طالت أزمة انتشار وباء الكورونا كثيرًا من قطاعات الأعمال بكافة دول العالم، حيث فقد الملايين وظائفهم، وأعلنت آلاف الشركات إفلاسها، وسط توسل الشركات الأخرى لحكوماتها بمزيد من الدعم المالي لانتشالها من الركود القادم والمجهول الذي ينتظرهم. أحد أهم القطاعات التي تتقاطع مع اقتصاديات دول الشرق الأوسط هي العمالة الأجنبية التي تحتضنها دول الخليج، باعتبار هؤلاء العمال مصدر مهم للعملة الأجنبية للدول القادمين منها، إلى جانب دورها في الحد من نسب البطالة في دولهم المتخمة بالديون وملايين السكان.
وتُشكل هذه العمالة أحد أهم القطاعات التي طاتلها أزمة كورونا، في ضوء التوقعات التي ترى أن أعداد كبيرة منهم ستعود لبلادهم، بينما سيكون تخفيض أجورهم أكثر السيناريوهات تفاؤلًا التي تنتظرهم، مصحوبًا كُل ذلك بانخفاض في حجم التحويلات النقدية الأجنبية لبلادهم. يحاول التقرير التالي التعرف على مصائر العمالة الأجنبية وبالأخص العربية منها في دول الخليج الغنية بالبترول، وسط أزمة الكورونا التي صاحبها انخفاض غير مسبوق في أسعار النفط، كما نحاول التعرف على حجم التأثر الذي سيلحق بدول هذه العمالة.

العمالة الأجنبية في عيون بعض الخليجيين الآن: «تهديد أمني وصحي»

منذ عقود طويلة، أصبح الحصول على فرصة عمل في دول الخليج الغنية بالنفط حلمًا للملايين، يبيعون من أجله كُل شيء، حتى لو اضطرتهم الظروف للسفر بطرق غير شرعية قد تنتهي إلى طردهم أو سجنهم، وانتشرت مكاتب التوظيف وتجار التأشيرات من أجل ذلك، وجنى العديدون أرباحًا، لإشباع رغبة هؤلاء العمالة في السفر.

غير أن حلول أزمة الكورونا التي فاقمت آثارها الاقتصادية كُبرى الأزمات المالية، عصفت بأحلام تلك العمالة، سواء المُقيمين في دول الخليج أو الراغبين في السفر من أجل الحصول على فرصة عمل. وتكشف البيانات الرسمية أن أكثر من ثلثي العمالة في دول مجلس التعاون الخليجي (69.3%) هي عمالة أجنبية وافدة، بتقديرات بلغت نسبتها 23 مليون عامل، بينما ترجح منظمة العمل الدولية أن يكون رحيل الوافدين في منطقة الخليج نتيجة للأزمة الحالية، أكبر مما أعقب الأزمة المالية في 2008 و2009 وتراجع أسعار النفط في 2014 و2015، لكن دون أن تحدد أرقامًا.

مؤشرات عدة، منذ تفشي وباء الكورونا، تؤكد أن الرحيل أو تخفيض الأجر سيكون مصيرًا لملايين العمالة الأجنبية. كان أبرزها صدور قرار وزاري سعودي بتخفيض الرواتب في القطاع الخاص إلى 40% مع إمكانية إنهاء العقود. ما أكد أيضًا مضي المملكة في مزيد من الإجراءات بحق العاملين الأجانب هو تصريح الإعلامي السعودي خالد العقيلي، على التلفزيون السعودي «بواجب شركات القطاع الخاص تجاه الوطن» والمتمثل في «تسريح موظفيها الأجانب لا السعوديين»، متحدثا عن «خطر حقيقي»، نابع من «هيمنة الوافدين على قوة العمل بالمملكة».

ويقول مهندس مصري، يعمل في شركة الخطيب وعلم للاستشارات الهندسية، التي يتمركز نشاطها الأكبر في السعودية، في تصريح خاص لـ«ساسة بوست» أن الإدارة منحت العاملين الإداريين فيها إجازة لمدة ثلاثة أشهر دون دفع أجورهم، بينما أنهت عقود العاملين الأجانب المتجاوزين لسن 60، وخصم أجور العاملين الآخريين بنحو 30%. والسعودية ليست استثناء من دول الخليج، إذ اتبعت الدول كافة مسارًا مشابهًا من حيث تخفيض الأجور للعاملين الأجانب، أو إنهاء عقود البعض الآخر، وترحيلهم.

الإجراء الأشد ضررًا على تلك العمالة هو اتباع عدد من حكومات هذه الدول سياسة تمييزية تجاههم تنتهي بفصلهم من أعمالهم كحال الكويت حيث أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية، ووزيرة الدولة لشؤون الاقتصادية مريم العقيل تخصيص بعض محلات البقالة في أحد الأحياء التي تحوي عددًا كبيرًا من العمال الأجانب لصالح المواطنين فقط. عامل مصري، مُقيم في الكويت، قال لصحيفة الرأي الكويتية: «انقطع مدخولنا مع إغلاق الأسواق لدرجة أننا نتسلف عشان ناكل ونشرب.. ملاك العقار يطلبون الإيجار واحنا ما عندنا دينار».

وتشددت الاصوات الكويتية المُطالبة سلطات بلادهم بوقف استيراد العمالة الأجنبية، إذ يقول الكاتب الكويتي محمد رمضان، في مقال منشور بصحيفة «القبس» الكويتي، أن سبب نقل العدوى للكويتيين هم العمالة الأجنبية وتحديدًا الوافدة من مصر والهند. ويوضح :«يمثل الكويتيون %30 من إجمالي السكان في الكويت، إلا أن %17 فقط من الحالات تعود للكويتيين».

ويشكل إجمالي عدد حالات الهنود في الكويت ما يعادل %5 من اجمالي الحالات في الهند، بينما يوجد في الكويت قرابة المليون هندي، والحال كذلك بالنسبة للمصريين الذي يصل عددهم في الكويت إلى 643 ألفًا. كما أوقفت بعض محلات البقالة العمال الوافدين عن تعبئة البضائع للعملاء، إذ تم استبدال بهم متطوعين كويتيين، كإجراء احترازي يعتبر العمالة الأجنبية «مصدرًا للوباء»؛ ليفقد الآلاف منهم وظائفهم وقوت يومهم.

وفي عُمان، طالب محمد بن أبي بكر السيل الغساني، نائب رئيس مجلس الشورى العُماني حكومة بلاده، التي بدأت بالفعل في ترحيل أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية، «استثمار الظرف لمعالجة وجود هذه الأعداد الكبيرة من هذه العمالة العبء على مرافق الدولة والاقتصاد والمجتمع».

عربي

منذ شهر
ما الدول الخليجية الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية الحالية؟ ولماذا؟

أمام هذه الشهادات الرسمية ومئات العاملين، فالاستنتاج هو أن خليج الغد لن يكن كما كان بالنسبة لهؤلاء، بعد التراجع الحاد لأسعار النفط وانخفاض قيم الأصول والاستثمارات، وتخفيض خطط الإنفاق الحكومي، وسط مستقبل غائم يلوح في الأفق لهؤلاء العمال.

لكن كيف تعمل دول الخليج على ترحيلهم في المرحلة الحالية؟

أمام أوضاع مضطربة وترنح اقتصاديات دول الخليج، أسفرت عن إنهاء عقود مئات الآلاف من العمالة، سجّل أعداد كبيرة منهم، وأكثرهم آسيويون ومصريون، طلبات لإعادتهم إلى دولهم حسبما تفيد الأرقام لدى سفارات بلدانهم في دول الخليج.
كان الأبرز من هذه الدول هي باكستان والهند ومصر، أكثر الدول المصدرة للعمالة لدول الخليج، التي حاولت المناورة فيما يخص استقبال مواطنييها في بداية الأزمة، واتبعت دول الخليج وسائل أكثر حدة لترحيل تلك العمالة في بعض الأحيان، غير عائبين بتوسلات هذه الحكومات بالانتظار لحين انتهاء أزمة الكورونا، أو حتى الحظر الجوي المفروض، وبدأت في تسيير رحلات طيران استثنائية.

وتمثلت هذه الوسيلة في تهديد دول الخليج لدول العمالة الأجنبية بقطع العلاقات معهم، والتلويح بورقة المساعدات الخارجية لها، حال تحايلهم على استقبال مواطنييهم من العمالة الأجنبية؛ كحال الإمارات التي هددت الهند بإعادة النظر في علاقات العمل معها إذا لم تتعاون مع جهود إعادة المغتربين، أما الوسيلة الأخرى فتتمثل في الضغط الإعلامي عبر صحف الدول الخليجية، وتسليط الضوء على العمالة باعتبارها «عبئًا» يستدعي من حكومات دولهم استقبالهم.

الأمر لم يختلف كثيرًا في الكويت تجاه آلاف العمالة المصرية، عنونت صحيفة القبس الكويتية عنوانها الرئيسي في الصفحة الأولى «أعداد المصريين المصابيين تتزايد»، وكتبت تقريرًا آخر بعنوان «القبس تفتح ملف (تجار السُّحت).. من مصر». وكتبت سلسلة تقارير عن المصريين بمراكز الإيواء ومخالفتهم التي استدعت حزمًا، ولمحت لتقاعس السلطات المصرية عن استقبالهم.

وبحسب شهادات لعمال هنود مصابين بالكورونا يعملون في مدينة عجمان الإماراتية فإنهم اضطروا لمخاطبة رئيس وزراء الهند بالتأكيد على أنهم «ظلوا في الحجر الصحي ولم يتلقوا أدوية، وأن حياتهم اليومية تقتصر الآن على غرفهم، وإذا كانوا محظوظين ينامون في مواقع عملهم».
الحال كذلك بالنسبة للعمالة الأجنبية في قطر، والتي تتمركز في المنطقة الصناعية، وهي من أعلى المناطق التي ترتفع فيها معدلات الاصابة، إذ أفادت منظمة العفو الدولية أن الشرطة اعتقلت العمال النيباليين الذين يعيشون هناك وأرسلتهم إلى مراكز الاحتجاز ثم تم ترحيلهم إلى نيبال.

دولي

منذ شهر
بدلًا عن الصين.. هل تصبح الهند «مصنع العالم» المُحتمل بعد كورونا؟

وتدافع تقارير حقوقية عن حقوق العمالة الأجنبية، مطالبة تلك السلطات بوقف سياسات التمييز تجاههم، وعملية الترحيل الجامعي لهم، ومنع سداد أجورهم، منددة بهذه السياسات: «كما لو أن هؤلاء العمال ليسوا هم الذين حملوا اقتصادات دول الخليج على أكتافهم».

من الأكثر تأثرًا بين دول العمالة الأجنبية بعد كورونا؟

ستطال أزمة ترحيل العمالة الأجنبية العديد من الدول المصدرة لهؤلاء العمال لدول الخليج، إذ ستنخفض تحويلات النقد الأجنبي، وتتضاعف نسب البطالة، وسط توقعات بصعوبات مالية في سيطرة هذه الدول على أوضاعها عقب عودة هؤلاء العمالة.
في الفقرات التالية، نحاول التعرف على حجم التأثر الذي سيلحق بأكثر الدول المصدرة للعمالة الأجنبية للخليج.

الهند:

تتصدر الهند قائمة الدول المٌصدرة للعمالة لدول الخليج، ولذلك فهي من أكثر الدول التي ستتأثر بنقص تحويلات النقد الأجنبي جراء رحيل عمالها الأجانب. ويبلغ عدد العمالة الهندية العاملة في الخليج نحو 6 مليون عامل تقريبًا، بحسب آخر إحصاء صادر عن وزارة الخارجية الهندية في عام 2017 .

ففي عام 2019، تصدرت الهند  قائمة الدول المستقبلة للتحويلات الأجنبية من الخارج، بقيمة 82.2 مليار دولار، بما يعادل 2.8 تقريبًا من إجمالي الناتج القومي الهندي.

غير أن تأثر الهند اقتصاديًا من عودة عمالتها الوافدة وما يتبعه آثار انخفاض التحويلات، رما ما يخففه هو توسع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند نحو 44.37 مليار دولار للسنة المالية 2018 – 2019، إذ حققت نموًا بنسبة 6%، إثر دعمها بحزمة تدفقات قوية في مجالات التصنيع التحويلي، والاتصالات، والخدمات المالية. ويعزز من تخفيف هذه الآثار التوقعات التي تُرجح أن تحوز الهند أغلب الاستثمارات المتمركزة في الصين.

باكستان:

تحتل باكستان هي الأخرى مرتبة متقدمة في قائمة الدول المٌصدرة للعمال للدول الخليجية، فقد بلغ عدد الباكستانيين ممن انتقلوا للعمل في الخليج في العام الماضي فقط، أكثر من 500 ألف من القوة العاملة الباكستانية، واحتلت باكستان العام الماضي المرتبة السابعة في قائمة الدول التي تصلها تحويلات النقد الأجنبي، إذ بلغت 21.9 مليار دولار، بما يعادل 7.9% من إجمالي الناتج القومي الباكستاني، وقياسًا على ما تُشكله نسبة هذه التحويلات من الناتج القومي، فحجم التأثر الذي سيلحق بباكستان سيكون كبيرًا مقارنة بالهند.

ويٌضاعف من هذه التأثيرات، الوضع المأزوم للاقتصاد الباكستاني، إذ تراكمت الديون الأجنبية، وسحب المستثمرين الأجانب أكثر من مليار ونصف المليار دولار من البنوك الباكستانية، فضلًا عن تدهور قيمة الروبية مقابل الدولار، إذ انحدرت قيمتها إلى 167 روبية مقابل الدولار الواحد، هبوطا من 161 روبية قبل أسبوع تقريبًا.

مصر

تحتل مصر مرتبة متقدمة في قائمة الدول المصدرة للعمالة لدول الخليج، إذ يُقدر عدد العاملين المصريين بدول الخليج نحو 6 مليون حسب آخر إحصاء صادر نهاية العام الماضى، وتبلغ نسبة تحويلات المصريين من المملكة العربية السعودية 40% من إجمالي تحويلات المصريين في الخارج.

وبلغت تحولات المصريين في الخارج عام 2019: 26.4 مليار دولار، بما يعادل يعادل 9٪ تقريبًا من إجمالي الناتج القومي المصري، غير أن هذه التحويلات تُعد عاملًا رئيسًا في موارد اقتصاد الدولة، ولعبت دورًا هامًا في إنقاذ الاقتصاد المصري على مدار السنوات السابقة في ضوء محدودية الموارد من المصادر الأخرى من النقد الأجنبي لمصر.

ولهذه الأسباب يُعد رحيل أعداد كبيرة من المصريين عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد المصري في ضوء تراجع دخل قناة السويس، على خلفية ركود الحركة التجارية، وتفضيل عدد من التحالفات التجارية طريق رأس الرجاء الصالح، مع العلم أن تحويلات العاملين في الخارج العام الماضي تعادل تقريبًا دخل قناة السويس في خمس سنوات.

ويُضاعف هذا التأثير فقد الاحتياطي الأجنبي نحو 8 مليارات دولار خلال الشهر الماضي تأثر بأزمة الكورونا، على خلفية عمليات التخارج لاستثمارات الصناديق المالية الأجنبية من الأسواق الناشئة وكذلك الأسواق المصرية خلال شهر أبريل (نيسان).

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد