على مدار القرون الماضية، دأب الدبلوماسيون الغربيون على توقع النهج البراجماتي من قبل خصومهم الأيديولوجيين. وغالبًا ما كانوا يفترضون بأن أعداءنا باتوا رهينة لحسابات المصالح القومية التي تمثل دافعًا وحافزًا لمعظم الأنظمة. كما أن المصالح الاقتصادية ستطغى على الأيديولوجية والدين.

افترضوا أن قادة العالم قبل عام 1914 لن يكونوا أغبياء بما يكفي للسماح للعاطفة القومية بأن تغرقهم في حرب عالمية أولى. وبأن هتلر لن يكون مجنونًا بما يكفي لبدء حرب عالمية ثانية. وبأن الإسلاميين المتطرفين لا يريدون حقًا العودة بمنطقتهم إلى القرن الثاني عشر، وبأن السنة والشيعة لن يدعا الخلاف الطائفي أن يتحول إلى مواجهة عنيفة كما في العراق.

إن الإدارة الأمريكية تنتهج نهجًا مماثلًا هذه الأيام. إنها تراهن على أن إيران يمكنها أن تتحول إلى نظام طبيعي. نظام يمكن الاعتماد عليه لتقديم الناتج المحلي على الأيديولوجية والدين وتبني النهج البراجماتي.

لا تتعلق المفاوضات النووية الإيرانية بأجهزة الطرد المركزي وحسب، بل إنها تتعلق أيضًا بمستقبل الشرق الأوسط. وقد عكست بعض تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤخرًا عما يعتقده حول هذا المستقبل بشيء من العقلانية.

فأوباما يسعى إلى النأي بإيران بعيدًا عن تطرف الثورة وإدماجها في النظام الاقتصادي والدبلوماسي الدولي. وإذا توصلت إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي ورفع العقوبات المفروضة، فإنها ستبدو وكأنها شريك طبيعي للولايات المتحدة في المنطقة.

لمَ لا وهي دولة تحوي طبقة متوسطة متعلمة تبدي اهتمامًا بالازدهار والرخاء، وليست معادية بشكل كبير للولايات المتحدة. إن إدماج الدولة الإيرانية في الإقتصاد العالمي من شأنه أن يعزز من مواقف المعتدلين الإيرانيين، وكذا الاتجاهات الديمقراطية.

وفي حال نجحت إيران في الانخراط في النظام العالمي، فإنها ستعمل على ترويض حزب الله وحماس، وستتعاون لإيجاد حلول في غزة وسوريا والعراق. سيكون هناك توازن أكثر استقرارًا للسلطة بين القوى الكبرى. وفي مقابل حصولها على المواطنة العالمية الجيدة، فإن إيران ستكون أكثر ثراءً وأكثر تأثيرًا.

للحصول على هكذا نتيجة، فقد بات على أوباما أن يتوصل إلى اتفاق نووي مع طهران، وهو ما يسعى إليه بالفعل من خلال سلسلة من التضحيات. في عام 2012 تعهد الرئيس الأمريكي، مدعومًا بستة قرارات من مجلس الأمن، بعدم السماح لإيران بالاستمرار في برنامجها النووي.

غير أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن. فالتقارير التي تظهر هنا وهناك بشأن الصفقة تشي بأن سياسة الرجل إزاء إيران قد تغيرت.

وبحسب تلك التقارير، ستمتلك إيران الآلاف من أجهزة الطرد المركزي، وسيتم إنهاء القيود المفروضة على برنامجها النووي بشكل تدريجي خلال عشر سنوات قادمة. ولن تكون هناك قيود على صواريخ إيران الباليستية، ولا قرارات تتعلق بأنشطة التسلح الإيراني.

يأتي ذلك في الوقت الذي يخشى فيه البعض من أن منافسي إيران بالمنطقة، كالمملكة العربية السعودية ومصر، سيشعرون بالحاجة إلى وجود برامج نووية خاصة بهم، وهو قد يفضي بنا إلى دوامة من انتشار الأسلحة النووية.

كل ذلك يمكن الدفاع عنه فقط إذا أبدت إيران جدية في تغيير نهجها. ونعني بهذا النهج ألا يكون للدين أو الأيديولوجية ذات المساحة من التفكير في عقل النظام. في المقابل، يمكن لإيران أن تظل على نهجها الذي جعل منها دولة منبوذة للجيل الماضي.

أليست هي إيران التي مولت الجماعات الإرهابية وزعزعت استقرار الأنظمة كما في اليمن والمغرب. أليست هي إيران التي اتسم قادتها بجنون العظمة وبمعاداتهم للولايات المتحدة. أليست هي إيران التي ألهبت المنطقة بأسرها بمزيد من الصراع الطائفي بين السنة والشيعة.

هل نريد حقًا لإيران أن تكون دولة نووية في خضم كل ذلك؟

إذا كان القادة الإيرانيون يعتقدون حقًا فيما يقولون، فينغي على الولايات المتحدة أن تتبنى سياسات مغايرة عما تتبناه إزاء إيران في الوقت الراهن. وبدلًا من إثراء طهران، فيجب أن يتم تشديد العقوبات عليها لزيادة عزلتها وإضعافها. وبدلًا من القبول بقدرات نووية إيرانية، فيجب القضاء على تلك القدرات نهائيًّا باعتبار ذلك حجر الزاوية للسياسة الأمريكية.

وبدلًا من الاتفاق مع إيران وما يخلفه هذا الاتفاق من قلق لدى الحلفاء التقليديين كالسعودية وإسرائيل ومصر، فيجب على الولايات المتحدة أن تعمل على بناء استراتيجية إقليمية تضمن تعزيز العلاقات مع هؤلاء الحلفاء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد