يعتبر سؤال الملكية الفكرية من أكثر الأسئلة التي تؤرق العالم اليوم، ففي رحابة عالم الإنترنت الذي أتاح للجميع سهولة الوصول للمواد الفنية والأدبية والعلمية، وواقع صار أسهل ما فيه اقتباس الأفكار ونسبها إلى غير صاحبها، بات من الضروري وجود قانون يحكم التعامل والوصول لهذه المواد، وفي وجود قانون الملكية الفكرية للقيام بهذا الدور ظهرت العديد من التساؤلات عن الحريّات والاحتكار، وهل الأفكار ملك لأحد دون غيره؟ أم أنها للجميع؟

ما هي الملكية الفكرية؟

يقصد بالملكية الفكرية إبداعات العقل من اختراعات ومصنفات أدبية وفنية وتصاميم وشعارات وأسماء وصور وغيرها، أي كل ما ينتجه العقل ويمكن حمايته من خلال قانون حقوق مثل البراءات وحق المؤلف وحقوق النشر والعلامات التجارية، التي تمكن الأشخاص من كسب اعترافات أو فائدة مالية على ابتكاراتهم واختراعاتهم، ويهدف نظام الملكية الفكرية بشكل أساسي إلى إرساء توازن بين مصالح المبتكرين والجمهور العام بما يتيح الإنتاج وازدهار الإبداع والابتكار بما لا يبخس حق أصحاب الأفكار، ويمنع سرقتها.

 تسمح الملكية الفكرية للمؤلف أو مالك البراءة أو العلامة التجارية بالاستفادة من نسبة الإنتاج وحمايته من أي تعد من الغير؛ حيث لا يتم استخدامه أو عرضه بدون أخذ تصريح من المالك أو المبتكر صاحب الفكرة.

وتصل عقوبات اختراق الملكية الفكرية إلى الغرامات المالية والتشهير والسجن وتعليق أنشطة المنشأة التجارية والإغلاق المؤقت وشطب الترخيص، وكذلك تعويض لأصحاب الحقوق من الأضرار التي لحقت بهم.

متى بدأ قانون الملكية الفكرية وكيف وصل إلى ما هو عليه الآن؟

في عام 1662م .. بدأت الفكرة بقانون لترخيص الكتب في إنجلترا حينما زادت عمليات نسخ المطبوعات والمنشورات، وذلك من خلال تسجيلها في الكنيسة أو الحكومة في محاولة للتحكم في أعدادها.

في عام 1710م .. قام البرلمان البريطاني بتقرير حقوق الكاتب  لمنع احتكار بائعي الكتب، فيما عرف بتشريع الملكة “آن” لحماية حقوق مؤلفي الكتب، وسمح لهم القانون بأن يكون للمؤلفين وحدهم الترخيص والحق بطباعة مصنفاتهم.

في 1790.. أقر جورج واشنطن أول قانون لحقوق الملكية في الولايات المتحدة من خلال قانون حماية الكتب والخرائط لمدة 14 عامًا، يمكن بعدها إعادة استخدامها والتعديل فيها.

وفي أواخر القرن التاسع عشر.. كانت اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية، واتفاقية بيرن التي حضرتها معظم دول أوروبا وأقرت حماية الإنتاج الفني والأدبي لكل الدول التي شاركت في المؤتمر، والذي على إثرها تم عقد عدّة مؤتمرات لمناقشة القانون الخاص بالملكية الفكرية في باريس عام 1869،  وفي برلين عام 1908م، وفي روما وبروكسل وستوكهولم ثم باريس.

وكان المؤتمر حول الأعمال الأدبية والفنية، وكان لكل دولة أن تضع معاييرها الخاصة في قانون الملكية الفكرية على أن يكون هناك حد أدنى من المعايير مثل أن يكون الحد الأدنى لعدد سنين ملكية الكاتب للكتاب فوق الـ 50 عامًا.

وبمرور السنين تطورت الملكية الفكرية لتشمل الأجهزة الرقمية وبرامج الحاسب، والتجارة أيضًا، ففي مفاوضات اتفاقية الجات عام 1988، قامت الشركات متعددة الجنسيات بتقديم ورقة تتضمن اقتراح حقوق الملكية الخاصة بالتجارة ولذلك لتأمين براءات الاختراع والعلامات التجارية، والتي صدرت بالفعل وعرفت باتفاقية “تريبس” والتي نشأ بموجبها منظمة التجارة العالمية.

الملكية الفكرية والرأي الفقهي:

لم يتوقّف أمر الملكية الفكرية على المؤتمرات والقوانين الوضعية، بل يعتبر اليوم من المسائل الفقهية التي تُسأل فيها المؤسسات الدينية، ففي فتوى لمؤسسة الأزهر إجابة عن سؤال اقتباس الأفكار والنصوص قد جاء فيها أن الاقتباس بكل أنواعه سواء من كتاب أو مجلة أو مرجع هو جائز شرعًا بشرط أن يُنسب إلى مصدره وصاحبه عند الكتابة والتسجيل، أما النقل من كتاب عند التأليف ونسب ما نقله إلى نفسه فهو أمر حرمه الشرع والقانون، ويعتبر نوعًا من أنواع السرقة.

وأضافت الفتوى أن نقل الأفكار والإضافة عليها وتطويرها ليس فيه شيء، وأن سارق الأفكار والنصوص يشبه سارق المال العيني، وما يطوله من عقوبة، فيطول سارق الأفكار أيضًا.

إلا أن أغلب الآراء الفقهية في هذه المسألة لم تتعرض لكون بعض من هذه المواد لا تسمح حتى بالاقتباس منها مع الإشارة للمصدر، بموجب قوانين النشر والملكية الفكرية.
وأن قوانين الملكية الفكرية اليوم لم تعد خاصة بالمؤلف وحده، بل صار لدور النشر والتوزيع هي الأخرى حقوق بموجبها.

ضد الملكية الفكرية:

ظهرت العديد من المبادرات والحركات رفضًا لقانون الملكية الفكرية، لما رأت فيه من احتكار للأفكار، وتقييد للحريات ومساحات الإبداع، فالأفكار بموجب القانون ليست ملكًا لأصحابها وحسب، بل ملك “السوق” وحساباته، وشرائه للأفكار، الذي يحتكر الفكرة فيبيعها في الوقت والمكان وللجمهور الذي يراه هو وحده مناسبًا.

ترى هذه المبادرات أن الفكر ليس شيئًا ماديًّا ليُحكَم استخدامه، وتطويره، وشراؤه، والحصول عليه، وأن مناط الملكية الفكرية، نسب الأفكار لأصحابها، والأفكار نفسها للجميع.

وفي رأيها أن اطّلاع الجميع على الأفكار، سيساهم بشكل كبير في انتشارها وتطوّرها، بل والاستفادة منها بأكبر قدر ممكن، فالأوراق العلمية على سبيل المثال، بات الكثير منها اليوم غير متاح للجميع على شبكات الإنترنت، بما يصعّب الأمر على الطلبة والباحثين، وحتى محاولات الشراء تصعّب الأمر على الباحثين إن لم يكن الباحث يعلم أي الأوراق هي المناسبة لبحثه.

ويزداد الأمر صعوبة على الدول الفقيرة في الأوراق والأبحاث العلمية، فيصير لزامًا عليها تخطّي الكثير من الحواجز في محاولة للوصول لأوراق أو مواد علمية مفتوحة ومتاحة للجميع.


 فيديو يعرض أزمة الوصول للأوراق العلمية، ويحاول البحث عن بدائل لحلّها

لا يتوقّف الأمر على المواد والأبحاث العلمية فقط، فتشير الإحصاءات إلى أن براءات الاختراع والعلامات التجارية قد أدت لزيادة احتكار الشركات العالمية والمؤسسات الكبرى للسوق، في مقابل الشركات الأخرى، بما ساهم أيضًا في خسائر في الوظائف والأموال، فضلًا عن التحكّم في حركة السوق والأسعار، فيزيد سعر المنتج أضعافًا مضاعفة عن سعره الأصلي.


 النسخ ليس سرقة.. في إطار حملة ضد الملكية الفكرية وحقوق النسخ

المصادر المفتوحة، وشراء دولة خاصة.. محاولات للخروج من حصار الملكية الفكرية:

ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من المبادرات في مواجهة قانون الملكية الفكرية، في إطار الحل البديل، كان من أهمها وأكثرها شيوعًا مبادرة المصادر المفتوحة في أنظمة التشغيل وتطبيقات الحاسب، مثل نظامي التشغيل linux  وAndroid  لأجهزة الهاتف المحمول، والتي تتيح للجميع الوصول إلى الكود الخاص بالبرامج وأنظمة التشغيل والتطوير فيها، واستخدامها بغير مقابل مادي.

وفي الجانب العلمي والمعرفي، ظهرت أكثر من مبادرة على شبكة الإنترنت، للمحاضرات والمواد العلمية المفتوحة والمتاحة للجميع.

إلا أن المواد الفنية والمواقع الخاصة برفع الملفات هي أكثر ما يواجه مشاكل خاصة بالملكية الفكرية في عالم الإنترنت، فبالرغم من كونها الأكثر شيوعًا واختراقًا أيضًا لقوانين الملكية الفكرية، إلا أنها الأكثر تعرّضًا للمسائلة القانونية والملاحقة الأمنية.
وهو ما جعل القائمون على موقع pirate bay  المختص برفع الأفلام بصيغة التورنت يحاولون شراء جزيرة خاصة بهم، لتكون دولتهم الخاصة بغير قانون الملكية الفكرية، في مبادرة هي الأغرب لمحاولة الفكاك من قوانين الملكية الفكرية وحصارها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد