بعد أن كاد المغرب أن يتغلب على جائحة كورونا؛ بدأ الفيروس يستعر من جديد خلال الأسابيع الأخيرة، وأصبحت المملكة تسجل المئات من المصابين بشكل يومي، مما يثير مخاوف وسط البلاد من تصاعد منحنى الجائحة، في موجة ثانية من الوباء تضرب البلاد.

1000 إصابة يومية.. موجة ثانية من الوباء تضرب المغرب

سجل المغرب خلال الأيام القليلة الماضية أرقامًا قياسية بخصوص جائحة كورونا، تجاوزت ألف إصابة يوميًا، ما جعل السلطات والأطقم الصحية في ضغط شديد وتخوف من انفجار الوباء، في ظل هشاشة البنية الصحية للمملكة.

وإلى حدود الساعة، وصلت الحصيلة الإجمالية للإصابات بالمغرب إلى 30 ألفًا و662 حالة، أي بمعدل 84.4 إصابة لكل 100 ألف نسمة، حسب أرقام وزارة الصحة المغربية. فيما بلغ عدد الحالات النشطة، التي لا تزال تخضع للاستشفاء، إلى 8653 حالة على الصعيد الوطني، بينما ارتفع عدد الحالات الحرجة إلى 127 حالة، منها 23 حالة تحت التنفس الاصطناعي، وبلغت حالات الشفاء 21 ألفا و548 حالة، بمعدل تعافي يساوي 70% تقريبًا، أما الوفيات فقد سجّل المغرب حتى الآن 461 حالة وفاة.

وعلى إثر هذه الزيادة الفجائية للجائحة، قرر المغرب تمديد حالة الطوارئ الصحية من جديد إلى 10 سبتمبر (أيلول) القادم، وهو التمديد الخامس منذ قرار السلطات إعلانها حالة الطوارئ الأولى في 20 مارس (آذار) الماضي، جراء انتشار فيروس كورونا الجديد في البلاد.

وتحت ضغط الموجة الجديدة من حالات الإصابة بفيروس كورونا؛ قامت وزارة الصحية المغربية بتعليق رخص العطل للأطقم الصحية حتى إشعار آخر، ودعت المستفيدين من الرخصة السنوية إلى الالتحاق بمقرات عملهم عاجلًا. كما شرعت في العمل ببروتوكول «التعافي في المنازل»، إذ يتم دفع المصابين إلى المعالجة داخل منازلهم عوض نقلهم إلى المستشفى، وذلك بسبب الطاقة الاستيعابية المحدودة للمستشفيات المغربية، التي ليس في مقدورها استقبال كل هذا الكم من الحالات اليومية.

ويخشى المواطنون المغاربة العودة إلى الحجر الصحي مرة أخرى، لما له من تداعيات اقتصادية ونفسية على حياتهم، بعد استعار الجائحة من جديد، والذي يعد خيارًا واردًا، بالنظر إلى تلويح السلطات بين الفينة والأخرى بالعودة إلى الحجر من جديد في حال ازداد الوباء سوءًا.

لكن.. ما سبب الارتفاع الكبير في الإصابات؟

وقد أثار الارتفاع الكبير في حالات الإصابة بفيروس كورونا ذهول السلطات الصحية حول السبب وراء هذا الصعود الفجائي للإصابات، مما حذا بها إلى إجراء فحوصات جينية على الفيروس للتأكد من عدم تطوره إلى نسخة أشد فتكًا.

 لكن النتيجة كانت سالبة، إذ أكد وزير الصحة، السيد خالد آيت الطالب، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عدم وجود أي تحول جيني يفسر تزايد عدد الحالات الحرجة وحالات الوفيات المرتبطة بفيروس كورونا المستجد في بعض المدن بالمملكة خاصة بطنجة، قائلًا إن: «سلالات فيروس كورونا المكتشف في المغرب، لم يعرف أي طفرة، لأن السلالة الموجودة والمتداولة منذ بداية ظهور الوباء هي نفسها، والتي توجد أيضًا لدى الأشخاص المصابين الذين لا تظهر عليهم أعراض».

وحسب مصطفى الناجي، مدير مختبر الفيروسات بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، فإن ما يقف وراء هذا الارتفاع المسجل في الحالات، يكمن في ارتفاع عمليات الكشف والمسحات، إلى جانب عدم التزام المواطنين بالتدابير الصحية.

وكان عدد الاختبارات بالمغرب، في بداية الوباء، لا يتجاوز بضع مئات في اليوم، مما كان يُفوّت الكثير من الإصابات بفيروس كورونا دون رصدها، أما الآن فقد صار العدد يقدر بعشرات آلاف الاختبارات يوميًّا، وبالتالي أصبح بالإمكان تغطية فئة واسعة من السكان وتشخيص أفضل للوباء وأقرب للحقيقة، وذلك بفضل أجهزة الكشف السريع للفيروس التي تبيعها العديد من الشركات العالمية.

كذلك أدى تراخي المغاربة في الالتزام بالتدابير الوقائية، بعد التحرر من الحجر الصحي، إلى انتشار الفيروس بين الناس بشكل سريع، خاصة مع العادات الاجتماعية والتقاليد الثقافية غير الصحية في التواصل والاحتشاد. ولمعالجة هذا التراخي ارتأت الحكومة المغربية سن عقوبة غرامة مالية للأشخاص الذين لا يحترمون التدابير المتخذة؛ من قبيل عدم احترام مسافة التباعد بين الأشخاص، وعدم ارتداء الكمامة في الأماكن العمومية، ومنع التجمعات، قدرها 300 درهم (نحو 30 دولارًا)، يتم استخلاصها بشكل فوري من طرف الضابط محرر المخالفة.

ووصل حزم السلطات، في دفع الناس إلى الالتزام بالإجراءات الوقائية، إلى إنزال مدرعات الجيش في شوارع طنجة، المدينة التي تضررت بقوة بالموجة الجديدة للوباء.

ومن جهة أخرى، لعب أيضًا أصحاب الوحدات الصناعية والفلاحية، الذين أجبروا الآلاف من العمال على العمل محتشدين ودون إجراءات صحية في خضم الجائحة، دورًا كبيرًا في تفشي الفيروس، لا سيما وأن العاملين الفقراء يقطنون في أحياء مكتظة تسهل تنقل الفيروس. لذلك لم يكن مستغربًا أن تستحوذ كل من جهة الدار البيضاء وطنجة وفاس، وهي المراكز الاقتصادية الكبرى للبلاد، على معظم حالات الإصابة بفيروس كورونا، في حين حافظت الجهات الأخرى للمغرب على معدل طبيعي من الحالات.

مستقبل الجائحة

ويبدو مستقبل الجائحة في المغرب ضبابيًا، شأنه شأن بقية العالم، إذ لا يزال الفيروس ينشط بقوة ويخلف الكثير من الإصابات والوفيات وراءه، في حين لم يتم التوصل إلى لقاح فعّال حتى الآن.

ورغم أنه من المرتقب ظهور لقاح ناجع أو أكثر، من بين عشرات اللقاحات قيد الاختبار، مع بداية 2021، إلا أنه من غير المتوقع أن يصل استخدامه العمومي في البلدان النامية سوى بعد أشهر من استخدامه في الدول الغنية، لذا يواجه المغرب مستقبلًا غامضًا بشأن الوباء طوال هذا العام وربما القادم أيضًا، إذا لم يتم السيطرة على الفيروس.

وتمر الأوبئة بدورات متتالية، فهي «تظهر، وتتسارع، ثم تصل إلى ذروتها، فتبدأ في الانخفاض شيئًا فشيئًا، ثم تختفي» بحسب خبير الفيروسات الفرنسي ديدييه راولت، وهكذا فإن انتشار الفيروس لا يتوقف إلا عندما يصيب جزءًا كبيرًا من الناس ولا يجد مضيفين آخرين غير محصنين. كما لا يظهر أن مناخ فصل الصيف يحد من تفشي الوباء كما كان مأمولًا.

مجتمع

منذ شهر
جائحة كورونا تغير الحياة في المغرب.. هكذا أثَّرت في الزواج والعمل والتعليم

هذا المستقبل المجهول للجائحة، يربك العديد من القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والحياة المجتمعية ككل، وعلى رأسها التعليم المدرسي، مع ذلك قرّرت الحكومة المغربية انطلاق الدراسة فعليًا، يوم الاثنين السابع من سبتمبر المقبل، دون تغيير لزمن الدخول المدرسي، ودون تفاصيل في كيفية استمرار العملية تحت ظلال الجائحة، خاصة مع تواضع نتائج تجربة التعليم عن بعد.

قطاع السياحة بالمغرب يواجه أيضًا كابوسًا صعبًا بسبب جائحة كورونا، ولا يبدو أن القطاع سيتعافى قريبًا من التداعيات، إذ رفع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا المغرب من قائمته للبلدان الآمنة خارج أوروبا، التي يسمح الاتحاد بالسفر غير الضروري منها، بعد مراجعة قام بها سفراء الاتحاد الأوروبي، لتبقى تونس الدولة العربية الوحيدة في القائمة.

ويعتزم المغرب العمل بخطة اقتصادية تقشفية في المرحلة المقبلة، تعتمد على تجميد الوظائف العمومية في جل القطاعات العمومية، وحل هيئات عمومية ودمج أخرى، من أجل تقليل الاعتماد على ميزانية الدولة المتضررة من جائحة فيروس كورونا.

المصادر

تحميل المزيد