن عاجلًا أو آجلً للدخول في سباق التسلح العالمي لاستخدامها. ولذلك لا بد من أخذ المخاطر التي تمثلها تلك التكنولوجيا على محمل الجد.

 

ما الذي يجب عمله؟

أولًا، يجب أن ندرس ما علينا فعله إذا فتحت التكنولوجيات المتقدمة الباب أمام نظم أسلحة جديدة وقوية. فليس من المرجح أن منظومة الأمم المتحدة يمكنها أن تحد من انتشار عالمي لهذه التكنولوجيات الجديدة. قد ترى بعض الدول في ذلك فرصة لترقية قدراتها الاستراتيجية، بما يدفعها للسعي خلف أنظمة الأسلحة الجديدة التي يمكنها منافسة الأسلحة النووية.

ثانيًا، ينبغي أن نسأل كيف يمكن أن يغير انتشار التكنولوجيات المتقدمة والمخاطر المصاحبة له ميزان القوى العالمية. إذا كانت الضوابط المفروضة على نقل انتشار مثل تلك التكنولوجيا غائبة أو ضعيفة، سيكون من الأسهل بالنسبة للدول للحصول على هذه التقنيات المتقدمة لتعزيز ترساناتها. كما أن التحول غير المتوقع في التوازن العالمي للقوة مكلف ومحفوف بالمخاطر.

ثالثًا، ينبغي أن نسأل ما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا وعلى استعداد لتأخير وإعادة توجيه أو كبح جماح أكثر أشكال التكنولوجيا المتقاربة تهديدًا. وفي حين أن الآليات الدولية بعيدة عن الكمال، فهي تتطلب رصدًا مستمرًا من قبل تحالف دولي موسع من أجل منع تسريب وانتشار وسرقة تلك التكنولوجيا.

رابعًا، يجب علينا تحديد ما يمكن فعله لمنع أو تأخير أو إعادة توجيه أنظمة الأسلحة الفتاكة. إذا أمكن تنفيذ تدابير دولية غير عادية الآن لوقف تطوير وانتشار التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج المتقدمة، لن يكون هناك أي ضمان لفعاليتها.

إن تجنب التبعات السيئة للتكنولوجيا المتقاربة له أهمية حاسمة. ومع ذلك، وبالنظر إلى تبادل البيانات العلمية والتعاون عبر الحدود والتبادل غير المقيد للبيانات العلمية والتقنية في مجال الروبوتات وتكنولوجيا النانو وعلم الأعصاب وغيرها من المجالات حول العالم، فقد لا يكون من الممكن تطبيق آلية موثوقة لتقييد ومراقبة انتشار هذه التكنولوجيا. لا يوجد إجماع حقيقي حول ما يجب القيام به وأفضل السبل للمضي قدمًا.

أخيرًا، إذا كان لا يمكن منع ظهور تكنولوجيات حديثة ومتقاربة ذات مخاطر تسليح كبيرة خلال 10-15 سنة القادمة، فما هي الآثار المترتبة على السلام والأمن العالميين؟ في الحد الأدنى، يمكن أن تشهد بعض الدول تحولات دراماتيكية في السلطة. على العموم، فإن تغير هيئة الملعب الدولي يبدو النتيجة الأكثر ترجيحًا.

بدون شك، فإن الموقف الجيوستراتيجي للعديد من الدول سيتغير بحلول عام 2025 وسوف يكون تأثير التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج المتقدمة عاملًا هامًا في هذا المجال.

على مدى السنوات الـ 65 الماضية تعلمنا أن كبح جماح شهية أكثر الدول المتقدمة لأنظمة الأسلحة الحديثة يمكن أن يكون صعبًا للغاية. المعضلة المركزية الآن هي: إلى أي مدى سيتم تشجيع التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج، والسماح بانتشارها إذا كانت تحتوي على مخاطر كبيرة على الأمن العالمي والإقليمي؟

هذه هي بعض الأسئلة التي لم يرد عليها أحد حتى الآن. والأمر متروك لنا لتحديد ما إذا كانت التكنولوجيات المتقدمة وتحقيق اختراقات في العلوم تحتوي على مخاطر أم لا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد