نجا المغاربة في الأيام القليلة الماضية، بأعجوبة من محاولة السلطة سرًّا تمرير «مشروع قانون 22.20»، أو ما بات يُعرف بقانون «تكميم الأفواه»، مستغلة حالة الطوارئ الصحية التي فرضتها فيروس كورونا المستجد في البلاد؛ وذلك بفضل الرفض الشعبي الواسع لهذا القانون، الذي كان سيقضي تمامًا على ما تبقى من هامش حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا نجح تمريره.

لكن يبدو أن هناك سيناريو آخر مشابهًا قادم، قد لا يقل خطورة على حقوق الفرد الأساسية، يتعلق باستعداد الحكومة المغربية لإطلاق «تطبيق تتبع كورونا»، بوصفه إجراء تقنيًّا للتعامل مع الجائحة في فترة ما بعد الحجر، على غرار عدد من بلدان العالم، التي تشهد جدلًا محتدمًا في كيفية تفعيل تقنية التتبع بدون تجسس السلطة على المواطنين.

«مراقبة على الدوام».. مخاوف حقوقية من «تطبيق تتبع كورونا»

أدى النجاح اللافت للكثير من دول آسيا في قدرتها على احتواء جائحة كورونا إلى انبهار بقية العالم بتجاربهم، ما دفع العديد من البلدان، بما فيها دول أوروبا، إلى تبني أساليبهم في التعامل مع فيروس كورونا، مهما بدت «قاسية» أو غير مناسبة لشعوبهم. التتبع الإلكتروني للعدوى واحد من هذه الأساليب.

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، فإن هناك 27 دولة على الأقل تستخدم بيانات من شركات الهواتف المحمولة لتتبع تحركات مواطنيها، من بينها الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة. فيما تعمل 30 دولة أخرى على تطوير تطبيقات تتبع للهواتف الذكية من أجل عرضها على مواطنيهم، بما فيها دول أوروبية مثل فرنسا وسويسرا وألمانيا.

Embed from Getty Images

والمغرب هو الآخر يتجه إلى إطلاق تطبيق ذكي خاص بتتبع فيروس كورونا، باعتباره حلًّا رقميًّا تعول عليه السلطات في مكافحة جائحة كورونا خلال مرحلة ما بعد الحجر، التي من المقرر أن تبدأ في 20 مايو (أيار) الحالي إذا لم يتم تمديد الحجر الصحي مرة ثانية. وكانت وزارة الداخلية المغربية قد أطلقت في 10 من شهر أبريل (نيسان) المنصرم عرضًا موجهًا للشركات التكنولوجية، من أجل تطوير تطبيق خاص للمغرب بغرض تتبع عدوى كورونا.

وحول طريقة عمله، يقوم تطبيق تتبع كورونا، بتتبع حركة الأفراد، ومن ثم ينبه صاحبه بإشعار في حال كان قد اقترب من شخص ثبتت إصابته بالفيروس، وهكذا يستطيع جنود الصحة العامة معرفة المخالطين والوصول إليهم بصورة سريعة وعزلهم مبكرًا، مما يساعد في الأخير على الحد من تفشي الفيروس وسط الناس.

غير أن الموضوع لا يخلو من تخوفات الحقوقيين المغاربة من انتهاك الخصوصية، «فنحن ليس لدينا ضمانات لانتهاك الخصوصيات الشخصية، وأن يستمر هذا الانتهاك حتى خارج الحجر الصحي وبعد حالة الطوارئ، حيث سيصبح المواطن المغربي مراقبًا أينما حل وارتحل»، بحسب تعبير عزيز غالي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لموقع «لكم».

على جانب آخر، تخشى هيئات مغربية من الاستعانة بتطبيقات الشركات الإسرائيلية المعروفة في مجال التجسس الإلكتروني، إذ إن شركة «إن إس أو (NSO) الإسرائيلية، التي سبق لها أن صممت برامج تجسس لفائدة الحكومات الاستبدادية؛ قد أطلقت برنامجها الجديد لتتبع كورونا، المسمى «Fleming»، وتقول الشركة إنه يتم اختباره من قبل أكثر من 20 حكومة حول العالم، دون ذكر البلدان المعنية.

هل «تطبيق تتبع كورونا» هو الحل في مواجهة الجائحة؟

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية؛ فإن الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي هما أفضل طريقة لمواجهة جائحة كورونا، ما دام لم يتم التوصل بعد إلى لقاح ناجع للفيروس، غير أن هذا الأخير لن يتوافر إلا بعد عام على الأقل. ومن ثمة فعاجلًا أم آجلًا سيتحتم على البلدان التعايش مع الوباء، فالتلاميذ يحتاجون للعودة إلى المدارس، والمواطنون ينتظرون بفارغ الصبر العودة إلى العمل لإعالة أسرهم، فضلًا عن أن الدولة لا يمكنها أن تستمر بدون استرجاع النشاط الاقتصادي والإداري، وهو ما دفع الحكومات إلى التفكير في الاستعانة بالتكنولوجيا الرقمية لمسايرة الوباء خلال مرحلة ما بعد الحجر.

وفي هذا الصدد، يشير تقرير أعده باحثون طبيون وخبراء في علم الأحياء من جامعة أكسفورد، نُشر في مجلة «ساينس»، إلى أنه في حال استخدم عدد قليل نسبيًا من الأشخاص أدوات تتبع الاتصال الرقمية؛ فإن انتشار الفيروس قد يتباطأ، لكن للسيطرة عليه يتطلب استخدام 60٪ من السكان لتطبيق تتبع كورونا.

وقد أثبتت التجربة الكورية الجنوبية دور هذه الاستراتيجية، فبفضل التتبع الرقمي عبر الهواتف المحمولة واستخدام بطاقة الائتمان ولقطات الكاميرا الأمنية، تستطيع السلطات الصحية الكورية الجنوبية مراقبة تحركات المرضى المصابين بفيروس كورونا عن كثب، وإجراء اختبارات على الأشخاص المخالطين المحتمل إصابتهم.

«نحن نعرف اتصالات المريض، وأين ذهب المريض وأين يبقى، وبالتالي لا نحتاج إلى الحجر على الجميع». *كي مو ران، اختصاصي الوبائيات.

 والنتيجة هي نجاح كوريا الجنوبية، البالغ عدد سكانها 52 مليون نسمة، في مواجهة تفشي الفيروس، إذ لا يتجاوز عدد وفياتها حتى اللحظة 256 حالة وفاة، علما أنها لم تباشر حجرًا تامًا على السكان كما فعل معظم بقية العالم.

بالمقابل، «نريد المساهمة في السيطرة على الوباء بطبيعة الحال، ولكن ليس بأي ثمن» كما تنبه خبيرة الأمن السيبراني سولانج جراونتي، إذ يَكْمُن خطر استغلال السلطة الأزمة وأولوية الناس للصحة إلى اعتماد أنظمة للمراقبة قد لا يتم إلغاء تثبيتها بعد ذلك، لإنشاء «دولة الأخ الأكبر»، حيث يخضع فيها كل شيء تقريبًا للرقابة والمتابعة أكثر من أي وقت مضى، تمامًا على طريقة الاستبداد الصيني.

اقتصاد الناس

منذ 6 شهور
هل تصمد دول المغرب العربي اقتصاديًّا أمام جائحة كورونا؟

وبسبب مخاوف «انتهاك الحريات والخصوصية» من وراء «تطبيق تتبع كورونا»، لم تلجأ أمريكا ودول أوروبا إلى استعمال أدوات المراقبة الرقمية في مواجهة تفشي كورونا رغم الخسائر الفادحة. ووضعت البلدان الغربية، التي تعتزم نهج «تطبيق التتبع» خلال الفترة القادمة، ضمانات في محاولة لإقناع مواطنيها، إذ سيكون قرار استخدامه اختياريًا، وسيعتمد على تقنية «البلوتوث» لقياس المسافة بينك وبين المستخدمين الآخرين، وليس على نظام تحديد الموقع (GPS). كذلك سيعمل النظام بطريقة لامركزية، أي أن البيانات التي يتم تجميعها لن يجري تخزينها على خادم واحد. وبالتالي ستكون العملية برمتها مجهولة الهوية ولا تتدخل فيها السلطة، بل تتكفل الأطر الصحية بإدارة العملية.

ومع ذلك يقول دييغو نارانخو، رئيس السياسة في منظمة الحقوق الرقمية الأوروبية، وهي مجموعة مناصرة تسعى إلى حماية الخصوصية الرقمية، «حتى إذا تم ذلك بأفضل النوايا، يجب أن نكون حذرين من أن هذه الإجراءات لن تصبح دائمة».

يوفال هراري: المراقبة الشمولية VS تمكين المواطنين

سبق للكاتب والبروفيسور يوفال نوح هراري أن وضّح بجلاء خطر «تقنيات جمع البيانات البيولوجية» الذي يتهدد المجتمعات البشرية، في كتبه الثلاثة، لا سيما كتابه «21 درس للقرن الواحد والعشرين».

ويعتقد نوح هراري، في مقاله المطول الذي كتبه في «فايننشيال تايمز» والذي ترجمه «ساسة بوست»، أنه في وقت الأزمة مثل هذا الذي نعيشه مع جائحة كورونا، نواجه خيارين بين المراقبة الشمولية أو تمكين المواطنين. فتوظيف أدوات المراقبة الرقمية من قبل الحكومات ليس جديدًا، لكن الجديد كما يقول هراري أن هذا الوباء قد يكون محطة فاصلة في تاريخ المراقبة، إذ ستنتقل عين «الأخ الأكبر» إلى تحت الجلد، حيث تريد الحكومات معرفة حرارة الناس وتحركاتهم بشكل جماعي في سياق مكافحة كورونا.

بالإمكان الادعاء أن هذه المراقبة البيومترية بمثابة إجراء مؤقت يتم اتخاذه أثناء حالة الطوارئ، وستختفي سريعًا، لكن التدابير المؤقتة لها عادة سيئة في تجاوز حالات الطوارئ، خاصة وأن هناك دائمًا حالة طوارئ جديدة تلوح في الأفق. حتى عندما تنخفض الإصابة بالفيروس التاجي إلى الصفر، يمكن لبعض الحكومات المتعطشة للبيانات أن تجادل بأنها بحاجة إلى إبقاء أنظمة المراقبة البيومترية في مكانها لأنها تخشى حدوث موجة ثانية من الفيروس التاجي، أو لأن هناك سلالة جديدة من فيروس إيبولا تتطور في وسط أفريقيا، أو لسبب آخر.

مجتمع

منذ 6 شهور
يوفال هراري: كيف سيكون شكل العالم بعد أزمة فيروس كورونا؟

لذلك يؤكد يوفال هراري على أن نكون حذرين بشأن المراقبة البيومترية، التي تترصد المرء أينما ذهب ومع من تقابل وبماذا يشعر، حيث يمكن أن تفضح بياناته الشخصية ميولاته السياسية. يوضح هراري «تخيل عندما يضطر كل مواطن في كوريا الشمالية إلى ارتداء سوار بيومتري على مدار 24 ساعة في اليوم. إذا استمعت إلى خطاب القائد العظيم والتقط السوار علامات الغضب لديك بقياس ضغطك، فأنت بالتأكيد في عداد الأموات».

لذا ليس علينا أن نختار بين الخصوصية والصحة، كما يقول الكاتب، بل يمكننا أن نختار حماية صحتنا ووقف وباء الفيروس التاجي، ليس عن طريق إنشاء أنظمة مراقبة استبدادية، ولكن عن طريق تمكين المواطنين، فعندما يتم إخبار الناس بالحقائق العلمية، يمكن للمواطنين أن يفعلوا الشيء الصحيح حتى بدون أن يراقب الأخ الأكبر أكتافهم عبر تطبيق تتبع كورونا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد