انتهت أمس قمة المناخ العالمية «cop226»، التي استمرت طوال الأسبوع الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، بعد أن اجتمع زعماء العالم ليحددوا مصير مستقبل الأرض ارتباطًا بتهديد التغيرات المناخية، في مدينة غلاسكو بأسكتلندا.

وكان تقرير صادر عن اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتابعة للأمم المتحدة قد حذر في أغسطس (آب) 2021 من أن الوقت قد بات قليلًا بالنسبة للبشرية للعمل على الحد من خطر تغير المناخ، وأن الحكومات متأخرة كثيرًا عن فعل ما يجب فعله لتجنب وقوع الكارثة.

ورغم الصدى الواسع الذي أحدثه التقرير الأممي في الوسط العالمي والإعلامي، إلا أن القائمين عليه من خبراء المناخ شككوا بشدة في أن قادة العالم سيقابلون الأقوال بأفعال، وفقًا لدراسة أجرتها مجلة «نيتشر».

نتائج القمة المناخية «COP26»: موجة إعلانات أم تقدم ملموس؟

قدَّم قادة العالم في القمة المناخية «COP26» بأسكتلندا تعهدات بخفض انبعاثات الميثان والكربون، والاستثمار في الطاقات النظيفة، وكذا المحافظة على الغابات والمحيطات باعتبارها خطوة عالمية لمواجهة التغير المناخي.

وتعهد زعماء البلدان المشاركة في القمة المناخية بوقف إزالة الغابات بحلول عام 2030، والتزامهم بتعزيز الاستخدام المستدام للأراضي والأنشطة الزراعية. وكانت الولايات المتحدة والبرازيل وروسيا من بين الدول التي وقعت على الاتفاقية، بتمويل يناهز 19 مليار دولار من التمويل العام والخاص. وتضم الدول المُوقعة أكثر من 85% من غابات العالم. فيما تعهدت 12 دولة بتقديم 12 مليار دولار لتعزيز وجود الغابات ودعم المجتمعات المحلية في البلدان النامية.

كما وعدت الولايات المتحدة وممثلون آخرون عن الدول الغنية بتعزيز الإنفاق على تمويل المناخ لدعم المرونة وتحولات الطاقة النظيفة في الدول الفقيرة. وقالت أكثر من 20 دولة إنها ستوقف تمويل مشاريع الوقود الأحفوري في الخارج، وتحول الأموال بدلًا عن ذلك إلى مشاريع الطاقة النظيفة.

وتَضمن التعهدات الموقعة بين بلدان العالم تخفيض فقط بنسبة 40% من تخفيضات الانبعاثات اللازمة للوصول إلى هدف اجتماع باريس للمناخ، وهو زيادة متوسط حرارة الأرض بمعدل 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030. وبالتالي فإن الهدف الواقعي المستخلص من القمة المناخية هو إبقاء معدل زيادة حرارة الكوكب تحت 1.8 درجة مئوية، مقارنة مع متوسط حرارة الأرض في فترة ما قبل الحقبة الصناعية!

وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي سعى في «COP26» إلى إعادة ترسيخ مصداقية بلاده بشأن المناخ بعد إنكار الرئيس السابق دونالد ترامب للتغير المناخي، وانسحاب بلاده من اتفاقية باريس: «إن العمل المناخي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة اقتصادية أيضًا». فيما قالت رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن في مقابلة إعلامية: «نحن نعلم ما الذي يعنيه التخفيض بـ1.5 درجة لبقية العالم، لأنفسنا ومنطقتنا».

ومن الواضح أن خطط العالم لم تزل غير كافية – بالنسبة لخبراء المناخ ونشطاء البيئة – لمنع حدوث آثار مناخية تسوء بشكل تدريجي ولا رجعة فيها، والتي ستضرب أشد الفئات فقرًا، بما في ذلك السكان الأصليين والمجتمعات في النصف الجنوبي من العالم.

وفي هذا الصدد قالت هارجيت سينج، وهي مستشارة مناخ، لصحيفة «الجارديان»: «لقد سمعنا موجة من الإعلانات حتى الآن، ولكن معظمها ينتمي إلى فئة التشدق. القادة يدلون بتصريحات لعناوين الأخبار، لكننا جميعًا بحاجة إلى الدخول في التفاصيل حيث يكمن الشيطان». فيما ذهبت الناشطة السويدية جريتا ثونبرج إلى أبعد من ذلك: «القادة لا يفعلون شيئًا، إنهم يعملون بنشاط على استمرار مصالحهم والاستفادة من هذا النظام المدمر».

ومع ذلك فإن مخرجات القمة المناخية المنعقدة في أسكتلندا في هذا العام تمثل تقدمًا ملموسًا، يظهر في بداية تعامل زعماء العالم بواقعية مع مشكلة التغير المناخي، بدل إطلاق وعود مبالغ فيها مثلما حدث في قمة باريس السابقة. ويظهر أيضًا في التغطية الإعلامية غير المسبوقة التي بات يحظى بها موضوع «التغير المناخي»؛ مما يشير إلى بداية التغيير.

العدالة المناخية للعالم الفقير

كانت قمة المناخ «COP26» المنعقدة في غلاسكو هذا الشهر فرصة لتسليط الضوء على مشكلة تهم البلدان الفقيرة والنامية، وهي العدالة المناخية، إذ عملت الدول الغنية على إطلاق كميات لا محدودة من انبعاثات الكربون منذ الثورة الصناعية، لأجل تطوير اقتصاداتها، وبالتالي فإنها مسؤولة بشكل رئيس في إفساد مناخ الأرض، ومطالبة بتعويض الخسائر المناخية التي تصل العالم الفقير، من جفاف وحرائق وفيضانات.

وبخصوص هذه المسألة، طالبت حكومة توفالو وأنتيجوا وحكومة برمودا خلال القمة المناخية بإحداث لجنة جديدة لدى الأمم المتحدة، تعطي الدول الأفقر متنفسًا لمحاسبة الدول الأكثر ثراءً عن الخسائر والأضرار المناخية. وقال جاستون براون، رئيس وزراء أنتيجوا: «إلى جانب الالتزام الأخلاقي بتقديم التعويض، فإن هذه الدول الغنية عليها أيضًا التزام قانوني بالتعويض».

وتضغط مثل تلك الدول الجزرية الصغيرة وبعض البلدان النامية من أجل دفع الدول الغنية، المسؤولة تاريخيًا عن أزمة المناخ لتقديم مزيد من الأموال كتعويض على الخسائر المناخية التي يتلقوها ولم يكن لهم يد في المشكلة.

وصرحت الدول الغنية في قمة «COP26»، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا، بأنها ستعزز المساعدات المالية المناخية للبلدان الفقيرة وتنفذ هدف اتفاقية باريس، الذي ينص على تقديم 100 مليار دولار سنويًا للبلدان الفقيرة، من أجل تخفيف أزمة المناخ ومساعدتها على التكيف.

لكن يُظهر تقرير جديد للأمم المتحدة أن حاجة البلدان الفقيرة للتكيف مع المناخ تتجاوز بكثير ما كان محسوبًا سابقًا؛ لأن التغيرات المناخية لها عواقب متزايدة. لتحقيق العدالة المناخية، تحتاج هذه البلدان في الواقع إلى ما يقرب من 300 مليار دولار سنويًا، وفق التقرير الأممي.

وعلاوة على ذلك فإن العديد من الدول الغنية تقدم الجزء الأكبر من حصتها للمساعدات المناخية على شكل قروض بدلًا عن منح مباشرة للبلدان الفقيرة، حيث اتخذ 71% من التمويل العام للمناخ شكل قروض، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

فضلًا عن أن الفساد المستشري في حكومات البلدان الفقيرة والنامية يلتهم جزءًا كبيرًا من تلك المساعدات المالية المقدمة؛ مما يشكك في نجاعة تلك المنح، وهل تُحدث فرقًا فعلًا في التخفيف من حدة تأثيرات المناخ على المجتمعات المحلية والشعوب الفقيرة.

عالم خال من الكربون: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتحركان

تطرق قادة العالم في خطبهم تقريبا إلى مختلف قضايا المناخ، من غابات ومحيطات وتلوث، ومع ذلك فقد تجنبوا محور المشكلة، وهو الوقود الأحفوري. وذلك ببساطة لأن العالم إلى اليوم لم يزل يعتمد على الطاقات الأحفورية بشكل كبير، ومن الصعب إقناع الدول بالتخلي عن الفحم والنفط لما لذلك من خسائر اقتصادية.

وتندرج العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ضمن تلك الفئة التي تخشى التحول الطاقي النظيف، بخاصة وأن اقتصاداتها تعتمد بشكل رئيس على إيرادات صادرات الوقود الأحفوري.

وربما لهذا السبب لم تكن حكومات المنطقة العربية مقبلة في البداية على الانخراط في المفاوضات المناخية العالمية، لكن نظرًا لأن التحول العالمي إلى عالم منخفض الكربون بدا حتميًا، فقد أدركت العديد من البلدان، كما يرى المهتم بالشأن المناخي كريم الجندي، أنه «من خلال الالتزام بالعمل المناخي الطموح، ستكون في وضع أفضل لضمان مصالحها في هذا العالم الجديد قيد التشكل. ومن جهة أخرى اعتقدت العديد من الدول أيضًا أنها قادرة على ترسيخ نفسها كقادة عالميين أو إقليميين من خلال دبلوماسية المناخ».

وشارك ممثلو كل بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط في القمة المناخية «cop26» لهذا العام، وأبدى جميعهم في خطبهم حرصًا على محاربة آثار التغيرات المناخية ونهج سياسات خضراء. فعلى سبيل المثال تعهدت المملكة العربية السعودية بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 35٪ بحلول عام 2030، بينما التزمت الإمارات بتخفيض بنسبة 23.5٪. من ناحية أخرى رفعت دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أهدافها لعام 2030، بما في ذلك المغرب، وتونس، ولبنان، والأردن، وعمان، وقطر، والسودان.

وتظل معظم هذه التعهدات متواضعة نسبيًا؛ مما يشير إلى أن الرحلة إلى انعدام الكربون ستكون بطيئة في البداية، لكنها بالتأكيد تتحرك نحو الاتجاه الصحيح. وتواجه منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط تحديات مناخية جمة، تبدأ من الجفاف والحرائق، إلى اشتداد الحرارة، والطقس القاسي؛ مما يزيد من خطر الصراع المحلي والحدودي، ويطلق عنان الهجرات الجماعية المدفوعة بالتغيرات المناخية في هذه المنطقة شحيحة الموارد، والمشحونة بالتوترات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد