العالم ليس مرتبطًا فقط من خلال الإنترنت ولكن أيضًا من خلال أسواقها، وتقع الصين في قلب تلك الأسواق حيث تعد اللاعب الأكبر في سلاسل التوريد العالمية. هذا اللاعب الآن في مرمى غضب الطبيعة؛ حيث يعاني من انتشار فيروس جديد يُدعى «كورونا»، مما أدى إلى إغلاق وسائل النقل في العديد من المدن الصينية مع تمديد عطلة رأس السنة القمرية حتى الثاني من فبراير (شباط).

وأثار فيروس كورونا، الذي يمكن أن يؤدي إلى نوع من الالتهاب الرئوي، ناقوس الخطر وأدى إلى تزايد الذعر العالمي لكونه يأتي من من عائلة الفيروسات نفسها التي تسببت في وباء السارس الذي أودى بحياة نحو 800 شخص في عام 2003. ووصل عدد حالات الوفاة الناجمة عن الفيروس التاجي حتى الآن إلى 132 شخصًا مع تزايد حالات الإصابة إلى أكثر من 5 آلاف حالة وهو ما يتجاوز حالات الإصابة التي سجلتها الصين بفعل وباء السارس في الفترة بين الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2002 وحتى الحادي والثلاثين من يوليو 2003 عندما وصلت إلى 5327 حالة، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية.

صحة

منذ 3 أسابيع
«كورونا».. كل ما تريد معرفته عن الفيروس المميت الذي يجتاح الصين
43642
فريق العمل

كما تشير الأرقام الأولية الواردة من الحكومة الصينية إلى معدل وفيات يتراوح بين 2% و 3% بسبب الفيروس الجديد، مقارنة بمعدل وفيات حوالي 7% بفعل وباء السارس، وانتشر المرض إلى ما وراء مدينة «ووهان» إلى «بكين» و«شنغهاي» وغيرها من المدن المكتظة بالسكان في البلاد، كما تم الإبلاغ عن حالات في أجزاء أخرى من آسيا مثل تايلاند واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، أما عن أوروبا، فقد تم الإبلاغ عن حالات في فرنسا وألمانيا، فضلًا عن وجود خمس حالات مؤكدة في الولايات المتحدة.

وانطلاقًا مما سبق، نستعرض في هذا التقرير تأثير انتشار الفيروس التاجي الجديد على الاقتصاد الصيني في كافة جوانبه، مع الإشارة إلى كيفية تأثيره على الملف التجاري بين واشنطن وبكين.

آثار فيروس كورونا على الاقتصاد الصيني

انهارت البورصات الصينية بالفعل قبل بدء العطلات الرسمية؛ إذ تراجع مؤشر «شنغهاي» المركب و«شنتشن» بنسبة 3.52% و2.75% على الترتيب، ولن يكون التأثير الكامل للفيروس التاجي على الاقتصاد الصيني والعالمي معروفًا إلا بعد احتواء انتشاره بالكامل واستعادة النشاط التجاري بشكل طبيعي، ولكن التقديرات الأولية تشير إلى أن تفشي فيروس «كورونا» قد يخفض النمو الاقتصادي في الصين بنسبة تتراوح بين 0.5% إلى 1%، مع تحقيق خسائر بقيمة 136 مليار دولار.

وإذا انخفض النمو الصيني بمقدار نقطة مئوية واحدة، فإن التقييمات الأولية توضح أن النمو العالمي في عام 2020 سينخفض ​​بنحو نقطتين مئويتين. كما توقع محللو شركة الأبحاث «نوميرا» أن تكون تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد الصيني، أكبر من نظيرتها وقت انتشار فيروس «سارس» عام 2003، مع احتمالية تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الأول من 2020 بأكثر من 2% على أساس فصلي، وهي نسبة تراجعه في الربع الثاني من 2003.

ولعل أبرز الآثار السريعة المترتبة على الفيروس هي؛ تعليق الرحلات الجوية مع إغلاق المطاعم والمسارح ودور السينما في جميع أنحاء الصين، مع اتجاه العديد من الشركات والمصانع لإغلاق فروعها في الصين حتى يتم احتواء الفيروس بشكل كامل.

وقالت «كابيتال إيكونوميكس» إن تأثير تفشي الفيروس يمكن أن يكون مشابهًا لانتشار وباء السارس عام 2003 الذي تسبب في انخفاض نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم بمقدار ثلاث نقاط مئوية، وعلى الرغم من أن الصين تعافت بسرعة من السارس، إلا أن الاقتصاد المحلي كان أقوى بكثير حينها مقارنة مع الوقت الحالي؛ إذ تعاني الصين حاليًا من تباطؤ اقتصادها بأضعف وتيرة في 29 عامًا مع تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

«بلومبرج»: تهديدات تنتظر ثاني أكبر اقتصاد في العالم.. لماذا تخشى الصين ترامب في 2018؟

كما يستعد قطاعا النقل الجوي والسكك الحديدية لتحقيق خسائر فادحة، مع انخفاض حجم المسافرين بنسبة 40% على أساس سنوي في اليوم الأول من العام القمري الجديد، كما سيخسران 6.4% من الإيرادات السنوية أي ما تُقدر قيمته بـ64 مليار يوان (9.2 مليار دولار أمريكي). فيما وصلت إيرادات شباك التذاكر في الصين خلال اليوم الأول من السنة القمرية الجديدة إلى 1.81 مليون يوان فقط، مقارنة مع 1.45 مليار يوان تحققت في نفس اليوم من العام الماضي.

ويأتي ذلك بينما تنصح الشركات الصينية موظفيها بالعمل من المنزل، كما تمنح بعض الشركات إجازات طويلة الأمد للعاملين، كما تنصح الموظفين العائدين من المناطق المصابة بالفيروس بالبقاء بعيدًا عن العمل، وطلبت الصين من الشركات أن تظل مغلقة لمدة أسبوع إضافي، بينما فرضت قيود على السفر في حوالي 20 مدينة، كما تم إيقاف العديد من خدمات الحافلات الطويلة والسكك الحديدية عالية السرعة.

كما بدأت كبرى شركات صناعة السيارات باتخاذ العديد من الخطوات لإعادة موظفيها العاملين في الصين إلى بلادهم، مع تقييد أو حظر سفرهم إلى هناك، ويأتي ذلك مع اتجاه عدد متزايد من شركات الطيران لإلغاء الرحلات الجوية من وإلى الصين مثل الخطوط الجوية البريطانية والأمريكية من أجل مكافحة تفشي الفيروس الصيني في جميع أنحاء العالم.

هذه هي إمكانيات الصين لاحتواء أضرار الفيروس اقتصاديًا

توجد بعض الآراء التي تشير إلى قدرة السلطات الصينية على احتواء الفيروس الجديد بسبب الاستجابة السريعة من جانبها، كما توجد أربعة أسباب من الممكن أن تساهم في تقليل أثر الفيروس على الاقتصاد الصيني، وخاصة مع تأكيد الرئيس «شي جين بينج» على قدرة بلاده على احتواء فيروس «كورونا» بشكل كامل، ويمكن عرض تلك الأسباب على النحو الآتي:

1- أصبحت الصين في عصر التجارة الإلكترونية مع قيام المستهلكين بشكل متزايد بالتسوق عبر الإنترنت، ومن المرجح أن يعوض زيادة المبيعات عبر الإنترنت أثر انخفاض المبيعات لدى متاجر التجزئة التقليدية والتي قد تغلق بسبب انتشار الفيروس.

2- من المحتمل أن يقوم المواطنون في الصين باستبدال معظم الإجازات التي تم إلغاؤها حاليًا برحلات مستقبلية، كما ستتجه العديد من الشركات لإيجاد طرق لتعويض الوقت الضائع في وقت لاحق من العام.

3- تشير جميع التقارير إلى أن الفيروس التاجي في «ووهان» أقل فتكًا من السارس من خلال سعي الصين لتنفيذ تدابير صارمة لعزل المرضى الفعليين والمحتملين عن بقية السكان، كما حسنت السلطات من فرصها لاحتواء الوباء في أسرع وقت ممكن.

4- سواء أدرك المفاوضون التجاريون الصينيون أو لم يدركوا خطورة الفيروس التاجي عندما وقعوا على المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة في 15 يناير (كانون الثاني)، فقد تبيّن أن توقيت الاتفاقية كان موفقًا للغاية للجانب الصيني.

ومن أجل وقف الآثار السلبية، توجد سلسلة من التدابير التي يمكن للحكومة الصينية اتخاذها، بما في ذلك توفير الدعم للاستهلاك عبر الإنترنت، ومساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على مواجهة الصعوبات، والحفاظ على سياسة نقدية تيسيرية مع تعزيز الإنفاق على البنية التحتية العامة، مثل بناء المزيد المستشفيات والمدارس في المناطق النائية.

كيف يؤثر الفيروس على الملف التجاري بين أمريكا والصين

قد تواجه بكين صعوبات في تحقيق الأهداف المحددة في المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة إذا تسبب فيروس كورونا في انخفاض الطلب محليًا ودوليًا؛ إذ أدى الخوف من انخفاض الطلب الصيني على السلع الأساسية إلى انخفاض أسعار العديد من المنتجات التي تشكل جزءًا كبيرًا من التزام الشراء في الاتفاقية التجارية.

ومنذ بدء الأزمة الصينية الحالية، حجز المشترون الصينيون كميات متواضعة فقط من فول الصويا ولحم الخنزير والقطن في الولايات المتحدة مما يخالف البنود التي اتفقت عليها مع واشنطن. والتزمت الصين بزيادة قدرها 88.3% في واردات السلع الأمريكية بحلول عام 2021 مقارنة مع 2017، ولكن في حالة تأثر تفشي الفيروس التاجي على الطلب الصيني، قد لا تستطيع الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم الالتزام ببنود هذا الاتفاق.

والآن، إذا أرادت الصين تحقيق هدفها المتمثل في زيادة مشترياتها من السلع الزراعية ومنتجات الطاقة الأمريكية بمقدار 32 مليار دولار و52.4 مليار دولار على مدار عامين، فسوف يتعين عليها شراء كميات أكبر من تلك السلع، وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه وسط الظروف الحالية التي تواجهها الصين.

سياسة

منذ سنة واحدة
كيف سيصبح شكل العالم حين تصبح الصين القوة الأولى؟
14909
مصطفى مصيلحي

ويواجه مزارعو فول الصويا في الولايات المتحدة عقبات متعددة خارجة عن إرادتهم، تتمثل آخرها في انتشار هذا الفيروس الذي قد يؤدي إلى انخفاض الطلب الصيني على السلع الزراعية الأمريكية حتى بعد توقيع الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ونائب رئيس مجلس الدولة الصيني «ليو هي» على المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري التي كان من المفترض أن تؤدي إلى ارتفاع الطلب على السلع الزراعية الأمريكية ومن ثم ستدفع الأسعار إلى أعلى.

وعلى سبيل المثال، انخفضت أسعار فول الصويا إلى 8.95 دولار للبوشل خلال الأسبوع الماضي بعدما وصلت إلى 9.4 دولار للبروشل مباشرة عقب توقيع الصفقة التجارية الجزئية بين واشنطن وبكين.

وساعدت المرحلة الأولى من الصفقة التجارية والحوافز المالية على مدى الأشهر القليلة الماضية الصين في التغلب على آثار الحرب التجارية، ولكن هذا الإنجاز سيضعف إذا تحولت هذه الأزمة إلى نسخة أخرى من أزمة السارس عام 2003.

وفي النهاية، يمكننا الانتظار لنرى ماذا سيحدث في الأيام المقبلة بخصوص هذا المرض وخاصة مع تأكيد الصين وروسيا على تعاونهما في التوصل إلى لقاح يُمكنه علاج فيروس «كورونا» مما قد يساهم في الحد من الآثار السلبية التي أشير إليها سابقًا.

المصادر

تحميل المزيد