ليس وباء كورونا الأول في التاريخ، وقد لا يكون الأخير؛ فماضي البشرية يختلط بدورات متتالية من الأوبئة والجوائح، والمجاعات، والطواعين.

نُسجت من رحمها مرويات وملاحم وأحزان، امتزجت  بالكثير من الأخيلة والأوهام والاعتقادات الكارثية الأبوكلبيتية، المترعة بالخوف من نهاية الكون والعقاب الإلهي الذي لا فكاك منه.

الأوبئة والجوائح الطبيعية، كما الحروب والفتن والصراعات، كانت عاملًا للتحولات في أوضاع الأمم

أوروبا الحديثة ولدت من رحم الأوبئة والطواعين والحروب الدينية، بكل أهوالها وفظاعاتها.

وسط ركام الكوارث الطبيعية والبشرية المريعة،  أخذت تتلمس طريق الخلاص نحو المعرفة العلمية، والتخلص من هواجس الخوف والرعب، التي خيّمت بظلالها الثقيلة على الثقافة الكنسية الوسيطة.

ما عرف بالطاعون الكبير The Great Plague، الذي سرى من الصين أيضًا، وشهد أوجه عام 1348، بعد تفشيه في أوروبا والمجال الإسلامي، كان سببًا في تحولات ثقافية ودينية عمرانية هائلة.

من نتائجه المباشرة ولادة عصر النهضة، وما بات يعرف بحقبة التنوير الأوروبي، ونهاية الإقطاع، وانطلاق مرحلة التعقل، وانحسار ثقافة الخوف والخرافة.

لا ريب أن عالم ما قبل كورونا سيختلف عما بعد الوباء. ستخرج منه دول أقوى مما كانت، وأخرى مثخنة بالجراح، مستنزفة، منهكة القوى

الصين، منبت هذا الوباء القاتل، أظهرت قدرة فائقة على إدارة تبعاته ومحاولة السيطرة عليه، بمزيج مركب من وفرة الإمكانيات وبطش الدولة.

عطّل كورونا آلتها الصناعية الهائلة، وسدّد لكمة موجعة لها، لكنّها تمالكت نفسها سريعًا، والتقطت أنفاسها واستنفرت دفاعاتها، للسعي لمسك زمام الأمور مجدّدًا.

في المقابل، إيطاليا الأوروبية، واحدة من مجموعة الدول السبع المصنعة، غرقت في أزمة ما زالت تتخبط في أتونها، أثخنت في جسدها وشلَّت حركتها وتركتها تنزف وتستغيث.

ترقبها جاراتها الأوروبيات عن بعد مرتعدات الأوصال، خائرات القوى، عاجزات أمام زحف كورونا المرعب.

مصانع معطلة، وشركات موصدة الأبواب، طائرات متوقفة وأجواء وحدود مغلقة. كورونا جعلت من نظام العولمة أضحوكة، وهو القائم على حرية انتقال البشر، وانسياب البضائع والمنتوجات وترابط الأسواق.

الناس سواسية أمام كورونا، عاجزون إزاء الموت المحدق، يطل برأسه من كل ما حولهم، ينقض عليهم بغتة، دون سابق إنذار.

لا يعترف بفروقات الشمال أو الجنوب، الشرق أو الغرب.

لا يكترث للمقامات والرتب، ولا للجاه والمال.

لا يرهبه كبار العالم وجبابرته ولا صغاره. بل يبدو أشد فتكًا وضراوة في المجتمعات الأكثر عمرانًا وحركية ووفرة، من الفقيرة القعيدة المعدمة والمعزولة.

استوقفني خبر طريف عن سياح إيطاليين عالقين في إثيوبيا، انقضت مدة إقامتهم، لكنهم رفضوا المغادرة وناشدوا السلطات البقاء، وَجَلًا من كورونا.

هكذا حوَّل الكائن المجهري لوهلة البيض إلى لاجئين لدى الأفارقة الذين استعمروهم دهورًا، ونهبوا خيراتهم، ثم استماتوا في إغلاق أبوابهم في وجوههم. مشهد سيريالي قلب اتجاه حركة الهجرة رأسًا على عقب.

 

اخترقت كورونا حواجز العالم، الجغرافية والإثنية والدينية، وكشفت مجدّدًا وحدة البشرية وهشاشتها أمام الموت والمرض.

أفقدت كورونا الناس اليقين في قدرة العلم على حل كل المشكلات ودرء المخاطر التي تهدد الإنسان، وبدَّدت النزعة العلموية الواثقة. وقف العالم بكل بحوثه ومختبراته وعلمائه مذهولًا، ذليلًا  أمام زحف الفيروس الفتاك.

لكن المفارقة أن الوباء، في الآن ذاته، رفع من شأن الأطباء والعلماء، الذين همشتهم الآلة الرأسمالية عقودًا، فباتت آمال البشرية في الخلاص معلَّقة على أبحاثهم العلمية.

تشخص لهم أبصار الملايين حول العالم، أملًا في وصولهم إلى لقاح منقذ، يحرِّرهم من الخوف ومن بيوت باتت حصونًا يفرّون إليها من العدوّ الداهم.

أقحمت كورونا فكرة الموت في قلب المجتمعات الحديثة، بعد أن غُيِّبت، ووُضعت على  تخوم الحياة الحديثة.

الموت في المجتمعات «المتقدمة» طقس جنائزي لا غير،  تقوم عليه وكالات وشركات خدمات متخصصة، funeral services، وهو يكاد يقترن في الرؤية الجمعية بفئة العجزة وكبار السن، لا غير.

فالمجتمعات الغربية، التي اجتاحتها كورونا، تقوم في جوهرها على طلب الخلود أو التعالي على فكرة الموت، عبر الانغماس التام في الحياة بصخبها، وضجيجها، وصراعاتها، ورهاناتها، ومتعها.

مع انحسار فكرة الموت، وما يقترن بها من عقائد وأديان، بات الإنسان الحديث يلتمس المعنى في حيِّز من وقته يسخّره للمتعة والترفيه، لإعادة «ترميم الذات» التي استنزفتها آلة الإنتاج.

هكذا يتوزع نمط الحياة بين العمل المنتظم والجاد على امتداد الأسبوع، ثم قدر من التصعيد النفسي آخره، وأثناء العطل والإجازات. وكأننا هنا إزاء روبوت تجري صيانة قطعه، استعدادًا لاستئناف حركته المبرمجة بدقة.

فرضت كورونا على المجتمعات الحديثة مواجهة الموت مرَّة أخرى، وهي التي سعت جاهدة لتهميشه ورميه في خانة النسيان.

خلطت كورونا الحياة بالموت مجدَّدًا، في مجتمعات غلبت عليها النزعة الدنيوية المفرطة، أو الدهرية كما يصفها جمال الدين الأفغاني، حيث كل شيء يقاس بالأرقام  الكمية الباردة، ويوزن بميزان المنافع والمصالح.

هنا يستحضر الإنسان عظمة الإسلام في تذكير الإنسان بقيمة الموت في زحمة الحياة، واقتران الدنيا بالآخرة..

وكأنما جسّدت الجائحة الآية القرآنية «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون».

رفعت كورونا منسوب الخوف والجزع في المجتمعات الحديثة، بعد أن حسب الإنسان أنه تخلص منه على غير رجعة، محتميًا بقوة المعرفة والعلم.

الخوف هذه المرة، ليس من المهاجرين والملونين، أو المغايرين في الدين والعرق، بل من أهوال وجوائح الطبيعة، التي يقف أمامها الإنسان ذليلًا ضعيفًا، لا يملك إلا الهروب إلى البيوت والتواري وراء أبوابها المغلقة.

الحداثة عُدَّت في جوهرها انتصارًا على الخوف، وانتقامًا من الغيب. اليوم تجد نفسها مسكونة بهاجس الخوف والرعب من المجهول يداهمها من حيث لا تدري، يوشك أن يفتك بها.

آخر الطواعين هذا، ربما يؤدي إلى معالجة انحراف ثقافي وخلل قيمي فادح، ما انفكَّ يستفحل في العقود الأخيرة: تراجع دور العلم ومقام العلماء والجامعات، لصالح نجوم  الرياضة والفن والموضة.

كل الرقاب اليوم معلقة باللقاح المخلِّص من الوباء الذي يفتك بالبشرية.

وصاحبه لن يكون حتمًا لاعب كرة قدم، أو مغنية، أو ممثلًا، أو عارضة أزياء.

لن يكون قطعًا إلا باحثًا أو عالمًا، منكبًّا بصبر وجدٍّ على الدراسة والتمحيص، والتجربة والتدقيق، في جامعة، أو مركز بحث، أو مختبر.

وهو لعمري انتصار للجدية والمعرفة على السطحية والتفاهة التي غزت عالمنا الموبوء، الذي قد تداوي كورونا بعض علله وعاهاته.

عرض التعليقات
تحميل المزيد