تتزين مراكش هذه الأيام بحلة خضراء فاجأت الساكنة والزوار، إذ غدت بين ليلة وضحاها خالية تمامًا من مظاهر البؤس والتلوث والفوضى، بمناسبة سعي المغرب جاهدًا لإنجاح تنظيم مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 22» الجاري في مراكش.

ويسعى مؤتمر «كوب 22» للحد من الغازات الدفيئة في كوكب الأرض، غير أن فوز الرئيس الجمهوري دونالد ترامب خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة يضع مخرجات المؤتمر في مهب الريح، بسبب مواقفه غير الصديقة للبيئة.

أولًا ما هو «كوب 22»؟

مؤتمر الأطراف «cop22) «Conference of the Parties)، يعرف أيضًا بمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ، وهو يمثل الإطار الأممي الرسمي الذي يحتضن محادثات المناخ، بعد تبين مسؤولية البشر في تسريع وتيرة التغير المناخي الناتج عن الاحتباس الحراري، ومن ثمة بدأ المؤتمر يسعى إلى سن اتفاقيات دولية مشتركة، تلتزم بها بلدان العالم، بغاية الحد من التغير المناخي في كوكب الأرض.

أُسس «كوب 22» سنة 1992، بعد عقد قمة الأرض في ريو دي جانيرو بالبرازيل، ودخل المؤتمر حيز التنفيذ عام 1994، ليبدأ أول دورة له سنة 1995 في برلين، ومنذ تلك الفترة نُظم واحد وعشرون مؤتمرًا، آخرها في باريس العام الماضي، والمنعقد حاليًا في مراكش بالمغرب في الفترة الممتدة ما بين السابع والـ18 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

نُظمت هذه المؤتمرات من أجل الإشراف على جهود الدول الأطراف في الاتفاقية للتصدي لتغيرات المناخ، وعدد هذه الأطراف الموقعة على اتفاقية إطار المؤتمر 197 بلدًا، كانت فلسطين، التي انضمت مارس الماضي، آخر دولة تدخل مؤتمر الأطراف (cop22).

تنظيم «كوب 22» في مراكش

تستضيف تظاهرة «كوب 22» الجارية في مراكش، أكثر من 20 ألف مشارك، منهم رؤساء دول، وسياسيون ومقاولون وعلماء، بالإضافة إلى هيئات الإعلام، ومنظمات البيئة وحقوق الإنسان، وآخرون زائرون.

ويحتضن المؤتمر مجموعة من اللقاءات التعليمية والثقافية والإعلامية، التي تتناول موضوعات البيئة والتغيرات المناخية، كما تحضر العديد من الأنشطة المختلفة والفعاليات المنظمة من قبل هيئات بيئية، علاوة على المحادثات السياسية بين مسؤولي بلدان العالم بخصوص الاتفاقيات الدولية المرتبطة بالمناخ.

من جانب آخر، خصَّص المغرب موارد مالية وأمنية ولوجستية ضخمة من أجل إنجاح مؤتمر «كوب 22» ، حيث وصلت ميزانية تنظيمه إلى 800 مليون درهم، فيما تشهد مدينة مراكش إنزالًا أمنيًّا كثيفًا بغرض تأمين المنطقة المحتضنة لمؤتمر المناخ الدولي.

وحتى الساعة، تمر التظاهرة البيئية العالمية بأجواء إيجابية عامة، خاصةً وأن الدول الأطراف المشاركة في المؤتمر تتجه إلى التعهد بتنفيذ مقررات «اتفاقية باريس»، التي تم تقديمها خلال دورة العام الماضي للمؤتمر في باريس. ومن المقرر أن يحضر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، اليوم الاثنين، بمعية مجموعة من رؤساء الدول والمسؤولين.

 

لكن ما يعكر صفو أجواء المؤتمر البيئي هو احتجاجات الأطر التربوية المتواصلة، التي تستغل حساسية أجواء التظاهرة العالمية في مراكش، بتنظيم مظاهرات واعتصامات بساحات المدينة، بغرض إيصال مطالبها التشغيلية إلى الحكومة، علاوة على حادثة منع السلطات الرسمية القيادية في جبهة البوليساريو، سلمى بيروك، من حضور ندوة حول المناخ في «كوب 22»، الأمر الذي أغضب الوفد الممثل للاتحاد الأفريقي؛ فأعلن مقاطعته لأشغال المؤتمر.

ما الهدف من دورة «كوب 22» بمراكش؟

تسعى تظاهرة المناخ الدولية، المرتبطة بمؤتمر الأطراف، عامة، إلى وضع إجراءات قانونية، من شأنها أن تحقق استقرارًا في تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي في مستوى يحول دون «تدخل بشري خطير في النظام المناخي»، ويقصد بمصطلح «بشري» الآثار الناجمة عن أفعال الإنسان.

وتأتي دورة مؤتمر الأطراف المنعقدة حاليًا بمدينة مراكش، في سياق الاتفاق العالمي التاريخي بشأن المناخ، الذي اعتُمد العام الماضي في «كوب 21» بباريس، حيث تهدف النسخة «كوب 22» الجارية بمراكش إلى «ترجمة  المحاور المتفق عليها في اتفاق باريس إلى أرض الواقع، ومن بينها التكيف مع الوضع، والشفافية، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، والخسائر والأضرار»، حسبما صرح نزار بركة، رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر.

ويتضمن اتفاق باريس، الذي جاء في 39 صفحة، هدفًا أساسيًّا، ممثلًا في خفض حرارة كوكب الأرض بدرجتين مئويتين مقارنة بما كان عليه الحال قبل الثورة الصناعية، ولأجل ذلك التزمت البلدان المتقدمة بمنح مائة مليار دولار إلى الدول النامية من أجل الحد من مسببات التغير المناخي.

ومن ثمّة جاء «كوب 22»، المنظم في المغرب، بغرض البحث في آليات وأدوات تطبيق مقررات اتفاق باريس، حيث من المنتظر في نهاية المؤتمر الخروج بإعلان عالمي، بشأن التغير المناخي، تلتزم بموجبه دول العالم بتنزيله على أرض الواقع.

ماذا سيستفيد المغرب من «كوب 22»؟

انخرط المغرب، خلال السنوات الأخيرة، في سلسلة من السياسات المعنية بالبيئة، بدءًا من التركيز على الاستثمار في الطاقات المتجددة (محطة نور)، والمصادقة على مجموعة من الاتفاقات البيئية، إلى سن إجراءات ضد التلوث (حظر البلاستيك)، وانتهاءً بتنظيم التظاهر البيئية الأضخم «كوب 22».

ويثير هذا التحرك الملفت للمغرب نحو الاتجاه البيئي استغراب المراقبين، بما فيهم المواطنين المغاربة، خاصةً وأن البلد لا يندرج ضمن الدول المتقدمة، التي عادة ما تتجه للبيئة بعدما تنتهي من توفير ظروف رفاهة مواطنيها، إلا أنه في الحقيقة يروم المغرب من خلال هذا التوجه إلى غايات أبعد من مجرد الحفاظ على البيئة.

تواجه المغرب مشكلة مستقبلية متعلقة بالطاقة، حيث سبق أن تعرض المكتب الوطني للماء والكهرباء لأزمة مالية خانقة، نتيجة اختلالات تدبير، وممارسات فساد، دفعت الحكومة إلى اللجوء لجيوب المواطنين من أجل إنقاذ المكتب من الإفلاس، ما تسبب في ارتفاع صاروخي لتسعيرة الماء والكهرباء، إلا أن ذلك لم يكن سوى إجراء مؤقت لمعالجة مشكلة الطاقة، بالنظر إلى أن المغرب بلد غير نفطي.

 

بجانب ذلك، يتهدد المغرب، حسب التقارير الدولية المتواترة، شبح العطش والجفاف في السنوات القليلة المقبلة، جراء استنزاف الفرشات المائية، وانخفاض نسبة الأمطار، مع تراجع قدرة السدود على الاحتفاظ بكميات كبيرة من المياه، في الوقت الذي تتزايد فيه حاجيات السكان.

كل ذلك لم يترك للمملكة خيار، سوى تبني التوجه البيئي كضرورة إستراتيجية، من أجل استقطاب الهبات والاستثمارات الغربية المشجعة على استغلال الطاقات المتجددة، واستعمال تقنيات الزراعة العصرية المحافظة على الماء، وغيرها من الممارسات البيئية. وهي السياسة التي بدأت تعطي أُكلها بعد تعهد الاتحاد الأوروبي بتمويل بناء محطة «نور» الشمسية في ورزازات بنسبة 60%، والتي يرتقب عند اكتمالها أن تكون الأضخم في العالم.

من جهة أخرى، يساعد ظهور المغرب بالمحافل الدولية، شريكًا في الاهتمام البيئي العالمي، في رسم صورة إيجابية للنظام السياسي أمام الخارج، مما يحد نسبيًّا من انتقاد المنظمات الدولية تجاه أوضاع حقوق الإنسان، وانتهاك الحريات، والتضييق على الصحافة داخل البلد، الانتقادات التي تشكل صداعًا مزمنًا للسلطات.

أثر فوز ترامب «كوب 22» الأخير

صادق الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما خلال لحظات حكمه الأخيرة من سبتمبر (أيلول) الماضي، على اتفاقية باريس للتغير المناخي لكبح الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري؛ مما أعطى دفعة قوية للاتفاقية قد تشجع بلدان أخرى للانضمام إليها، وكانت زميلته في الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، تعلن في حملتها الانتخابية أنها ستعمل على تنفيذ مقررات اتفاقية باريس.

لكن بعد فوز ترامب في السباق الرئاسي الأمريكي، أصبح المشاركون في «كوب 22» بمراكش في تخوف من فشل الاتفاق العالمي، الذي ما كاد المهتمون بالمناخ يفرحون بالتوصل إليه، وذلك بسبب نية الرجل المثير للجدل التملص من الاتفاقات البيئية.

وسبق للمرشح الجمهوري، دونالد ترامب، أن أعلن عزمه إلغاء اتفاق باريس، ووقف التمويل الأمريكي لبرامج الأمم المتحدة بشأن الاحتباس الحراري، ووصف التغير المناخي وخطره على كوكب الأرض بالخدعة، علاوة على أن الرئيس الجمهوري ينوي فك التزام الشركات الأمريكية بالقوانين البيئية.

 

وتثير نوايا ترامب بشأن الاتفاقات المتعلقة بالمناخ هلع ناشطي البيئة، ولا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي ثاني أكبر الدول المصدرة لانبعاثات الغازات الدفيئة، وكان لها دور مركزي في قضايا المناخ، باعتبارها القوة العظمى التي تقود العالم، ومن شأن غيابها في قضايا المناخ، أن يفشل الاتفاقات الدولية في هذا الصدد.

وقد حذرت وزيرة البيئة الفرنسية، سيجولين رويال، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تنفيذ وعوده الانتخابية قائلة: «إذا اتخذت قرارات من هذا القبيل فإنها ستكون كارثية تمامًا»، أما مايكل برون من منظمة «سييرا كلوب» فقد دعا ترامب إلى «حسم خياره بحكمة وإلا سنخوض ضده معركة شرسة في كل المراحل»، فيما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن ثقته بأن ترامب لن يعرض اتفاق باريس للخطر.

من جهته، قال وزير الخارجية المغربية، صلاح الدين مزوار، ورئيس مؤتمر الأطراف المنعقد بمراكش، إن «انتخاب دونالد ترامب رئيسًا لأمريكا لم يؤثر في مفاوضات مؤتمر الأمم المتحدة (كوب22)»، مردفًا بأن اتفاقية باريس «دخلت حيز التنفيذ، وإذا ما قررت دولة ما الانسحاب فلن يؤثر ذلك فيه».

ويحاول ذوي المصالح الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية الدفع نحو التشكيك في حقيقة التغير المناخي الناتج عن أفعال البشر، من أجل إطلاق العنان لشركاتهم لجني الأرباح بعيدًا عن القوانين البيئية التي تقيدهم، ومن أجل ذلك يشنون حملات دعائية على الإعلام والمجلات العلمية، كما يدعمون السياسيين الموالين لخطهم، بغرض منع تمرير اتفاقيات المناخ.

في حين أصبح التغير المناخي الناتج عن أفعال البشر يحظى بإجماع في الأوساط العلمية المعنية بالمناخ، بعد أن أظهر مسح مطبق على 1200 ورقة علمية محكمة نشرت بين العامين 1991 و2011 وجود إجماع على أن البشر هم مسببو التغير المناخي، بنسبة 97%.

ويستبعد المراقبون توجه ترامب نحو تنفيذ سياساته، التي روجها خلال حملته الانتخابية، بخصوص المناخ، بالنظر إلى المعارضة الشديدة التي سيواجهها، من قبل الإعلام والوسط العلمي والديمقراطيين، ناهيك عن الهيئات المعنية بالبيئة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد