المخرج لا يريد لفيلمه سوى أن يكون أقرب شيء للواقعية، يريده أن يصل لعقل المشاهد قبل قلبه، ولا تشعر الجماهير أن هناك خدعة تُنسج، بل ينخرطون في القصة تمامًا كأنها حقيقة، والمشاهد يريد الشعور بأن صانع الفن يحترمه، ولا يستهدفه فقط بغرض الربح، ولذلك فعندما يضطر المخرج لتصوير مشاهد تحتوي على خدع سينمائية، يود أن تكون مواد الخدع أقرب ما تكون للواقع حتى لا يصبح عمله الفني قطعة مزيفة مثيرة للسخرية.

المخرج الأمريكي آلان كروسلاند لا يختلف عن باقي المخرجين فيما يخص تلك النقطة، ولذلك فأثناء تصويره لمسلسل «The Six Million Dollar Man» اختار تلك الجثة التي تشبه كثيرًا الواقع لتكون بطلة لواحد من مشاهد الرعب في الحلقة، ولكن ما لم يدركه آلان أن هناك رعبًا خاصًا ينتظره هو وفريق العمل، وتلك هي القصة التي نحكي لكم عنها في هذا التقرير.

بين الحب والزهايمر.. لماذا عاش هؤلاء مع جثث في منزل واحد لأكثر من عام؟

جثة أم خدعة.. هذا هو السؤال

في عام 1976 كان فريق عمل المسلسل الأمريكي «The Six Million Dollar Man» يستعدون لتصوير مشهد من أهم مشاهد المسلسل، وكان عليهم توفير القدر الكافي من الرعب والإثارة ليخرج المشهد مثلما تصوره المخرج في خياله.

البطل في هذا المشهد يقود سيارته مسرعًا ويدخل لأحد الأنفاق والتي يهاجمه فيها الظلام وما يحتويه من كائنات مخيفة كان أهمها جثة لرجل، وطاقم الإنتاج وفر تلك الجثة والتي كانت تستخدم في الأعمال الفنية نظرًا – من وجهة نظرهم – للدقة التي تبدو عليها ومدى قربها من الواقع. شاهد مقدمة ونهاية المسلسل الذي وقعت به الحادثة.

عُلقت الجثة – التي ظن فريق العمل أنها مزيفة – من حبل يشبه المشنقة، حتى تتدلى من السقف، وتتأرجح أرجحة مخيفة تفزع البطل وتضطره للاصطدام بالسيارة؛ واحد من فريق العمل كان عليه تنسيق الجثة لتكون مناسبة لمكان الكاميرا، وعندما جذبها من الذراع خُلعت يده، ولم يلق فريق العمل بالًا للأمر في البداية وحاولوا لصق الذراع مرة أخرى حتى لمح المخرج ما جعل جسده ينتفض، تلك العظمة الظاهرة من كتف الجثة المزيفة، والتي عاينها جيدًا هو وفريق العمل، واكتشف أنها ليست مزيفة بالمرة، تلك جثة إنسان حقيقي مات منذ عشرات السنين وحُفظت جثته بهذا الشكل لعقود طويلة، لم يعلموا في وقتها من هو هذا الشخص، ولم يدركوا كيف وصلت تلك الجثة إلى النجومية وأصبحت تستخدم في الكثير من الأفلام والعروض، ولكن هذا السر كشفوا عنه بعد شهور من اكتشافهم لحقيقتها.

على يد آلان كروسلاند.. من سارق لنجم سينما

الغنيمة كانت 46 دولارًا وزجاجتين من الويسكي، قد يبدو المبلغ ضئيلًا الآن ولكنه في العام 1911 كان مبلغًا ضخمًا، يكفي أن يكون دافعًا للسارق الأمريكي إلمر ماكوردي للهجوم على أحد القطارات بولاية أوكلاهوما والسطو على غنائمه المذكورة سابقًا.

حصل إلمر على غنيمته، وهرب بغرض الاختباء في أحد الأماكن الحصينة بالقرب من القطار حتى يهدأ الأمر، ولكن الشرطة لم تتركه ينعم بكنزه الصغير، وشنت حملة بحث عن قاطع الطريق الذي هجم على القطار وروع ركابه، وبالفعل عُثر عليه بسهولة خاصًة وأن إلمر كان أقرب للتشرد من احتراف السرقة، ولذلك قتل برصاص الشرطة دون عناء منهم أثناء مطاردته.

إلمر المشرد ظل قابعًا في دار الجنازات بانتظار شخص يتسلم جثمانه، ولكن هذا لم يحدث لفترة طويلة، فاضطر صاحب دار الجنازات إلى تحنيط جثته بالقدر المتاح له من إمكانيات، وحفظها في قبو دار الجنازات حتى يظهر أقاربه ليقوموا بدفنه، ولصاحب دار الجنازات غرض في ذلك، فقد ألبس إلمر ملابس جيدة وجعل من جثته بضاعة مناسبة للمشاهدة، وظل لخمسة أعوام يستقبل الجماهير ذوي المزاج الغريب ليشاهدوا الجثة مقابل خمسة سنتات للفرد.

اشتهر الأمر في الولاية، وبعد فترة جاء زوار لدار الجنازات في العام 1916، رجلان يدعيان أنهما من أقارب إلمر وعبروا عن رغبتهما في استعادة الجثة. في البداية شك صاحب دار الجنازات في أمرهم، خاصة وأن فقدان تلك الجثة يعني له فقدان دخل ثابت كان يعول عليه، ولكنه في النهاية استسلم ومنحهم الجثة والتي كانت في العرض لخمسة أعوام متواصلة.

فيلم Narcotic.

ولكن شك صاحب دار الجنازات كان في محله، فهذا الرجل شارل باترسون وأخوه جيمس ليسوا سوى منظمي مهرجانات متجولة بين الولايات الأمريكية المتحدة، وقد علموا عن رغبة الجماهير في مشاهدة تلك الجثة المحنطة وأرادوا أن يجنوا المال من وراء عرضها في المهرجانات التي ينظمونها، وعلى مدار عشرات السنوات، وبعد وفاة الأخوة باترسون تنقلت الجثة للعرض بين بيوت الرعب الترفيهية في أمريكا، ومتاحف الشمع المغمورة، حتى وصل لشاشات السينما للمرة الأولى في العام 1933 من خلال فيلم «Narcotic».

ولمدة 60 عامًا حرم إلمر من الحق الوحيد الذي يمنح لأي متوفى مهما كان شكل حياته، سواء كان مجرمًا أو صالحًا؛ وهو الدفن دفنًا كريمًا، وعدم التعرض للتمثيل بجثته بهذا الشكل، وخلال الأعوام التي تناقلت فيها الجثة من يد ليد ومن فيلم لمتحف، لم يدرك صناع مسلسل «The Six Million Dollar Man» متى نزع عن إلمر هويته الإنسانية وظن الناس في أمريكا أنه مجرد خدعة سينمائية متقنة.

في 22 أبريل (نيسان) 1977 دفنت جثة إلمر للمرة الأولى، وحتى يضمن من دفنوه بأن جثته لن تتعرض لأي مضايقات أو عروض مرة آخرى، وضع فوق قبره الموجود في ولاية أوكلاهوما – موطنه الأصلي – ما يزيد عن قدمين من الخرسانة حتى لا يقترب أحد من قبره مرة آخرى.

ومن يومها اصبح إلمر نجمًا سينمائيًا بعد موته، بينما عاش حياته مشردًا وسارقًا من أجل كسرة خبز أو كأس من الويسكي، ولكنه بالطبع، رغم حياته البائسة، لم يكن يستحق 60 عامًا من التمثيل بجثته بغرض المال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد