سجَّلت بلدان القارة الأفريقية جميعها حتى الآن، وبحسب البيانات الرسمية، أقل من 70 ألف وفاة، أي ما يقارب عدد وفيات إيطاليا وحدها، وفي الوقت الذي ما يزال العاملون الصحيون في المستشفيات العامة يكافحون جائحة كورونا ويخاطرون بحيواتهم، ينشغل تجار الأزمات في أفريقيا، بكيفية استغلال الجائحة والتربح منها، في نهب الأموال المخصصة للدعم الصحي والاجتماعي في هذه الظرفية الوبائية، ما جعل وباءً آخر – لا يقل سوءًا عن كورونا – يستفحل وينتشر؛ ألا وهو وباء الرشوة والفساد!

الرشوة والفساد يهددان جهود مكافحة كورونا في أفريقيا

اضطرت الظرفية الطارئة لجائحة كورونا، مختلف الدول الأفريقية إلى حشد ميزانيات ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، من خلال الاستدانة والمنح الغربية، لدعم منظوماتها الصحية المهترئة وإغاثة مواطنيها الفقراء. لكن مئات الملايين من الدولارات المخصصة للتعامل مع الوباء اختفت، ولم تصل إلى وجهتها بسبب الاختلاس والفساد والرشوة، كما يوثق مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

لتترك المستشفيات في العديد من بلدان القارة السمراء، بدون أطر طبية ومعدات وتجهيزات كافية، كما حُرم ملايين الفقراء من المساعدات المالية والغذائية في غضون هذه الأوقات الصعبة، بعد أن استولت عليها النخب الفاسدة والشركات المتواطئة، التي رأت في الأزمة فرصة سانحة للسرقة والتلاعب بالفواتير وتضخيم المصروفات، وتمرير الصفقات المشبوهة، وممارسة الاحتكار والرشوة، مستغلة الظرفية الطارئة وضعف الرقابة.

الأمر الذي أثار غضب رئيس منظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبريسوس، فندد بالقول: «كل أشكال الفساد غير مقبولة، أما المتعلق بإنقاذ الأرواح فهو يساوي القتل الصريح».

فيما صرَّح مدير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في الاتحاد الأفريقي، جون نكينغاسونغ، قائلًا: «في الحروب يُعدم مستغلو الأزمة على الفور، وعندما تكون دولة في حالة حرب مع وباء وبعضهم يسرق ويقوض هذا الجهد لمصلحتهم الخاصة، فهذه خيانة أيضًا تستوجب أشد العقاب».

في الواقع، كان الفساد المالي عادة متفشية في أفريقيا حتى قبل الجائحة، بيد أن «فيروس كورونا المستجد أعطى توًّا فرصة للفاسدين لمستوى آخر من النهب، الذي بات اتجاهًا عامًّا في أفريقيا حاليًا» مثلما قالت شيلا ماسيندي، المسؤولة في منظمة الشفافية الدولية.

فقد أتاح الوباء للسياسيين الغطاء لنهب الأموال وتهريبها بعيدًا عن الأعين، فيما يبيع التجار عديمو الضمير المنتجات الطبية المغشوشة، مثل أجهزة التنفس والكمامات والاختبارات، أو يحتكرونها في مستودعاتهم حتى يرتفع ثمنها لمستويات قياسية في السوق.

صفقات مشبوهة وتلاعب بالفواتير في أفريقيا

قد يكون لدى أفريقيا أقل عدد من الإصابات بفيروس كورونا مقارنة مع القارات الأخرى، لكن ممارسات الكسب غير المشروع استفحلت في ظرفية الجائحة، في تذكير صارخ بتجذر الفساد بهذه المنطقة؛ حيث شهدت البلدان في جميع أنحاء القارة فضائح عارمة تتعلق بالفساد.

في كينيا، باشرت السلطات تحقيقات في مخالفات مزعومة في هيئة الإمدادات الطبية الحكومية، ونجم عن ذلك محاكمة 15 مسؤولًا بتهم فساد. وفي أوغندا، خطط مسؤولون حكوميون للاستيلاء على أموال أوروبية مخصصة لدعم دولتهم في جائحة كورونا، لولا انكشاف خطتهم في الإعلام الدولي. أما في جنوب أفريقيا فقد تورط سياسيون من الحزب الحاكم في عمليات احتيال تتعلق بتزويد الحكومة بمعدات طبية. وجرت فضائح فساد أخرى مماثلة في نيجيريا، والكونغو، والكاميرون وبلدان أفريقية عديدة، وثَّقت بعضها منظمة الشفافية الدولية.

وفيما حظي الفساد في جنوب القارة الأفريقية بتغطية واسعة، لم تتعرض بلدان شمال أفريقيا إلى كثير من تسليط الضوء على ممارسات الفساد فيها خلال أزمة كورونا، نظرًا إلى الحملة المستعرة التي شنتها حكومات المنطقة على حرية الصحافة والتعبير في سنة 2020.

