«كل ذراع نستخدمه لفهم ومحاربة جائحة كورونا، يعتمد على ما تعلمناه من الجينات، وعلم الوراثة في القرن الماضي». * سيدهارتا موكرجي

هذا مايقوله طبيب الأورام الهندي الأمريكي، والباحث في جامعة كولومبيا، صاحب كتاب «إمبراطور السرطان»، وكتاب «الجين تاريخ حميم»، سيدهارتا موكرجي الذي حارب اللوكيما، واليوجينيا الحديثة، يحاول في الوقت ذاته التخلص من المعاناة التي تسببها الجينات للإنسان من تاريخه الوراثي الذي يحمله على عاتقه.

جائحة كورونا.. «حرب طبقية مثل كل شيء»

قد لا يفرّق فيروس كورونا بين أصحاب الياقات البيضاء، والعمال أصحاب الياقات الزرقاء، لكن الدولة تفعل، واقتصاديات السوق الحر أيضًا. فلا يمتلك العامل الرفاهية على عزل نفسه في المنزل، وحتى السوق الحر لم يساعد أطقم التمريض التي ترتدي أكياس القمامة بعد نفاذ الأقنعة الواقية. 

إذا كانت الموارد الطبية شحيحة، فمن أولى بالعيش في رأي السوق الحر؟ هذا السوق نفسه الذي لم يقدم رعاية طبية مناسبة للجميع؛ توفت إيميلي والاس عن عمر 67 عام، وهي من ذوي متلازمة داون، على أثر إصابتها بفيروس كورونا المستجد، في دار رعاية بولاية جورجيا، والتي انتقلت إليها بعد وفاة زوجها، وكانا أول زوجين من ذوي متلازمة داون في الولاية، كانت والاس قد تلقت العدوى من أحد العاملين بالدار، ولم تجرى من الأساس محاولات لإنقاذها.

Embed from Getty Images

وحرب الجينات هذه أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية، على 7 مليون شخص أمريكي من ذوي الإعاقة، بأن أصدرت توجيهات للأطباء بأن الأشخاص الذين يعانون من تخلف عقلي، أو خرف، أو شلل أو توحد، أو مضاعفات عصبية شديدة، مثل الموجودين في «الحالة الخضرية» غير مرجح أن يحصلوا على دعم طبي، أو أجهزة تنفس صناعي، إذا شُخصوا بفيروس كورونا، وذلك لقلة الموارد المتاحة. وقد أثار هذا الأمر سخط الجمعيات المدافعة عن حقوق ذوي الإعاقة، ودفعهم لتقديم شكاوى، وتظلمات ضد وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية. 

تقبُل الجينات السيئة فرصة للتخلص من الأمراض

وُلد سيدهارتا موكرجي بمدينة نيودلهي في يوليو (تموز) 1972، وعانت عائلة أبيه من أمراض الشيزوفرينيا، واضطراب ثنائي القطب لأسباب جينية بالأساس، وأسباب أخرى خاصة بالبيئة. لذا كان عليه فهم تاريخ علم الوراثة، والجينات ليحارب تاريخ عائلته القوي مع المرض النفسي، الذي يقول عنه في كتاب «الجين» الذي دمج فيه بين تاريخ الجينات، وتاريخ عائلته: «الفصام الذي يسري عبر العائلات مثل نصل منشار يشق الأجيال».

وعلمته الوراثة ألا يلقي جيناته خلف ظهره، ويخجل منها، بل أن يفهمها ويحترمها، لأن البديل مفجع حقًا، فليس علينا أن نجتث جذور أصحاب الجينات السيئة والضعيفة، لكنه في الوقت ذاته لا يرى أن الجينات حتمية، فمشروعه يعتمد على التخلص من الأمراض الوراثية، التي تتسبب بها عدة جينات.

وتلاعب البشر بالجينات، أو السماح بتمرير الجينات الجيدة فقط ليست فكرة جديدة، ويقول سيدهارتا موكرجي سابقًا في معرض حديثه عن الجينات، أنه لو كان هناك معايير للاستمرار الجينات الجيدة، والسماح لفئة من البشر فقط بالتكاثر كما كان يرى أفلاطون لما كان موكرجي ذاته موجودًا، فلم يكن يتسنى لعائلته تمرير جيناتها السيئة.

كورونا يضع أطباء السرطان في مأزق!

في كتابه «إمبراطور السرطان» الحائز على جائزة بوليتيز عام 2011 يحكي سيدهارتا موكرجي عن السرطان، الوَحش الأكثر شراسة من المقصلة. بدءًا من المخطوطات التي تصفه في مصر القديمة، حتى آخر الاكتشافات العلمية في أكبر المعاهد الطبية.

وقد شرع سيدهارتا موكرجي في إنجاز هذا الكتاب لكون السرطان لا يزال مرضًا غامضًا للعامة، بالرغم من أن تاريخه قديم للغاية حتى مع ندرته، وهذه الندرة نفسها سببها أن معظم المجتمعات القديمة لم تكن تعيش طويلًا لتصاب بالسرطان كما يقول. فقد ربط أطباء القرن التاسع عشر ظهور السرطان بالحضارة، لكن السبب عند موكرجي كان له تفسير آخر؛ فالحضارة أطالت عمر الإنسان وهو أحد العوامل التي ساهمت في انتشار السرطان.

 وتجذرت حرب موكرجي على السرطان بعد فيروس كورونا المستجد، فهو يقول إن مرضى الأورام حاليًا في مأزق، وذلك لأنه كطبيب أورام لا يقدر على تأخير العلاج عن مرضاه، وفي الوقت ذاته يعرض العلاج الكيماوي المرضى لضعف المناعة، فكيف سيواجه مرضى الأورام الفيروس بمناعة منقوصة؟

ولأننا لا نعلم الكثير عن هذا الفيروس المستجد، لا توجد توصيات طبية بعينها لمرضى الأورام، فقد أوضحت الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريرية أنه لا يمكن النصح بتأجيل جلسات العلاج الكيماوي، أو عدم تأجيلها، بسبب مرض كوفيد 19 وهو ما يجعل كل طبيب يرتجل، فلا توجد توصيات تناسب الجميع، ويعتمد الأمر على درجة المرض، ونوع العلاج الكيماوي، لكن موكرجي يرى أنه في حالة إصابة مريض السرطان بفيروس كورونا فالأمر مثل أي عدوى أخرى، لابد عن علاج الفيروس أولًا قبل استئناف العلاج الكيماوي، ويُذكر أن هناك 650 ألف مريض سرطان يتلقون العلاج الكيماوي سنويًا في أمريكا وحدها.

«الفرد من أجل الجميع».. مصيرنا مشترك أمام فيروس كورونا

مثلما فكك موكرجي فكرة غموض السرطان؛ يفكك غموض هذا الفيروس أيضًا، فبالرغم من أن فيروس كورونا المستجد فريد، لكننا نعلم الكثير عن عائلة الفيروسات التاجية، ومنها سارس وميرس وتعاملنا معها طويلًا، كما أن التجارب السريرية تُجرى على قدم وساق من أجل علاج المرضى، ولا يحتاج العلماء سوى لبعض الوقت.

لكنه هناك شيئًا آخر يجب أن يسبق العلوم الصعبة والطب؛ وهي العلوم الاجتماعية. فالخلاص في رأيه  يجب أن يكون جماعيًا، ويجب أن يمتلك الفرد مسئولية مجتمعية، بدءًا من أبسط الأشياء بأن تترك قناع الوجه الجراحي للطاقم الطبي فقط، فعلم الأوبئة هو علم الجموع في مقابل فردانية الطب.

صحة

منذ 6 شهور
مترجم: جيش من المتعافين من كورونا.. ماذا يمكن أن يقدموا للعالم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد