أعلن مسؤولون من منظمة الصحة العالمية يوم أمس الأربعاء 11 مارس (آذار)، أن انتشار فيروس كورونا الجديد قد وصل إلى معدلات انتشار الوباء تقريبًا. وذكر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، في مؤتمر صحفي «أنه في الأسبوعين الماضيين ازداد عدد حالات الإصابة بكورونا خارج الصين 23 ضعفًا، كما تضاعف عدد البلدان المتضررة ثلاث مرات»، مضيفًا: «في الأيام والأسابيع المقبلة، نتوقع أن نرى عدد الحالات وعدد الوفيات وعدد الدول المتضررة سيرتفع أكثر».

وتُعرف منظمة الصحة العالمية الانتشار الوبائي العالمي أو الجائحة «pandemic» بأنه انتشار عالمي لمرض جديد. ويرتبط هذا المصطلح بالأساس على الانتشار الجغرافي للمرض، وشدة التوعك التي يسببها، وآثاره في المجتمع. وأشار مسؤولو منظمة الصحة العالمية إلى حدوث نقطة تحول في انتشار كورونا؛ إذ إن عدد المصابين به حول العالم تجاوز 100 ألف شخص، وأبلغت أكثر من 100 دولة عن وجود حالات على أراضيها.

متى تُعلن حالة الوباء؟

في البداية علينا أن نفرق جيدًا بين بعض المصطلحات المستخدمة في علم الأوبئة، خصوصًا وأن بعضها يترجم إلى العربية بكلمة «وباء»، إلا إن هناك اختلافات جوهرية بينها. ما ذكره المدير العام لمنظمة الصحة العالمية هو اقترابهم من إعلان فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) كحالة انتشار وبائي أو جائحة أو «pandemic»، وهذا المصطلح يختلف عن مصطلح آخر، هو الوباء أو «epidemic».

الوباء أو «epidemic» هو مصطلح يستخدم غالبًا لوصف أي مشكلة مرضية خرجت عن نطاق السيطرة. يُعرَّف الوباء بأنه تفشٍّ لمرض يحدث في منطقة جغرافية واسعة ويؤثر في نسبة عالية من السكان بشكل استثنائي. بكلمات أخرى فإن «الوباء» هو حدث ينتشر فيه المرض بنشاط في بلد أو مجتمع بعينه، أو عدة مجتمعات معينة. في المقابل، فإن مصطلح «الجائحة» أو «pandemic» يتعلق بالانتشار الجغرافي، ويستخدم في وصف المرض الذي يصيب بلدًا بأكمله أو العالم بأسره، وبالتالي هو أمر أكبر وأعلى من الوباء؛ لأنه مرتبط بانتشار جغرافي واسع وكبير.

لا علاقة للانتشار الوبائي العالمي أو الجائحة بخطورة المرض، بل تتعلق بانتشاره الجغرافي. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يُعلن عن حدوث «جائحة» عندما ينتشر مرض جديد لا يتمتع فيه الأشخاص بالحصانة في جميع أنحاء العالم بما يفوق التوقعات. لاحظ أن الحالات التي تنطوي على عودة المسافرين الذين أصيبوا بفيروس كورونا في الصين إلى وطنهم، أو الذين أصيبوا عبر تعرضهم لهذا المسافر المصاب، لا تعني إعلان حالة «الجائحة».

حتى يمكن إعلان حالة «جائحة»؛ يجب أن تكون هناك موجة ثانية من العدوى من شخص لآخر في جميع أنحاء المجتمع. هذا الأمر بدأت تظهر ملامحه في عدة دول بالفعل، وهو ما جعل منظمة الصحة العالمية تستنفر وتصرح باحتمالية تحول كورونا إلى «جائحة». وبمجرد الإعلان، يصبح من المرجح أن يحدث انتشار داخل المجتمع، والحكومات والأنظمة الصحية تحتاج إلى ضمان استعدادها لذلك.

ما الذي سيحدث بعد تحول كورونا إلى جائحة؟

إعلان حالة «الانتشار الوبائي العالمي» أو «الجائحة» يعني أن حظر السفر لن يكون مفيدًا أو منطقيًّا؛ لأن المرض تفشى بالفعل في المجتمع، وسينبه هذا الإعلان السلطات الصحية إلى أنها بحاجة إلى الاستعداد للمرحلة التالية. والتي تشمل إعداد المستشفيات لتدفق كبير من المرضى، وتخزين أي مضادات للفيروسات، وتوعية الجمهور بأنه عندما يحين الوقت سوف يحتاجون إلى التفكير في أشياء مثل البقاء في المنزل عند الإحساس بالمرض، والابتعاد عن التجمعات الكبيرة وما إلى ذلك. هذا الأمر الذي بدأ يحدث في بعض الدول بالفعل.

ووفقًا لخطة منظمة الصحة العالمية للتأهب الوبائي العالمي، تتطلب الاستجابة للجائحة من الحكومات الوطنية أن تعمل على التعبئة الكاملة للأنظمة والمرافق الصحية والعمال على المستويين الوطني والمحلي، وتوزيع معدات الوقاية الشخصية، وتوزيع الأدوية المضادة للفيروسات واللوازم الطبية الأخرى، وفقًا للخطط الوطنية.

Embed from Getty Images

فكرة الإعلان عن «جائحة» عالمية؛ تعني أن العالم لن يكون كما عهدناه. حركة الطيران والسياحة العالمية سيصيبها الشلل، والشركات ستتعامل مع خسائر كبيرة غير مسبوقة. هناك شركات ستعلن إفلاسها مثلما حدث مع شركة «flybe» للطيران. كل الأنشطة الكبيرة ستتوقف، سواء في الرياضة، أو الفن، أو السياسة. لك أن تتخيل أن دولًا لن تجري انتخاباتها، ودولًا أخرى ستعيش في ظل إعلان حالات الطوارئ.

وبالطبع سيكون هناك عجز في بعض المواد الأساسية من الغذاء والأدوية؛ نتيجة توقف المصانع عن العمل، مثلما شاهدنا في الصين. وكما توقفت الحياة في مدن إيطالية، سيحدث الأمر لكن على صعيد عالمي. في كندا دعت الحكومة الناس لتخزين مواد غذائية، وهو أمر سيكون له انعكاس سلبي على اقتصاد العالم لو امتد لباقي الدول.

نحن نتحدث عن أزمة اقتصادية واجتماعية قادمة لن تُمحى آثارها بسهولة، وسنحتاج إلى سنوات وسنوات للتعافي منها والعودة لسابق عهدنا، هذا إن استطعنا. وربما نظرة إلى التاريخ توضح لنا ما يمكن أن يحدث للعالم.

كيف غيرت الأوبئة السابقة العالم؟

يقول فرانك سنوودن، الأستاذ الفخري للتاريخ وتاريخ الطب في جامعة ييل الأمريكية، إن انتشار الأوبئة في التاريخ البشري أثار قضايا فلسفية، ودينية، وأخلاقية عميقة حقًّا. الأوبئة قد شكلت التاريخ جزئيًّا لأنها قادت البشر حتمًا إلى التفكير في هذه الأسئلة الكبيرة. على سبيل المثال، أثار اندلاع الطاعون السؤال عن علاقة الإنسان بالله. كيف يمكن أن يحدث حدث من هذا النوع في ظل وجود ألوهية حكيمة وعالمة كليًّا؟ من الذي سيسمح بتعذيب الأطفال، بألم، بأعداد هائلة؟

كان للطاعون أيضًا تأثير هائل في الاقتصاد. قتل الطاعون نصف سكان القارات الكاملة، وبالتالي، كان له تأثير هائل في مجيء الثورة الصناعية، وفي العبودية. كما أن للأوبئة، كما نرى الآن، تأثيرات هائلة في الاستقرار الاجتماعي والسياسي. حددت الأوبئة نتائج الحروب، ومن المحتمل أيضًا أن تكون الأوبئة جزءًا من بداية الحروب في بعض الأحيان. لذلك، يمكننا القول إنه لا يوجد مجال رئيسي في حياة الإنسان لم تمسه الأمراض الوبائية بعمق.

في القرن السادس الميلادي، اجتاح وباء الطاعون الإمبراطورية الرومانية متسببًا في وفاة بين 30 و50 مليون شخص. وكانت مشاهد المقابر الجماعية التي تضم الأطفال أيضًا بشعة. أدت موجات الأوبئة المتتالية في الإمبراطورية الرومانية على مدى 400 عام، دورًا مهمًّا في انهيارها نهائيًّا.

في القرن الرابع عشر، عاد وباء الطاعون ليتسبب في وفاة 200 مليون شخص في شمال أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، حتى إن ما بين 30 إلى 60% من سكان أوروبا لقوا حتفهم. كانت آثار هذه الكارثة ضخمة وبعيدة المدى؛ إذ تسببت في إخلاء مدن وإيقاف حروب، وعكست تطور اللغات، وأنهت السيطرة الفاسدة للنخب المالكة للأراضي، التي اضطرت إلى مواجهة نقص كبير في العمالة.

