يُعاني كوكب الأرض في الفترة الحالية من اندلاع الحرائق الشديدة، وشهدت العديد من البلاد اشتعال حرائق الغابات بشكلٍ واسعٍ مثل تركيا واليونان، وإيطاليا، وروسيا، والولايات المتحدة، وكندا.

وفي تركيا، اجتاحت الحرائق الساحل الجنوبي، محرقةً مساحات شاسعة من غابات الصنوبر والأراضي الزراعية، وأجبرت العشرات على إخلاء منازلهم، ومثلها تشهد الجزائر حرائق غاباتٍ هذا الأسبوع، تسببت في وفاة 65 مواطنًا وفقًا لآخر حصيلة معلنة، ليعلن الرئيس عبد المجيد تبون الحداد الوطني على قتلى النيران.

وحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن حجم الدمار الذي تسببه الحرائق في تزايد مستمر، فعلى سبيل المثال، دمرت الحرائق في اليونان خلال 10 أيام فقط في هذا العام قرابةَ 140 ألف فدان، بينما بلغ متوسط المساحة المحروقة خلال الفترة نفسها بين عامي 2008 و2020 نحو 4200 فدان فقط.

إنذار أحمر للبشرية برائحة الوقود الأحفوري

صدرَ منذ أيام التقرير الأممي السنوي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والمكوَّنة من مئات علماء المناخ حول العالم، ليؤكِّد التقرير أن حرارة الأرض ارتفعت منذ عام 1970 بوتيرةٍ أسرع من أي فترة أخرى مدتها 50 عامًا على مدار ألفَيْ عامٍ مضت، واتفق العلماء على أنَّ المناخ سوف يستمر في الاتجاه نحو الأسوأ حتى تتخلص البشرية تمامًا من الوقود الأحفوري، المتمثل في النفط والفحم والغاز، وينصُّ التقرير على أن الأنشطة البشرية هي المُسبب الأساسي لارتفاع درجة الحرارة (عبر الزيادات الملحوظة في غازات الاحتباس الحراري).

ويشيرُ العلماء إلى أن التغيُّر المناخي الحاصل بسبب البشر، هو السبب الرئيس لأحداث «الطقس المتطرف» مثل غزارة الأمطار في العديد من المناطق، وتزيد من فرصة «الأحداث المتطرفة المركبة»، مثل زيادة مخاطر حرائق الغابات التي تحدث بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الجو، وتغيرات الرياح.

حرائق الغابات في فلوريدا
حرائق الغابات في فلوريدا، أمريكا. مصدر الصورة: فليكر

وأدَّى تغير المناخ إلى ارتفاع درجة حرارة الهواء، ومن ثم يحتفظُ بالمزيد من الماء ويسحب الرطوبة من التربة فتجف، وتصبح الأشجار أكثر إجهادًا وجفافًا، وتكون أكثر عرضة لهجوم الحشرات، ويزداد عدد الأشجار الميتة، وتصبح هذه البيئة أكثر قابلية للاشتعال، والمنظومة البيئية ككل، ومن ثم تتفاقم مخاطر حرائق الغابات.

هذه الآثار للتغير المناخي المحفِّزة لاتساع الحرائق، تُعزز بعضها بعضًا، فمثلًا تساهم حرائق الغابات بشكل كبير في تغير المناخ، بإطلاق الغازات الدفينة (10% من انبعاثات الميثان، و32% من أول أكسيد الكربون، وأكثر من 86% من انبعاثات السخام)، هذه حلقة مُغلقة يعزز فيها التغير المناخي وحرائق الغابات بعضهما بعضًا.

ويمكن تجنب بعض أسوأ آثار التغير المناخي بخفض عميقٍ وسريع لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حتى تحقيق صافي صفر من انبعاثات هذه الغازات، باستخدام التكنولوجيا النظيفة، ولكن هذا السيناريو بعيدُ المنال في اللحظة الحالية.

حرائق الغابات: متى تكون مدمرةً إلى أقصى حد؟

أغلب الغابات المحترقة غير قادرة على التجدد وترميم آثار الحريق بمفردها، وفي كثير من الأحيان تخسر الغابات المحترقة نظامها البيئي بأكمله، من نباتات أو حيوانات، بشكل لا يمكن إصلاحه، ويقول «الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)»، إنَّ «النظم الحساسة للحرائق»، وهي التي لا تستفيد من الحرائق، وتتضرر منها فقط، وتشكِّل 36% من النظم البيئية على مستوى العالم، مثل الغابات الاستوائية المطيرة في حوض الأمازون، فإن الحرائق الصغيرة فيها يكون لها تأثيرات بعيدة المدى، لأنها تؤدي إلى حلقة من الحرائق المتزايدة والمتكررة والخطيرة، والتي تولِّد في النهاية ظروفًا بيئية تعزِّز إنشاء نباتات سهلة الاحتراق مثل الحشائش.

وفي أحيانٍ قليلة تكونُ حرائق الغابات مهمةً للنظام البيئي؛ إذ تساهم في تخصيب الأرض بالرماد الغني بالمعادن لتغذية الأجيال القادمة من الأشجار في البيئات الباردة والجافة، وتحتاجُ أشجار الصنوبر للحرارة الشديدة لتحفيز إخراج البذور من أقماعها، مع العلم بأن لحاء هذه الأشجار كثيف يحميها من النار.

3 مراحل لحرائق الغابات

وفقًا لتقرير صادر عن «الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)»، فإن 4% فقط من حرائق الغابات على مستوى العالم تحدثُ لأسبابٍ طبيعية مثل البرق، أما الحالات الأخرى فيُسببها الإنسان، إما عمدًا أو بسبب الإهمال.

وتحدث حرائق الغابات على ثلاث مراحل: تبدأ من اشتعال الأعشاب والنباتات الجافة، تتبعها المرحلة الثانية بنشوب حريق على المستوى الأرضي من الممكن التحكم فيه وإخماده، وإلا فإنه يتحول إلى المرحلة الثالثة التي تصل فيها النيران إلى قمم الأشجار فتشكل ما يشبه المظلة، وفي هذه الحالة تنتشر ألسنة اللهب بسرعة كبيرة ليتحول إلى «حريق هائل Conflagration» يصعب إخماده.

من الممكن التحكم في حرائق الغابات في المرحلة الأرضية عن طريق خلق شرائط دفاعية، عرضها عدة أمتار وخالية من مسببات الاحتراق، لمحاصرة أماكن النيران وإخمادها، وقد تفشل هذه العملية في حال نشاط الرياح، الذي قد يتسبب في تطاير الشرر خارج حدود المنطقة المُحاصرة،

إطفاء حرائق الغابات شمال غرب المحيط الهادي
إطفاء حرائق الغابات شمال غرب المحيط الهادي. مصدر الصورة: فليكر

أما في حال الحرائق الكبيرة، فيتطلب إطفاؤها استخدام طائرات للإطفاء، إلا أن هذا الأمر خطير، وقد يتسبب في سقوط الطائرة في النيران، وتستثمر البلدان في تطوير أساليبها التقنية التي تساعدها مستقبلًا في إخماد الحرائق، إلا أن هناك بعض المعوقات اللوجيستية في إخماد حرائق الغابات، مثل مشكلة إمدادات المياه، فغالبًا ما يكون مصدر المياه بعيدًا عن مكان الحريق، وتحتاج حرائق الغابات إلى كميات هائلة من المياه ما قد يسبب نقصَ الماء المتوفر لاستخدامات أخرى مثل الزراعة.

ويصعب أحيانًا إطفاء الحرائق لأنها قد تُلاحظ متأخرًا، وقد تمر عدة ساعات إلى بضعة أيام قبل ملاحظتها، وفي هذه الحالة تكون الحرائق قد نمت وازداد اشتعالها إلى حدٍ يصعب السيطرة عليه، ومع بداية احتوائها تكون الحرائق قد أتت على آلاف الأفدنة بالفعل.

وحسب موقع «ذي أتلانتك»، يسحبُ الحريق كميات كبيرة من الهواء بسرعات عالية، لتعويض الهواء الساخن المندفع من مركز الحريق، وبالتالي تأخذ الحرائق المزيد من الأكسجين الذي يساعد على اتساعها واشتعالها، وأحيانًا بسبب تغير المناخ في الغابة، يتبخر الماء من النباتات ويزيد جفافها فتصبح أكثر قابلية للاشتعال في حال اندلاع الحرائق.

ولأن الوقاية خير من العلاج، فالعملُ على منع الحرائق قبل حدوثها يكونُ أجدى نفعًا، ولذا يُوصى بالابتعاد عن إشعال السجائر بالقرب من مناطق الغابات، وإطفاء حرائق التخييم جيدًا قبل ترك المخيمات، ومن المفيد إزالة الأشجار الضعيفة والميتة والتي يمكن أن تتحوَّل لوقود للحرائق عند اشتعالها.

والخطوة الأهم والكبيرة على مستوى العالم، في العمل على إيقاف تغير المناخ ومنع انبعاثات الغازات الدفينة والابتعاد عن الوقود الأحفوري، ودعم زراعة المزيد من الأشجار لتعويض الأشجار المفقودة في حرائق الغابات، لتمتصَّ المزيد من ثاني أكسيد الكربون.

الكلفة الاقتصادية لحرائق الغابات

لا تتسبب حرائق الغابات في تدمير الغابات وحسب، لكنها تدمِّر الممتلكات والمنازل وتعرض الأرواح للخطر مثلما حدث مؤخرًا في الجزائر، وفي حرائق أخرى كثيرة، مثل حرائق غابات عام 2007 التي أودت بحياة 80 شخصًا في اليونان و23 في إيطاليا، وتسبب الحرائق نزوح الآلاف من منازلهم، وقد تدمِّر المصانع القريبة ومنشآت الإنتاج، ما يزيد من فاتورة الخسائر الاقتصادية.

من الصعب تقدير الأضرار الاقتصادية وتكاليف حرائق الغابات، لأنها لا تكون بحساب تكاليف الإخماد والأضرار الناتجة من فقدان الأخشاب والمنازل والبنى التحتية فقط، بل يتعداها لعناصر أخرى، وعادةً ما تكون التقديرات تقريبية لحجم الضرر الاقتصادي، وعلى سبيل المثال، كانت غابة الصنوبر في جزيرة ساموس اليونانية هي المصدر الوحيد للدخل بالنسبة لسكانها، فكانَ احتراقها عامَ 2000 قطعًا لمصدر رزق هؤلاء السكان، وأثَّر أيضًا في انخفاض عدد السياح إلى أكثر من النصف في العام التالي للحريق.

وفي البرتغال قُدرت تكاليف حرائق الغابات في الفترة من 2004 إلى 2013 إلى 224 مليون دولار سنويًّا في المتوسط، وفي إسبانيا، قُدِّر متوسط الخسائر الناتجة من احتراق الغابات في عام 2013 بنحو 389 مليون دولار، وتسبب حرائق الغابات في إيطاليا أضرارًا سنوية تزيد على 586 مليون دولار.

متى تتعافى الغابات المحترقة؟

كما ذكرنا، بعض الأشجار تستفيد من الحرائق مثل أشجار الصنوبر، لأنها تتفتح وتقذف بذورها بفعل الحرارة الشديدة. ويمكن أن يكون لاحتراق الغابات تأثيرات غير متوقعة في النظام البيئي، فعلى سبيل المثال، فقد بدت الأزهار البرية وكأنها تعود للحياة بكثرة بعد الحرائق، ولكن الحشرات التي تلقحها صارت تنقلُ فقط خُمسَ ما كانت تحمله في المناطق غير المحترقة.

جزء من جبل إلينيكا في مقدونيا الشمالية خلال حرائق الغابات عام 2012.
جزء من جبل إلينيكا في مقدونيا الشمالية خلال حرائق الغابات عام 2012. مصدر الصورة: ويكيبـيديا

وفقًا لموقع «Envirobites»، فقد طوَّر علماء الغابات نماذج تعاقبية، لتوقُّع متى ستعود الأنواع الحيوانية والنباتية للظهور بعدَ وقوع أحداث مثل حرائق الغابات، ووفقًا لهذه النماذج، من المتوقع أولًا أن تعود النباتات سريعة النمو والمستفيدة من الشمس، ثم تتبعها الأنواع بطيئة النمو التي تتحمل العيش في الظل، ولكن بعد وقوع حريق، غالبًا ما تنشأ بيئة مختلفة عن التي كانت موجودة قبلها، فالحرائق الكبيرة والمتكررة تؤدي إلى تغيير في النباتات التي تنمو، وغالبًا ما تكون النباتات التي تنمو أكثر قابلية للاحتراق.

وعندما يُخمد الحريق، وتُمطر فوق المنطقة المُحترقة، تبدأ النباتات الجديدة في النمو في المناطق المتفحمة، وتبدأ البذور المخزنة في التربة في الإنبات ما لم يصبها الضرر، في حين تنبت بعض أغصان الأشجار الميتة من براعمها القاعدية.

وتختلف سرعة استعادة الغابات باختلاف شدة الحريق، فقد تحتاج الغابة إلى مساعدة خارجية لتبدأ في التعافي، وتتمثل في إعادة بذر البذور لإنشاء غطاء نباتي من جديد، وبمجرد أن تبدأ هذه الأشجار في الإنبات وتثبيت جذورها، تبدأ الأراضي العشبية الموجودة في الانحسار، وبعد وقت قليل، تنتشر الأشجار الكبيرة.

علوم

منذ شهر
تغير المناخ ليس أكذوبة صينية.. الانقراض يهدد الكوكب بعد ارتفاع حرارته 1.5 درجة

المصادر

تحميل المزيد