مع استمرار أزمة فيروس كورونا حول العالم وما يصاحبها من حالات إغلاق وحظر خروج ومنع للتجول ونقص في الفعاليات الاجتماعية، بل حتى مشكلات اقتصادية، يشعر عدد متزايد من الناس حول العالم بالإرهاق والعجز عن التأقلم على هذه الظروف غير المسبوقة في العصر الحديث، وهو الأمر الذي يعرف بـ«الإرهاق الوبائي».

فبعض الناس زادت ضغوط العمل عليهم كثيرًا بسبب طبيعة عملهم، أو ربما بسبب زيادة هذه الأعمال في ظل الإغلاق والاعتماد على شركات بعينها أو وظائف بعينها. هناك مثلًا بعض المهن التي زاد الطلب عليها مثل الأطباء والممرضين، وعمال التوصيل، وخبراء الصحة، وغيرهم.

إذا تحدثت مع أي شخص تقريبًا، سيخبرك بكم التعب والضغط النفسي الكبير الذي يشعر به وسط هذه الجائحة المستعرة. لكن في خضم الأزمات النفسية التي سببها ضغط العمل، والتعليم المنزلي، والعزلة الاجتماعية، ومع حقيقة أن الأزمة لا تزال قائمة وستبقى لبعض الوقت، كيف يمكنك أن تعرف أنك لن تصل إلى مرحلة الانهيار؟ متى يمكن أن يتحول هذا الشعور المستمر بالتوتر بشكل مفهوم في الأوقات الصعبة إلى حالة إرهاق لا يمكن تعويضها؟ وماذا يمكنك أن تفعل لحماية نفسك؟ فيما يلي دليلك الشامل للتعامل مع «الإرهاق الوبائي».

متى ينشأ الإرهاق الوبائي؟

ينشأ الإرهاق عندما تتطابق ثلاثة عوامل في الوقت ذاته. الأول هو شعور غامر بالإرهاق العاطفي، والثاني هو الإحساس بالانفصال والشك، والشعور بعدم الإنجاز.

بالنسبة لأولئك الذين يعانون من هذا الإرهاق، قد تظهر مثل هذه العوامل على صورة الإرهاق حتى بعد الكثير من النوم، أو الابتعاد عاطفيًّا عن أحبائهم، أو عدم الاهتمام بالوظائف التي عليهم القيام به.

Embed from Getty Images

لاحظ أن هذا التعريف يتركز على الإرهاق في أماكن العمل، وهذا ناجم عن طبيعة الأبحاث التي أجريت حول هذا الموضوع. في عام 2019، وصفت منظمة الصحة العالمية هذا النوع من الإرهاق على أنه «ظاهرة مهنية» تنتج من ضغوط العمل المزمنة التي لم تجر إدارتها بنجاح.

لكن، يرى خبراء في هذا المجال أن هذا التوصيف أقل من اللازم، كوننا نجد أنفسنا في وضع هو أكثر بكثير من مجرد ضغوط العمل، ومع هذا تظهر لنا مشكلة الإرهاق نفسها. بل إن الأمر المختلف هنا أن الإرهاق يحدث أكثر من المعدل الطبيعي، وكاستجابة لأنواع جديدة من التوتر، وهو ما بات يعرف بـ«الإرهاق الوبائي».

الإرهاق الوبائي بين كورونا وتدهور الصحة العقلية

المشكلة أن العلماء لا يزالون غير قادرين على تحديد الكمية من الإرهاق والتوتر التي يمكن للإنسان تحملها قبل الانهيار. يأتي هذا لعدة أسباب أبرزها وأهمها ربما أننا لا نزال في عين العاصفة، ولا نعلم إلى متى ستستمر أو متى ستهدأ. لكن بعض الدراسات التي كانت تبحث في الحالة العاطفية والنفسية للناس قبل الجائحة وأثناءها ربما يمكنها رسم صورة جيدة.

على سبيل المثال، وجدت دراسة استقصائية أجريت على أكثر من 17 ألف شخص في المملكة المتحدة في أبريل (نيسان) 2020، أي بعد شهر من أول إغلاق شهدته البلاد، أن الصحة العقلية قد تدهورت بالفعل بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل وصول كوفيد-19.

عندما تتعمق في تفاصيل نتائج هذه الدراسة، ستجد ملاحظة مهمة مختبئة وسط الأرقام. فبالنسبة لبعض السكان، مثل الشباب والنساء اللائي لديهن أطفال صغار، والأشخاص الذين يعانون من مشكلات نفسية موجودة مسبقًا، كان التدهور ملحوظًا تمامًا. الملاحظة نفسها كشفت عنها دراسة مماثلة في الولايات المتحدة، وجدت أن النساء تأثرن أكثر من الرجال بالإرهاق الوبائي، ربما لأن النساء يستوعبن أيضًا المزيد من عبء العمل المتزايد في المنزل.

Embed from Getty Images

وجد استطلاع عشوائي للعمال في الولايات المتحدة أن ما يقرب من 60% كانوا يشعرون بآثار الإرهاق في أغسطس (آب) 2020، مقارنة بنسبة 45%، في الأيام الأولى للوباء. ألقى 39% من المتأثرين باللوم على أعراض الإرهاق التي يعانون منها على الكفاح لتحقيق التوازن بين العمل والحياة المنزلية.

بالتأكيد، معظم الناس لا يتعاملون مع مواقف الموت والمرض الشديد التي يواجهها العديد من العاملين في المجال الطبي حول العالم، والتي قد تؤدي إلى زيادة المشكلات والتوتر والإرهاق بشكل غير متخيل. لكن المشكلة تظهر مع تجدد عمليات الإغلاق والقيود المفروضة على السفر في العديد من البلدان. هذا يجعل المختصين يخشون من أن الفئات الأكثر ضعفًا ستدفع أكثر نحو «الإرهاق الوبائي»، وقد ينضم إليهم الأشخاص الذين كانت صحتهم على ما يرام في بداية الإغلاق والموجة الأولى من انتشار وباء كورونا.

مشكلات ومسببات الإرهاق الوبائي

الإرهاق ليس مرضًا عقليًّا، على الرغم من أنه يمكن أن ينشأ ويؤدي إلى مرض عقلي. بدلًا من ذلك، الإرهاق هو رد فعل طبيعي لموقف أصبح لا يطاق بالنسبة للشخص الذي يمر به. في حين أن الإرهاق ليس مرضًا عقليًّا، فإنه يمكن أن يترك الناس عرضة لمشكلات صحية عقلية أكثر خطورة.

ففكرة العمل من المنزل ومحاولة التركيز في وقت يأخذ فيه الأطفال دروسهم عبر الإنترنت في الغرف المجاورة هو أحد أكثر الصدمات – العقلية والنفسية – القوية في حياة بعض الناس.

علاوة على ذلك، نحن نعلم أن الإرهاق هو عامل خطر رئيسي للاكتئاب والقلق. وهناك عدد من العوامل التي نعلم أنها تعرضنا لخطر الإرهاق الوبائي والأمراض العقلية:

1- عدم السيطرة

خروج الأمور عن السيطرة أو الافتقار إلى السيطرة على حياتك أو الوضع المحيط بك. في ظل الوباء الحالي، من المرجح أن يشعر العاملون في الخطوط الأمامية في مهنة الطب بهذا الأمر بشدة.

صحة

منذ شهرين
كيف ترفع قدرة جسمك على الاستجابة للقاح كورونا؟

2- فقدان حرية الاختيار

بالنسبة للأشخاص العاديين، يمكن أن تأتي مشاعر عدم السيطرة من حقيقة أن عمليات الإغلاق مفروضة وليست طوعية. فالحجر الصحي الطوعي أقل احتمالًا للتسبب في الإجهاد العاطفي ومشكلات الصحة العقلية طويلة الأجل من القيود التي يفرضها القانون. نحن لم نعد قادرين على اختيار عدد المرات التي نخرج فيها ومن نلتقي به على سبيل المثال.

3- العجز المكتسب

قد يؤدي الإغلاق إلى ظاهرة نفسية يطلق عليها «العجز المكتسب»؛ إذ يستسلم الشخص بمجرد إدراك أن جهوده لتحسين الوضع عديمة الجدوى. يرتبط العجز المكتسب بالاكتئاب وضغوط ما بعد الصدمة.

4- عدم القدرة على الهرب

يمكن للشعور بعدم القدرة على الهرب من المنزل أن يغذي الإرهاق الوبائي. وجدت الأبحاث حول الإرهاق المرتبط بالأبوة، على سبيل المثال، أن الذهاب إلى العمل له تأثيرات وقائية لأنه يوفر مساحة للتنفس من ضغوط المنزل. حتى التنقل والحركة يمكن أن يمنحانا فرصة لتصفية رؤوسنا. كل آليات الهروب هذه، بالطبع، يصعب الحصول عليها في زمن كورونا.

كيف تتعامل مع الإرهاق الوبائي؟

كلما فهمنا أسباب الإرهاق الوبائي، استطعنا القيام بالمزيد لمحاولة حماية أنفسنا. هذه بعض الوسائل التي تساعد على التخفيف من هذا الشعور:

1- التفاعل الاجتماعي الهادف

هناك شيء واحد يعرفه العلماء، وهو أن أي نوع من التوتر، سواء من العمل أو المنزل أو الخوف من فيروس قاتل، يمكن تقليله من خلال التفاعل الاجتماعي الهادف حتى دون تواصل جسدي مباشر. هناك الكثير من الطرق للبقاء على اتصال عاطفي، ولا يهم أي طريقة تختار، رسائل، أو اتصالات، أو مكالمات فيديو، أو ألعاب إلكترونية جماعية، المهم أن تنفذ.

Embed from Getty Images

2- الهواء النقي

يمكن هنا تطبيق النصائح المرتبطة بحماية الصحة العقلية، بما في ذلك الحصول على أكبر قدر ممكن من الهواء النقي، وممارسة الرياضة، وقضاء وقت في المساحات الخضراء، بغض النظر عن الطقس.

3- التمارين والرقص

بالنسبة لأولئك الذين يعانون من العزلة وعدم القدرة على الخروج، ربما تكون التمارين أكثر أهمية. إذا لم تكن ممارسة التمارين أمام التلفاز أو عبر الإنترنت هي الشيء المفضل لديك، فقم فقط بتشغيل الموسيقى والرقص. وجدت الدراسات أنها تحسن الحالة المزاجية على الأقل بفعالية أشكال التمارين الأخرى نفسها، وعندما تمارس مع شخص آخر، فإنها تشجع على الترابط العاطفي.

4- الفصل بين العمل والبيت

ليس هناك نصيحة محددة، ولكن طبقًا لظروف كل شخص، فمن الجيد البحث عن تلك الأمور الصغيرة والبسيطة التي تساعدك قدر المستطاع في الفصل بين البيت والعمل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد