بين عشيةٍ وضحاها قد يفقد شخصٌ واحدٌ 7 مليارات دولار من ثروته (18 مليار دولار في شهر). مثلما حدث مع جيف بيزوس الذي تكبًّد خسارةً هي الأكبر في تاريخ الثروة خلال العَقْد الفائت تقريبًا؛ إثر انهيار سعر سهم «أمازون» بنسبة 7% خوفًا من تداعيات تفشي فيروس «كورونا» على الاقتصاد العالمي، وهي نوع الخسائر الفادحة التي قد تتعرض لها الدول والاقتصادات أيضًا في حرب النفط، وحرب الأسعار المشتعلة حاليًا على هامش «كورونا». 

ومثلما تلقي الكوارث بظلالها على الأفراد فإنها تحيق أيضًا بالدول، بل إن تداعياتها على الأخيرة ربما تكون أعمق أثرًا وأطول مدى، حتى أن دولًا نفطية ثرية قد تجد استقرارها الاقتصادي فجأة «على كف عفريت»؛ حسبما خلص تحليل نشره موقع إذاعة صوت ألمانيا يوم الثامن من مارس (آذار) الجاري. 

وإذا كان التحذير السابق يستند إلى تراجع أسعار النفط بنسبة تصل إلى نحو 25% خلال أقل من شهرين، من نحو 65 إلى أقل من 49 دولار للبرميل؛ بسبب تراجع الطلب والاستهلاك العالميين، فكيف إذا كان القادم أشدّ وطأة حسبما تُرَجِّح التوقعات الاقتصادية، حال استمرار منحنى التدهور وتفاقم تأثيرات «كورونا»؟ 

الإجابة المختصرة هي: أن على دول الخليج خاصة الاستعداد لنزيف حادٍ أكبر في إيراداتها، والتأهُّب لمواجهةِ خطرٍ محدق باستقرار اقتصادياتها، وعثرةٍ في طريق عملاتها التي تعاني أيضًا من استنزاف احتياطاتها المالية في الخارج بوتيرة متسارعة منذ التراجع الشديد في أسعار النفط عام 2014، بعد ارتفاع صاروخيّ إلى أكثر من 160 دولارًا. 

أقوى وأطول «حرب أسعار» منذ 30 عامًا.. كيف تؤثر على الأسواق العالمية؟

لمَّا كان الهبوط الذي أصاب أسعار النفط يوم الاثنين التاسع من مارس بمقدار الثلث هو الأكبر منذ «حرب الخليج» 1991، كان الوصف الأليق بأسباب هذا التراجع هو: «حرب أسعار» أو حرب النفط؛ أشعلتها السعودية إثر تداعي اتفاق «أوبك+» الذي دخل حيز التنفيذ منذ بداية عام 2017، وينتهي في مارس الجاري، عقب اجتماعٍ وزاريّ وصفه وزير النفط الإيراني، بيجن زنجنه بأنه «من أسوأ الاجتماعات في تاريخ المنظمة».

وإذا كانت السعودية ستزيد من إنتاجها النفطي في سوقٍ يعاني بالفعل من فائضٍ زاده فيروس «كورونا» ركودًا، ما يؤدي إلى مزيدٍ من تخفيض الأسعار؛ فإن روسيا أعلنت هي الأخرى، على لسان وزير طاقتها ألكسندرو نوفاك يوم الجمعة الماضية، أنها ستتعايش مع رفع جميع القيود على إنتاج النفط بدءًا من أبريل (نيسان) القادم، وهو ما يعني اشتعالًا أكبر لحرب الأسعار، وحرب النفط. 

ويبدو أن «حرب الأسعار أو حرب النفط» ستكون ضارية وطويلة، لذلك خفَّض بنك ستاندرد تشارترد متوسط توقعاته لأسعار خام برنت لعامي 2020 و2012 إلى 35 دولارًا للبرميل من 64 دولارا، وإلى 44 دولارًا للبرميل من 67 دولارًا للبرمي، على التوالي. وطال التقليص ذاته أسعار خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 32 دولارًا للبرميل من 59 دولارًا، و41 دولارًا للبرميل من 63 دولارًا على التوالي للعامين الحالي والقادم. 

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
لن ينجو أحد.. سنوات عِجاف تنتظر الاقتصاد العالمي بعد «كورونا»

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت، المؤشر العالمي للنفط، بنسبة 22٪، وبلغ سعر النفط الأمريكي 33.15 دولارًا للبرميل، بانخفاض قدره 20٪ تقريبًا، وبموازاة ذلك قد تنخفض أسعار البنزين إلى أقل من دولارين للجالون في غضون أسابيع، بحسب تقرير أعده ناثان بومي في صحيفة «يو إس إيه توداي» الأمريكية. 

والراجح أن السوق لن يستطيع استعادة توازنه قبل منتصف عام 2021، ويزيد من تفاقم الأزمة أن السعودية على الأرجح ستزيد إنتاجها من النفط الخام ليقترب من 11 مليون برميل يوميا في أبريل، ثم تزيده أكثر إلى 11.8 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية الربع الثاني من عام 2020، حسب توقعات محللي ستاندرد تشارترد. 

في مقابل هذه الزيادة توقعت شركة «فاكتس جلوبال إنرجي» الاستشارية ألا يتجاوز نمو الطلب على النفط 60 ألف برميل يوميًا في 2020، أو «صفر عمليًا»، بسبب اتساع نطاق تفشي «كورونا»، وتأثيره خارج الصين على اقتصادات كبيرة مثل كوريا الجنوبية، واليابان، وإيطاليا. 

ونيران حرب الأسعار/الإنتاج حين تضطرم قلما ينجو من لهيبها أحد، وإذا استمر ارتفاع الإنتاج وانخفاض الأسعار وانتشار الفيروس؛ فإن السوق غدًا سيكون على صفيح أكثر سخونة منه اليوم، ولذلك تداعياته لا محالة على تمويل الشركات والاقتصادات الدولية؛ حسبما اعترف وزير المالية الفرنسي، برونو لو مير، الذي طالب السعودية يوم الاثنين بالتنسيق فيما يخص مسألة سعر النفط «بوصفها رئيس مجموعة الدول العشرين الأكثر ثراء؛ كي لا تصيب الأسواق بهزة». وعلى وقع إرهاصات المستقبل القاتم، اندفع «متداولو النفط في سوق الأسهم إلى البيع أولًا، ثم طرح الأسئلة لاحقًا»، على حد قول فيل فلين، المحلل لدى شركة «برايس فيوتشرز جروب» في شيكاجو. 

من سيخسر أكثر في «حرب النفط»؟

الإجابة عن سؤال من سيخسر أكثر في حرب النفط، أو حرب الأسعار، تستدعي أولًا طرح سؤالٍ تمهيدي مفاده: لماذا تخلَّت روسيا عن سياسة خفض الإنتاج لتحقيق الاستقرار في الأسعار؟ والإجابة المختصرة المباشرة هي: أن موسكو شعرت بأن سياسة ضبط العرض أعطت مساحة أكبر لنمو شركات النفط الصخري الأمريكية، كما تقول صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. 

وإذا انخفضت الأسعار إلى ما دون 25 دولار للبرميل، فستتوقف عمليات التطوير الجديدة للنفط الصخري في الولايات المتحدة، حسبما حذر فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، الذي قال يوم الاثنين: إن «لعب الروليت الروسي في أسواق النفط ربما يكون له عواقب وخيمة». 

نعود إلى إجابة السؤال الأول: أكثر القطاعات التي ستتضرر أكثر جراء انهيار الأسعار ستكون حقول النفط الصخري في الولايات المتحدة، نظرًا لأن تكاليفها أعلى بكثير مقارنة بالخزانات العملاقة في السعودية أو روسيا، حسبما خلص تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست».

هذا يعني أن الانخفاض الحالي في أسعار النفط سيكون أكثر ضررًا بكثير على الاقتصاد الأمريكي من انخفاض الأسعار الهائل الذي شهدته أسواق النفط في عامي 2008 و1991، حسبما يخلص تحليل أعده كريس إيديدور في «سي إن إن بزنس». 

إنها لعبة خطيرة يستبعد أن يخرج منها أحد رابحًا، ومبلغ الأمل الروسي أن يتحمل المنافسون في أمريكا الشمالية نصيبهم من الخسارة، بينما لن تنجو أي دولة رئيسة منتجة للنفط من الخسارة بغض النظر عن حصتها في السوق، وإن كانت روسيا تقول إنها الأقل هشاشة في مواجهة هذا الخطر؛ لأن ميزانيتها السنوية تعتمد على متوسط ​​سعر يبلغ حوالي 40 دولارًا للبرميل. 

صحة

منذ 4 شهور
يريد مصل «كورونا» غدًا.. هذا ما يجهله ترامب عن مراحل تجارب الدواء

صحيحٌ أن دول الخليج تنتج النفط بأقل تكلفة – تقدر باثنين إلى ستة دولارات للبرميل في السعودية والكويت والإمارات – لكن الإنفاق الحكومي الكبير والدعم السخي للمواطنين، يجعلها بحاجة إلى سعرٍ لا يقل عن 70 دولارًا للبرميل حتى لا تفقد ميزانياتها توازنها. 

وانخفاض أسعار النفط الخام بمقدار 10 دولارات فيقلل من العائدات المالية في دول الخليج بنسبة اثنين إلى 4٪ من إجمالي الناتج المحلي، بحسب يان فريدريش، كبير المحللين السياديين في وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني للشرق الأوسط وأفريقيا.

أما الدول التي تعتمد ميزانياتها على النفط، وسبق أن عانت لسنواتٍ عجاف في ظل الصراعات أو الانتفاضات أو العقوبات، فإنها المرشحة لدفع الثمن الباهظ بحق، وينتمي العراق، وإيران، وليبيا، وفنزويلا، إلى هذه الفئة، بحسب تقرير «سي إن إن بزنس».

لكن ماذا لو هبطنا من أبراج العمالقة إلى أسفل السلم الاقتصادي 

كيف سيتأثر المواطن العادي بهذه الحرب؟

المفترض أن يستفيد المستهلكون من حرب النفط وحرب الأسعار هذه، وما تؤدي إليه من انخفاض أسعار النفط، وما ينجم عنه من انخفاض أسعار الغاز، خاصًة في الولايات المتحدة؛ إذ تتفاعل أسواق التجزئة تفاعلًا مباشرًا مع العرض والطلب، وفي أوروبا، تشكل الضرائب والرسوم الإضافية حصة أعلى من أسعار ضخ الغاز، وبالتالي فإن تأثير انخفاض أسعار النفط سيكون أقل وضوحًا. 

وبينما تستفيد بعض الحكومات العربية من انخفاض فاتورة دعم المواد البترولية بمليارات الدولارات نتيجة حرب النفط، فإن المواطن العادي قد لا يتأثر في بعض الدول سواء بارتفاع أسعار النفط أو الطاقة عالميًا أو انخفاضها، وبينما يقول مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق: إن هذا الوضع ينطبق على مصر، فإن سياسة إعادة تسعير البنزين دوريًا كل ثلاثة أشهر قد تجعل المواطن العادي يشعر ببعض الآثار الإيجابية لانخفاض الأسعار العالمية.

بيدَ أن أي انخفاض في أسعار الغاز لن يعوض الضرر الاقتصادي الناجم عن فيروس «كورونا» على الأسواق العالمية وحرب أسعار النفط، وفي ساحاتٍ أخرى، قد تكون أجراس الإنذار أعلى دويًا؛ ذلك أن بعض الدول العربية، مثل جميع بلدان الخليج، ومصر، ولبنان، لا تستطيع توفير كامل احتياجاتها من السلع الغذائية. بالتالي إذا توقفت التجارة العالمية بسبب تفاقم تأثير فيروس «كورونا»، قد تواجه هذه الأقطار زيادات متعددة في أسعار المواد الغذائية، وفي ظل الشح المالي الذي تصارعه حتى السعودية، ربما يعضّ الجوع بطون شريحة كبيرة من شعوب المنطقة، حسبما حذر المحلل الروسي ألكسندر نازاروف، أواخر فبراير (شباط) الماضي.

شح المال في زمن «كورونا».. هل تكتوي «أرامكو» بـ«حرب الأسعار»؟

في هذا الشهر كانت السعودية على موعد من ذكرى مرور أكثر من ثمانية عقود على إنتاج أول برميل نفط داخل المملكة، ففي مارس 1938 بدأ الإنتاج من بئر «دمام – 7»، الذي بات يعرف باسم «بئر الخير»، لتصبح السعودية اليوم أكبر مصدر للنفط وأحد أكبر ثلاثة منتجين للخام في العالم. 

لكن من المفارقات أن هذه الذكرى التي مثلت انطلاقةً إلى الثراء تهلّ على الحكومة السعودية اليوم وهي في حاجةٍ ماسة إلى المال، حاجة يفاقمها انخفاض أسعار النفط، لدرجة أنها تفكر في طرح أسهم أرامكو لاكتتاب جديدٍ، في خضم وباءٍ يزداد انتشارًا، وانهيارٍ تدريجي في الاقتصاد العالمي، مع تعطل المصانع، وإلغاء آلاف الرحلات الجوية حول العالم، حتى توقعت «الهيئة الدولية للنقل الجوي (إياتا)» أن تتكبد عائدات قطاع النقل الجوي خسائر تصل إلى 113 مليار دولار. 

وليس الفشل وحده هو ما يهدد هذه الخطوة السعودية المرتقبة، بل يمكن أن تضر أيضًا بالمساهمين في الاكتتاب الأول، ذلك أن العرض الفائض لأسهم الشركة – على خلفية هروب المستثمرين العالميين إلى الملاذات الآمنة (السندات، الذهب) – سيؤثر حتمًا على سعر أسهم «أرامكو»، وهو ما يعني انخفاضًا في القيمة الإجمالية للشركة، وبالتالي انخفاض في القدرة على الحصول على قروض جديدة، وسداد خدمات القروض القديمة.

وأجراس الإنذار لا تنتظر المستقبل، بل قُرِعَت بالفعل في قلب أسواق الأسهم الخليجية التي تهاوت فور فشل اجتماع «أوبك+» في التوصل لاتفاق حول خفض المعروض النفطي.

وبالرغم من هبوط مؤشرات الكويت، وأبوظبي، ودبي، وقطر، والبحرين، وعمان ومصر، إلا أن إغلاق المؤشر السعودي منخفضًا بنسبة 8.32% سجل أقل مستوى فيما يزيد عن ثلاثة أعوام، وهبوط سهم «أرامكو» 9.1%، كبد الشركة السعودية العملاقة أكبر خسارة يومية بالنسبة المئوية، إلى 30 ريالًا (ثمانية دولارات)؛ ليتراجع للمرة الأولى عن سعر طرحه البالغ 32 ريالًا.

المصادر

تحميل المزيد