مع ذلك، كانت فضائح الفساد هناك واضحة بشدة، ففي مصر حيث يشتري الأطباء معداتهم الطبية بأموالهم الشخصية، أوصت منظمات محلية ودولية صندوق النقد الدولي، في منتصف العام، بتأجيل قرض بقيمة 5.2 مليارات دولار لمصر بسبب مخاطر فساد، وحذرت من أن سجل الحكم السيئ في البلاد يمكن أن يعرض الأموال المقدمة للمساعدة في جهود مكافحة الوباء إلى الاختلاس.

وفي الجزائر، ذكرت جريدة «الشروق» تلاعبات طالت صفقات توريد 135 مليون كمامة، بميزانية بلغت 3.7 مليارات دينار، أدت إلى إطلاق الحكومة حملة تحقيق في شبهات فساد.

أما في المغرب، فقد أشارت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية ومكافحة الفساد إلى أن البلد سيخسر ما بين 2% و5% من ناتجه المحلي الإجمالي من جراء الفساد هذا العام، وطفت إلى السطح اختلالات شابت صفقات عمومية متعلقة بكورونا، أبرزها صفقة 40 مليار درهم الخاصة باقتناء آليات الفحص السريع، والتي استحوذت عليها شركة واحدة، غير أن لوبي الأدوية وقطاع التطبيب الخاص يملك نفوذًا قويًّا في البرلمان؛ فحال دون فتح تحقيقات، كما أفادت جريدة «الصباح».

وفي تونس، فتحت السلطات هناك تحقيقات تطول عددًا من المسؤولين الحكوميين الكبار، وفي مقدمتهم إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة السابق، حول شبهات الفساد والرشوة وسوء إدارة لعقود صفقات عمومية متعلقة بأزمة كورونا.

تداعيات الفساد على المجتمعات الأفريقية

تدفقت على أفريقيا هذا العام حوالي 50 مليار دولار، منها مساعدات بقيمة 20 مليار دولار قادمة من الاتحاد الأوروبي، بهدف استخدامها في جهود مكافحة وباء كورونا، لكن في العديد من بلدان القارة، شمالًا وجنوبًا، لا تصل الأموال إلى الذين هم في أمسِّ الحاجة إليها، بل تتعرض إلى الاختلاس من قبل السياسيين والموظفين الكبار ومالكي الشركات.

ومن ثمَّ يَسلُب الفساد الدولةَ الموارد اللازمة لتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية للمرضى والعاطلين عن العمل. وفي حين يمكن للأثرياء استخدام الرشوة والعلاقات من أجل الحصول على العلاج من مرض كورونا، والتداوي في القطاع الخاص، لا يستطيع الفقراء إيجاد بديل عن الخدمات الأساسية التي تقدمها الحكومة، ولا يملكون المال للرشوة؛ مما يحرمهم من العلاج وحق الحياة في نهاية المطاف.

وبالتالي عمَّق الفساد في ظل جائحة كوفيد-19 بشكل خطير مشكلة عدم المساواة الاقتصادية بين أفراد المجتمعات الأفريقية؛ حيث تُركت الطبقات الشعبية المحرومة والضعيفة وحدها تتحمل تبعات الوباء، بدون مساعدات اجتماعية كافية، أو علاج صحي جيد، فيما استغلت النخب في السلطة السياسية، بالإضافة إلى أغنياء القطاع الخاص، الفترة في التهام أموال الدعم الحكومية والهبات الأوروبية.

وغالبًا ما يجري تهريب هذه المليارات المكتسبة بشكل غير قانوني إلى الخارج، مستعينة بخدمات شركات المحاماة الدولية والبنوك المتواطئة، من أجل تبييضها وحمايتها من التحقيقات القضائية المحلية والدولية.

ولم يكن غريبًا أن ثروة أصحاب المليارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، «تزايدت منذ بداية انتشار الوباء بما يقارب 10 مليارات دولار»، حسب تقرير منظمة «أوكسفام». فبينما كان الناس يكافحون ويموتون، لم تتوقف السرقة أبدًا في البلدان العربية حتى في ظل جائحة عالمية، في غياب الحكم الديمقراطي الرشيد والإرادة السياسية لمكافحة الفساد في المنطقة.

وفي هذا السياق، حذَّرت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من آثار جائحة كوفيد-19 على الفقراء، وقالت «بدون اتخاذ إجراءات عاجلة، فإننا نجازف بتعميق الانقسام – عالميًّا – بين الأغنياء والفقراء»، فقد بقي الأغنياء بعيدين نسبيًّا عن تأثيرات الجائحة، وازدادت ثروات بعضهم، فيما ألحقت الأزمة الضرر الأكبر بالفقراء.

وما يزال النهب والتربح غير المشروع يسير على قدم وساق في البلدان الأفريقية والعربية، طالما لم تنته الجائحة بعد، بل يحذر المراقبون بأن هناك وليمة ضخمة قادمة ينتظرها الفاسدون في السلطة وشركات القطاع الخاص، من أجل التربح منها ما أمكن، وهي «وليمة اللقاحات».

صحة

منذ سنة واحدة
«نيويورك تايمز»: 10 دول أفريقية لا تمتلك أجهزة التنفس الصناعي لمواجهة كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد