جائحة كورونا تغير الحياة في المغرب.. هكذا أثَّرت في الزواج والعمل والتعليم

أثَّرت جائحة كورونا في كل مناحي حياتنا بشكل لم يتخيله أحد، وأحدثت رجة في البنى الاجتماعية والاقتصادية للبلدان؛ نتيجة تدابير الحجر الصحي من أجل احتواء الفيروس، وما يزال العالم يترقب بتوجس التداعيات المستقبلية أو الموجات الأخرى لهذا الوباء.

في هذا التقرير نرصد أهم التغيرات التي لحقت بالحياة في المغرب، على مستوى الزواج والعمل والتعليم، في خضم هذه الجائحة.

الزواج: الأعراس الصغيرة ستصبح شائعة

«عرس ليلة تدبيره عام»

هكذا يقول المثل المغربي عن حفلات الزواج، التي تأخذ الكثير من الوقت والمال في تدبيرها، لكن جائحة كورونا غيَّرت على ما يبدو طقوسًا وعادات كانت راسخة لقرون في ظرف قياسي. فلو كنا في فصل صيف عادي، لكنا سنرى الآن خيام الزفاف منصوبة في كل زقاق بمناطق المغرب، وقاعات الأفراح تعمل ليل نهار، ولكان الناس يستمتعون بتجمعات حضور الأعراس. لكن هذا العام ليس عاديًّا؛ إذ أدى الوباء العالمي وسياسات التباعد الاجتماعي إلى إلغاء التجمعات الكبيرة وتقييد التنقل والسفر، من أجل الحد من انتشار كوفيد-19.

وعلى إثر ذلك، منعت السلطات المغربية التجمعات العمومية التي يُشارك فيها 50 شخصًا وما فوق، بما فيها الأعراس، مما أربك الكثير من الشباب المقبلين على الزواج. في البداية أجَّل معظم العرائس حفلات زفافهم إلى وقت لاحق من هذا العام، إلا أن هذا الوباء أصبح محنة طويلة أكثر مما توقعه العديد من هؤلاء الأزواج، لذلك لجأ العديد منهم اضطرارًا إلى «حفلات الزواج الصغيرة»، لتكون مناسبة بسيطة مقتصرة على العائلة.

بالنظر إلى استمرار الفيروس في التفشي وعدم وجود لقاح حتى الآن؛ فمن المرجح أن تظل التدابير الصارمة بخصوص التجمعات الكبيرة، طوال هذا العام وربما العام المقبل أيضًا، لكن الناس لن يتوقفوا عن الزواج لمجرد وجود جائحة، لذلك سيتجه الكثير من الأزواج إلى هذا النوع من الأعراس البسيطة المصغرة، التي تجرى في بيت العائلة مع قليل من المال والبهرجة.

ويمكن القول بأن الوباء أجبر العرائس والعائلات على إعادة تقييم أولوياتهم، فأصبحت بعض عادات الزواج وطقوسه، التي اعتقدوا ذات مرة أنها غير قابلة للتفاوض، غير ضرورية في ذروة هذه الجائحة العالمية. وربما يرى البعض أنه من المحزن إلى حد ما تقلص حفلات الزفاف المبهجة والمليئة بالمدعوين، إلا أن جُلَّ العرائس يقولون إن الفيروس التاجي ساعد في وضع الأمور في نصابها الصحيح.

وقد مثَّلت الجائحة فرصة لكثير من الشباب المقبلين على الزواج من أجل التخلص من تكاليف الأعراس الباهظة، وتقاليدها الباذخة والمرهقة للناس، من دون القلق بشأن عبء التعرض إلى «الوصم الاجتماعي». بل بدأت فكرة عرس صغير وبتكلفة رخيصة تبدو أكثر جاذبية للمرتبطين.

ومن الممكن أن تصبح الأعراس الصغيرة أكثر شيوعًا في المستقبل، ليس فقط لأسباب صحية، وإنما اقتصادية أيضًا؛ فالمتطلبات التي كان يشترطها المجتمع والعائلة من المقبلين على الزواج كانت تثقل كاهلهم وعائلاتهم، وتعوق الكثير من الشباب عن الزواج. وهكذا قد تتغير ثقافة حفلات الأعراس الباذخة إلى الأعراس البسيطة العائلية، لكن على جانب آخر، فقد يعني ذلك إفلاس منظمي حفلات الأفراح في نهاية المطاف.

العمل: البطالة ورهان العمل عبر الإنترنت

تسببت الجائحة أيضًا في تغييرات قاسية بسوق العمل المغربي، إذ تفشت البطالة، التي تمثل أكبر تحد سيواجه الشباب المغربي في الفترة المقبلة. فمن المرتقب أن يخسر المغرب هذا العام حوالي 712 ألف فرصة عمل حسب المسؤولين، لترتفع البطالة إلى 14.8% من النسبة الإجمالية للسكان.

وتشمل الارتجاجات التي خلفتها الجائحة على الأنشطة الاقتصادية بالمغرب مجموعة من القطاعات، أبرزها قطاع السياحة الذي فقد آلاف الوظائف، بالإضافة إلى النقل الجوي والنسيج. علاوة على أن الحكومة المغربية جمَّدت عملية التوظيف في السلك العمومي حتى سنة 2023، باستثناء  مجال الصحة والتعليم والأمن.

هذه الندرة بخصوص فرص العمل المتوفرة في السوق مع البطالة المتفشية؛ ستزيد مصاعب الشباب المتعلم خلال رحلة البحث عن عمل؛ مما قد يجبر الكثير من حاملي الشهادات على العمل في الأعمال الثانوية، مثل أعمال البناء والفلاحة ومصانع النسيج، من أجل ضمان القوت اليومي، بينما قد يلجأ البعض منهم إلى المبادرة بإنشاء أعمال تجارية صغيرة أو مقاولات صغرى.

وبالرغم من أن قطاعات مثل مجال الخدمات الصحية، والتجارة الإلكترونية، وخدمات التوصيل، ومجال المنظفات، تخلق مناصب عمل  جديدة، في الوقت الذي تخسر فيه العديد من القطاعات مناصب عمل؛ فإن هذه القطاعات ليست كبيرة ومتطورة بما فيه الكفاية في المغرب، لتمتص فائض البطالة المهول الذي خلفه الوباء في البلاد.

ظهر أيضًا نزوع جديد بين الشباب المغربي إلى العمل المنزلي، عقب تداعيات الجائحة، وأصبح البعض يحترف صناعة المحتوى على «إنستجرام» و«يوتيوب» من أجل ربح المال، فيما توجه آخرون إلى منصات تداول الأموال مثل «فوريكس» و«إطورو». فيما تفشت عمليات الاحتيال على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال الترويج للدورات الزائفة وصفحات التوظيف الوهمية، وكذا شبكات التسويق الهرمي.

ويتيح الوباء فرصًا اقتصادية واعدة بالبلدان النامية في التحول الرقمي، عبر إطلاق مشتل للشركات الرقمية والتقنية المحلية، لكن البيروقراطية المعقدة لإنشاء المقاولات والاحتكار يحول دون ذلك في المغرب.

التعليم: التعلم عن بُعد يفرض نفسه

على غرار باقي دول العالم، قرر المغرب تعليق الدراسة في المؤسسات التعليمة للحد من تفشي الفيروس التاجي في البلاد، والاعتماد على «التعليم عن بعد»، ليكون بديلًا للتعليم النظامي في ظل الجائحة، وذلك عبر الاستعانة بوسائل التواصل الحديثة، مثل التلفاز والأجهزة الإلكترونية المتصلة بالإنترنت والتطبيقات الإلكترونية.

ومن ثمَّ، بدأت قنوات وطنية في بث بعض الدروس التعليمية حسب المستويات، وأطلقت وزارة التعليم منصة «TelmidTice» الإلكترونية، التي تحتوي على دروس على شكل فيديوهات ونصوص وتمارين. وبالموازاة مع ذلك برز استخدام تطبيقات إلكترونية، مثل «واتساب» و«ميكروسوفت تيم» ومنصة «يوتيوب»، لدعم الأساتذة في تعليمهم للتلاميذ عن بعد.

لكن لم يخل ذلك من معوقات؛ إذ ما يزال التلاميذ المغاربة يواجهون صعوبات في التعامل مع وسائل التواصل الحديثة، كما أنه لم تُستوعَب بعد  عملية التعلم عن بعد بوصفها ممارسة يجب أخذها بعين الاعتبار وبشكل جدي، بالإضافة إلى تعثر الاتصال بالإنترنت بشكل متكرر؛ مما يقلِّل في مردودية هذا البديل، خاصة في العالم القروي.

ومع ذلك، فإن التعليم عن بعد أصبح يفرض نفسه في العملية التعليمية بالمغرب خلال هذه الجائحة، ومن المرجح أنه سيتعزز في النظام التعليمي مستقبلًا، كما يشير إلى ذلك، وزير التربية الوطنية سعيد أمزازي في تصريحه قائلًا، إن تجربة «التعليم عن بعد مشرفة وتظل قابلة للتطبيق، رغم الظروف الصعبة التي رافقت هذه التجربة».

من جانب آخر، عززت الجائحة أيضًا التعليم المنزلي وانخراط الأهالي في تعلم أبنائهم، بعد أن كان دورهم ضئيلًا أو منعدمًا فيما يخص دراسة أطفالهم، كما أصبح طلاب الجامعة يدركون أكثر أهمية التعلم الذاتي والشعور بالمسؤولية في التعلم، بعدما أغلقت الجامعات من جراء الوباء.

وهكذا من الممكن أن يَغدوَ التعلم عن بعد، وانخراط الأهالي في تعليم أبنائهم في المنزل، والتعلم الذاتي، نهجًا جديدًا في التعلم يترسخ في المنظومة التعليمية المغربية مستقبلًا بفعل الجائحة.

اقتصاد الناس  منذ 4 شهور

كيف تأثر اقتصاد المغرب بجائحة كورونا؟ 5 أسئلة تشرح لك

أثار كورونا في المغربالزواج والعمل والتعليم في المغربالمغربتأثير جائحة كورونا في المغربتداعيات كورونا على المغربتغييرات في الحياة بعد كورونا في المغربمراسم الزواج

المصادر