تدخل الجزائر بخطوات تكاد تكون ثابتة خارطة الدول الموبؤة بجائحة كورونا جراء الانتشار الكبير الذي باتت تشهده مؤخرًا، حتى صارت مستشفيات الجزائر عاجزةً عن استقبال مئات الحالات يوميًا! وما زاد من تفاقم الأزمة نفاد أسطوانات الأكسجين من معظم المستشفيات المخصصة لاستقبال مرضى كوفيد- 19، وما يرافق ذلك من وفيات جماعية للمصابين بالفيروس المستجد، والسلالة الهندية منه المعروفة بمتحور دلتا.

يحدث كل هذا أمام عجز حكومي لمواجهة هذه الظروف، علاوة على تباطؤ عمليات التلقيح بالأمصال المضادة لكورونا، ناهيك عن الوضع الاقتصادي الخانق الذي فاقم من معاناة الجزائريين، ورسم صورة سوداء لمستقبل الجزائر الاقتصادي.

«متحور دلتا» يجتاح البلاد وأعداد الموتى تتضاعف!

يعيش الجزائريون منذ منتصف شهر يوليو (تموز) الفائت أيّامًا صعبة؛ وذلك نتيجة الانتشار الكبير لمتحور دلتا الذي بات ينتشر انتشار النار في الهشيم. ربما صادفك في مواقع التواصل الإجتماعي الجزائرية تعزية يومية أو أكثر لجزائريِ يرثي أحد أقاربه أو معارفه؛ إذ صارت مواقع التواصل الاجتماعي الجزائرية مؤخرًا منصاتٍ عزاء للجزائريين، كما انتشرت فيديوهات عديدة لمستشفيات الجزائر تُظهر اللحظات الأخيرة لمرضى جائحة كورونا وهم يصارعون الموت.

Embed from Getty Images

آخر إحصائية رسمية لإصابات فيروس كورونا بالجزائر كانت تسجيل 1521 إصابة جديدة بفيروس كورونا يوم الجمعة الماضي؛ فيما ارتفع عدد ضحايا الفيروس بالبلاد إلى 4219 بعد تسجيل 30 وفاة خلال اليوم ذاته.

وبالرغم من أن هذه الأرقام تبدو منخفضة مقارنة بالعديد من الدول التي سجلت أرقامًا كبيرة في الإصابات والوفيات، إلا أن سوء تسيير الموارد البشرية والطبية هو ما يدفع بالطاقم الطبي وعائلات المرضى في الجزائر إلى دق ناقوس الخطر، خصوصًا بعد أن انتشر «متحور دلتا» في البلاد، وهي السلالة الأكثر انتشارًا بالعالم، والتي تصعب السيطرة عليها، بحسب المختصين والمراقبين.

في بيانٍ له كشف معهد باستور أنّ «متحور دلتا» من فيروس كورونا أضحى الأول في الجزائر بنسبة 71%، متوقعًا أن تبلغ الإصابة به نسبة 90% خلال الأسابيع القادم، وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت إلى أنّ «متحور دلتا» سيكون الأكثر انتشارًا في الأشهر المقبلة.

أمام هذا الوضع قررت الحكومة الجزائرية – الأحد الماضي – العودة إلى إجراءات الغلق، وذلك بعد جلسة لمجلس الوزراء برئاسة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وقرر مجلس الوزراء المنعقد تطبيق جملةٍ من التدابير لمواجهة ارتفاع الإصابات الناجم عن انتشار متحور دلتا بالبلاد.

أبرز تلك التدابير كان عودة حظر التجوال الليلي لمدة 10 أيام، وإغلاق المساجد، والصالات الرياضية، ومراكز الشباب، والمراكز الثقافية، والمساحات الترفيهية، وخاصة الشواطئ في 35 ولاية، وتعليق النقل الحضري العام والخاص خلال عطلات نهاية الأسبوع في جميع أنحاء البلاد.

أزمة الأكسجين تخنق الجزائريين.. والحكومة تحذر من الشائعات!

يبدو أنّ مصائب الجزائريين لا تأتي فرادى؛ فبعد أن خنق «متحور دلتا» رئاتهم، أتت أزمة نقص الأكسجين بالمستشفيات لتزيد من ألم الجزائريين؛ وذلك بسبب الارتفاع الكبير في عدد الإصابات من جهة، وضعف مخزون الأكسجين بالمستشفيات من جهة أخرى، بالرغم من الإنتاج الكبير، والاكتفاء الذاتي من أسطوانات الأكسجين في الجزائر، والذي وصل إلى حد تصديره للجارة تونس.

لم يعد إيجاد سرير بالمستشفى ذلك التحدي الصعب الذي يواجه مرضى كوفيد-19 بالجزائر، فالتحدي الأصعب حاليًا هو إيجاد أسطوانة أكسجين. فقد دخل المواطن الجزائري في دوامة من البحث عن الأكسجين، وتحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى منصة يوجه عبرها أهالي مرضى كوفيد-19 طلبات مساعدة للحصول على أسطوانات الأكسجين.

في مستشفى «الأخوة ساعد قرمش» المخصصة لحالات الإصابة بفيروس كورونا، في ولاية سكيكدة شرقي العاصمة الجزائرية، تسببت أزمة الأكسجين في وفاة عدّة مرضى، وأعلنت مديرية الصحة في الولاية عبر بيانٍ لها على حسابها الرسمي في موقع «فيسبوك» أن هؤلاء المرضى كانوا في حالة متدهورة للغاية، بحسب تقارير طبية.

ولم تكشف مديرية الصحة في الولاية عن عدد المتوفين، مؤكدة أنهم كانوا مربوطين بمولد الأكسجين، غير أن سعة وتدفق هذا الأخير لم تكن كافية لتغطية كل الاحتياجات بشكل كاف بسبب العدد الكبير للحالات الحرجة. وأظهر مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حالة الذعر داخل أحد أقسام المستشفى بعد نفاد الأكسجين، وصراخ مرافقي المرضى طلبًا لتوفيره.

كما انتشرت عدّة فيديوهات لمواطنين جزائريين يبيتون في العراء أمام مصانع تعبئة الأكسجين من أجل اقتناء أسطوانات لذويهم المرضى، وسط نداءات للجهات الطبية الجزائرية من أجل إعلان حالة الطوارئ لمواجهة الأزمة.

أمام هذه الوضعية دعا وزير الصحة عبد الرحمن بن بوزيد، في اجتماعٍ مع مدراء الصحة والمستشفيات مطلع الأسبوع الماضي، إلى ضرورة الاصطفاف واليقظة لتوفير الأكسجين وتشديد الرقابة على أجهزة حفظ هذا العنصر، وألح الوزير على تحديث المعلومات كل دقيقة، حول احتياجات كل ولاية من مادة الأكسجين عبر «الأرضية الرقمية المتواجدة» – برنامج رقمي للإبلاغ عن أي طارئ – على مستوى الوزارة الأولى. كما دعا المدراء إلى اقتناء أجهزة إضافية لتوليد وتكثيف الأكسجين.

من جهته كشف الوزير الأول، أيمن بن عبد الرحمان مساء الخميس الماضي، عن تدابير استعجالية أقرتها الحكومة لمواجهة أزمة الأكسجين؛ مؤكدًا أنّ الجزائر ستستورد 15 ألف مكثف أكسجين كإجراء استعجالي، يصل 2250 مكثف منها ما بين 3 و5 أغسطس (آب) الحالي. وأضاف الوزير الأول أيضًا، أنّه سيجري اقتناء 10 وحدات ذاتية لإنتاج الأكسجين، علاوة على استيراد 160 ألف لتر من الأكسجين.

كذلك صرّح الوزير الأول أنه جرى اتخاذ جملة من الإجراءات الاستعجالية لتوفير الأكسجين، منها تنصيب خلية أزمة على مستوى الوزارة الأولى لتتبع الوضعية الوبائية، محذرًا في الأخير من عمليات التهويل والانسياق وراء الأخبار الكاذبة بنشر أخبار عن المرضى والجائحة.

Embed from Getty Images

بالرغم من هذه الإجراءات المتخذة من الحكومة الجزائرية؛ غير أنّ أزمة الأكسجين لم تنقشع؛ مما دفع الجزائرين إلى حلّ هذه الأزمة بعيدًا عن وعود الحكومة؛ وذلك من خلال حملات التبرع الشعبية التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، ونجحت في جمع ملايين الدينارات.

بدأت الجالية الجزائرية في الخارج حملات التبرّع من خلال تنسيقية منظمات الجالية الجزائرية بالخارج، التي أعلنت إطلاق حملة تبرعات واسعة في أوساط المهاجرين بالتنسيق مع مؤسسة الجزائر المتحدة الخيرية، وممثلين عن رجال أعمال جزائريين مغتربين، من أجل دعم القطاع الصحي في الجزائر في مواجهة كورونا، خاصة مكثفات الأكسجين.

لتلي ذلك حملات تبرعٍ في معظم ولايات الجزائر من أجل اقتناء وحدات تكثيف الأكسجين، كذلك تمكن مشاهير «الإنستجرام» ومؤثريه في الجزائر من جمع أكثر من مليارين لصالح مرضى كورونا، خاصة بعد تمكن «متحور دلتا» شديد الانتشار من البلاد، وذلك بعد أقل من 24 ساعة من إطلاقهم حملة لجمع التبرعات مع مجموعة من الأطباء الجزائريين المقيمين في فرنسا.

أقل من مليون جزائري تلقوا جرعتي اللقاح!

تراهن منظمة الصحة العالمية على اللقاح باعتباره طوق نجاة لاحتواء جائحة كورونا، فبينما تسير عمليات التلقيح في الدول الكبرى والمتقدمة بوتيرة سريعة، بحيث وصل معدل السكان الذين تلقوا اللقاح في أوروبا إلى 37%، وفي أمريكا الشمالية إلى 40% وفقًا لأحدث البيانات؛ لا يزال هاجس الخوف من اللقاح يقف حاجزًا أمام السلطات الجزائرية لتنفيذ إستراتيجيتها في تلقيح نصف سكانها قبل نهاية السنة.

في أحدث إحصائياتٍ لعمليات التلقيح تلقى قرابة 3 ملايين ونصف مواطن جزائري فقط اللقاح، منهم مليونان و696 ألف و467 شخصًا تلقى الجرعة الأولى فقط، فيما بلغ عدد الملقحين بالجرعة الثانية 724 ألف و812 شخصًا، وذلك منذ 30 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو رقمٌ بعيدٌ عن آمال الحكومة الجزائرية في تطعيم أكثر من 15 مليون جزائري قبل نهاية سنة 2021.

Embed from Getty Images

ويلاحظ من هذه الأرقام ارتياب وخوف الجزائريين من أخذ اللقاح، على الرغم من توفره، والحملات الإعلامية الرسمية التي ترافقه؛ الأمر الذي دفع بالسلطات الجزائرية إلى التلميح بعزمها فرض إجبارية للتلقيح.

وكشف الوزير الأول مساء الجمعة الماضية عن أن الحكومة الجزائرية حصلت على أكثر من 9 ملايين و200 ألف جرعة لقاح حتى نهاية شهر يوليو الماضي، علاوة على جانب 5 ملايين جرعة ستصل في شهر سبتمبر (أيلول)، مشيرًا إلى أنه ابتداء من منتصف سبتمبر المقبل ستنطلق وحدة إنتاج اللقاح في قسنطينة بقدرة إنتاج 2.5 مليون جرعة من لقاح «سينوفاك».

لكن.. ما تأثير الإغلاق الجديد وتفشي «متحور دلتا» على الاقتصاد؟

تعرض الاقتصاد الجزائري لهزّة عنيفة خلال سنة 2020؛ بسبب جائحة كورونا من جهة، واستمرار مسلسل انهيار أسعار النفط – التي يرتكز عليها الاقتصاد الجزائري – من جهة أخرى؛ الأمر الذي أدى إلى حدوث عجز تاريخي في موازنة البلاد للسنة الجارية؛ إذ بلغ 22 مليار دولار.

بقراءة اقتصادية استطاعت الحكومة الجزائرية – إلى حدٍ ما – مجابهة تأثيرات انخفاض أسعار النفط الذي امتدّ من سنة 2015 حتى الآن، من خلال الدخول في مرحلة تقشفٍ أثقلت كاهل الجزائريين وأنقصت حجم احتياطي الصرف إلى 42 مليار دولار بعد أن كان سنة 2015 في حدود 160 مليار دولار؛ ما أبعد عن البلاد شبح الإفلاس.

Embed from Getty Images

غير أنّ الهزّة الاقتصادية لجائحة كورونا جعلت الاقتصاد الجزائري يدخل مرحلة الاحتضار، وبحسب تقرير صادر عن المركز الجزائري للبحث في الاقتصاد المطبق من أجل التنمية، وهو مركز حكومي فإن الشركات الاقتصادية الجزائرية خسرت 50% من رقم أعمالها خلال سنة 2020 فقط بسبب تداعيات فيروس كورونا.

وقبل الجائحة كان ما يقرب من ثلث الشباب الجزائري عاطلين عن العمل، أمّا الآن فتشير الأرقام إلى أنّ هذا المعدل قد ارتفع بعد فقدان نصف مليون وظيفة مباشرة، ونصف مليون وظيفة أخرى في الاقتصاد الموازي (السوق السوداء) خلال سنة واحدة.

ولتخيّل حجم الضرر الذي تخلّفه جائحة كورونا على الاقتصاد الجزائري يكفي أن نشير إلى أنّ خسائر قطاعٍ واحد، وهو قطاع السياحة، تصل إلى 230 مليون دولار شهريًا نتيجة القيود والتدابير الوقائية التي فرضتها جائحة كورونا، وفق ما صرّح به المدير العام للسياحة للإذاعة الجزائرية شهر أبريل (نيسان) الماضي.

صندوق النقد الدولي دخل على خط الأزمة أيضًا من خلال رسمه صورةً قاتمة للاقتصاد الجزائري، بحيث توقّع عجزًا في الميزانية للحكومة الجزائرية بنسبة 18.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، بالرغم من توقع ارتفاع أسعار النفط.

ولمعادلة ميزانيتها، أضاف صندوق النقد الدولي بأن الجزائر بحاجةٍ إلى أن يبلغ سعر نفط 160 دولارًا للبرميل، أي أكثر من ضعف السعر الحالي البالغ 72 دولارًا، وهو أمرٌ شبه مستحيل؛ مما يفاقم من توقعات حصول ركود وأزمة اقتصادية كبيرة بالبلاد خلال السنوات القليلة المقبلة.

ولمعالجة الأزمة الاقتصادية، وتأثيرات جائحة كورونا المرافقة لها، وتفشي «متحور دلتا» في البلاد، لجأت السلطات الجزائرية إلى تقليص الإنفاق الحكومي بواقع النصف تقريبًا، وتجميد مشاريع في عدة قطاعات من جهة، ومضاعفة صادراتها خارج المحروقات، التي ارتفعت بأكثر من 95% في النصف الأول من سنة 2021 من جهة ثانية، وهو مؤشرٌ قد يشي باحتمالية اجتياز الجزائر ما هو قادم من تأثيرات الجائحة على الاقتصاد، فهل يصمد الاقتصاد الجزائري أمام «متحور دلتا»؟

المصادر

تحميل المزيد