تسبب الاستعمار الأوروبي للأمريكتين في مقتل الكثير من الناس، ليس بالقتل المباشر، لكن نتيجة انتشار الأمراض التي لم يكن لدى السكان الأصليين حصانة منها، وأدَّى ذلك إلى تحول البيئة، وتسبب في انخفاض درجات حرارة الأرض، نتيجة الانخفاض الكبير في عدد السكان.

Embed from Getty Images

(العالم سيصاب بالشلل إذا ما تحول كورونا لجائحة)

وباء الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والذي أودى بحياة حوالي 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، خفَّض متوسط ​​العمر المتوقع في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 12 عامًا. أضف إلى هذا أن الأوبئة تظهر الجوانب المظلمة للإنسانية، عبر تفشي الكراهية والعنصرية في المجتمعات. هذا أمر كان واضحًا في خضم وباء فيروس كورونا الجديد، مع انتشار حوادث الكراهية ضد الأجانب من أصول شرق آسيوية. التاريخ يخبرنا أن هذا كان يحدث دائمًا ضد الفقراء والضعفاء.

مصطلحات مهمة يجب عليك معرفتها

علم الأوبئة هو فرع الطب الذي يتعامل مع حدوث الأمراض وانتشارها والسيطرة عليها. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، فإن الجهة الرئيسية التي تجمع هذه البيانات وتشرف عليها هي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC). من بين وظائفه العديدة، يُكلف مركز السيطرة على الأمراض بتوجيه الاستجابة المناسبة لحدوث المرض.

بكلمات أبسط، فإنه عند وقوع أو انتشار مرض معين بنمط غير مألوف مثلما حدث مؤخرًا مع فيروس كورونا، يستنفر هذا الأمر الجهات المعنية للنظر فيه، وحتى يمكن الاستجابة له بشكل فعال ومدروس، فكان لا بد من وجود تصنيفات معينة يُحدد من خلالها نوعية المرض وطبيعته. بناءً على انتشار المرض وحدوثه ومساراته المعروفة أو غير المعروفة، هناك عدة طرق يمكن أن يصف بها عالم الأوبئة حدث المرض:

1- Sporadic أو الانتشار المتقطع

يشير هذا التوصيف إلى مرض يحدث بشكل غير منتظم أو غير متكرر. مسببات الأمراض التي تنتقل عن طريق الأغذية، مثل بكتيريا السالمونيلا، أو الإيشيريشيا كولاي، يمكن أن تسبب تفشي هذا النوع من الأمراض. يمكن أن يكون أقرب للتسمم الغذائي الذي يحدث في بعض الأحيان.

2- Cluster أو انتشار جماعي

يشير هذا الوصف إلى مرض يحدث بأعداد أكبر، على الرغم من أن العدد الفعلي أو السبب الفعلي قد يكون غير مؤكد. مثال على ذلك هو مجموعة من حالات السرطان التي كثيرًا ما يُبلَّغ عنها بعد وقوع كارثة في محطة كيميائية أو نووية.

كورونا يتحول إلى جائحة

3- مرض متوطن

يشير هذا الوصف إلى الوجود المستمر، أو الانتشار المعتاد للمرض في مجتمع جغرافي معين. ويمكن تعريفه بأنه المرض الذي ينتشر في تجمع بدون الحاجة إلى عواملَ خارجية. ربما تكون أحد الأمثلة البارزة هنا هو البلهارسيا في مصر.

4- Hyperendemic أو مرض متوطن متزايد

يشير هذا الوصف إلى وجود مستويات مرتفعة من الأمراض بشكل دائم، تفوق بكثير ما يظهر في السكان الآخرين. على سبيل المثال، يعد فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) متوطنًا متزايدًا في أجزاء من أفريقيا؛ إذ إن واحدًا من بين كل خمسة بالغين مصاب بالمرض. في المقابل يعد المرض متوطنًا فقط في الولايات المتحدة، حيث يصاب واحد من كل 300 شخص تقريبًا.

5- epidemic أو الوباء

يشير مصطلح الوباء إلى زيادة مفاجئة في عدد حالات المرض، لتكون أعلى من المتوقع عادة.

6- outbreak أو التفشي

يحمل مصطلح تفشي المرض تعريف مصطلح الوباء ذاته، ولكنه يستخدم غالبًا لوصف حدث جغرافي أكثر محدودية.

7- pandemic أو الجائحة

تشير الجائحة إلى حالة وباء انتشر في العديد من البلدان أو القارات، وعادة ما يؤثر في عدد كبير من الناس، وهذه المرحلة التي أعلنت منظمة الصحة أن فيروس كورونا قد وصل إليها.

صحة

منذ 4 شهور
يريد مصل «كورونا» غدًا.. هذا ما يجهله ترامب عن مراحل تجارب الدواء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد