أعلنت كوستاريكا عام 2015م أنها أصبحت تعتمد على طاقة الرياح والشمس (الطاقة البديلة) اعتمادًا أساسيًّا بنسبة 100%، وأنه لا فحم، أو غاز، أو نفط، يجري استخدامهم لتوليد أي نوع من أنواع الطاقة التي يستهلكها 5 مليون مواطن، 94% منهم متعلِّمون. فكوستاريكا واحدة من أقل الدول أمية في العالم، والبقية الذين لا يحملون شهادات؛ 96% منهم يعرفون القراءة والكتابة.

ربما يقل الانبهار حين نعرف أن كوستاريكا بلد يعتمد على الزراعة بشكلٍ أكبر من اعتماده على الصناعة، التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة. كذلك قد تخفت الصورة شيئًا فشيئًا حين نعلم أن 20% من سكان كوستاريكا ما يزالون تحت خط الفقر، لكن ليس الفقر المُدقع، لكن مؤشر الانبهار قد يرتفع لأقصى نقطة حين تعلم أن كوستاريكا تمتلك ما لا تمتلكه معظم دول العالم حاليًا؛ الديمقراطية.

60 عامًا من النظام الديمقراطي الراسخ والمؤسسات العامة النزيهة والهيئات الرقابية الشفافة. بناء متماسك يحافظ عليه أبناء كوستاريكا بدمائهم إذا لزم الأمر، مثلما سبق وأن انتزعوه في بادئ الأمر بدمائهم، فالديمقراطية أبرز الجواهر الموجودة على الساحل، ولا يبدو أن أهالي الساحل الغني؛ كوستاريكا، مستعدون لخسرانها.

كوستاريكا.. أول «جمهورية للموز» في العالم

في القرن التاسع عشر استقلت كوستاريكا عن إسبانيا، لم تحارب كوستاريكا الاستعمار الإسباني كما فعلت باقي الدول، بل ظلت راضخةً له حتى هُزم الإسبان في المكسيك، فأعلنوا التخلي عن كوستاريكا. بعد الاستقلال داهمها حاكم نيكاراجوا كي يفرض سلطته عليها، لكن فشلت محاولته واستولى على السلطة العسكريُّ توماس جارديا. لم يكن جارديا أقل قسوةً على أبناء شعبه من المحتل الأجنبي، فبنى لنفسه طبقةً اجتماعيةً خاصة به وبأقربائه. افتتح جارديا حكمه بالرغبة في إنشاء سكة حديد تصل المحيط الهادئ بقلب كوستاريكا، حيث معظم المدن الكبرى.

صورة لمزرعة موز في كوستاريكا

صورة لمزرعة موز في كوستاريكا

دعا جارديا المهندس الأمريكي ماينور كيث لمساعدته، لكن الإرادة السياسية والإدراة الهندسية ليستا وحدهما من يستطيعا تنفيذ مشروع بهذه الضخامة، لا بد من عامليْن آخريْن؛ الأيدي العاملة، والتمويل الذي لا ينضب. العاملان الأخيران لم يتوفرا بسهولة فبات المشروع ثقلًا اقتصاديًّا على صدر كوستاريكا، فيما تأكل الأمراض الطبقة الفقيرة التي تقبل بالأعمال الشاقة، لذا لم يمكن الاعتماد عليها.

ضجر جارديا بالتفكير فمرَّر السلطات كاملةً لكيث، الذي قرر أن يستعين بالعمالة من الخارج، ليتبقى أمامه عائق وحيد وقاتل؛ التمويل. للتغلب على هذا العائق فكر كيث في حل غير تقليدي، زراعة الموز. يبدأ أولًا بزراعة الموز، ثم تصديره، ثم جني الأرباح التي يتمنى أن تكون كافية لتمويل مشروع السكة الحديد لاحقًا.

نجح المشروع واشتهر موز كوستاريكا، لكن لم يدرك كيث أنه بطريقة غير مباشرة يصكُّ أحد أشهر المصطلحات السياسية عبر التاريخ؛ «جمهورية الموز»، ذلك المصطلح الذي يشير إلى دولةٍ غير ديمقراطية تعتمد على مصادر محدودة للدخل القومي. ولأنه في جمهوريات الموز لا تتحقق الوعود السياسية أبدًا، فلم تُبن السكة الحديدية رغم أرباح الموز الضخمة.

حين يغضب الأغنياء تحدث الانقلابات

مات الرجل القوي جارديا فارتفعت تنهدات الشعب الغاضب، صاغ خوسيه رودريجيز تلك الصيحات الغاضبة في خطب سياسية ليبرالية، ونجح في إزاحة أنصار جارديا عن المشهد السياسي، لكن السلطة فرَّغت خطاباته من حقيقتها فبات يحكم بديمقراطية شكلية فحسب. بعده في عام 1914م أتي جونزا فلورس ليصبح رئيسًا اختاره البرلمان دون أن يترشح في الانتخابات أصلًا، لأن المرشحين الفعليين فشلوا جميعًا في الحصول على الأغلبية الكافية اللازمة لفوز أي منهم.

أولى خطوات فلورس كانت مغازلة الشعب بمنحه دعمًا ماليًّا مباشرًا، مع الوقت نفدت أموال الدولة فاتجه فلورس إلى نباتٍ جديد هذه المرة، البن. لكنه لم يزرعه لينتظر أرباحه، بل فرض ضرائب مباشرة على تجاره، الذين كانوا من الأغنياء؛ فحبوب البن الكوستاريكية قد اكتسبت شهرة عالمية في فترة وجود الإسبان. أنقذت الضرائب فلورس بعضًا من الوقت، لكن الحرب العالمية قامت، فتدهور الاقتصاد ولم يعد في الشعوب بال رائق لاحتساء القهوة فانهارت أسعارها.

ولأن فلورس لا يستطيع أن يقسو على الفقراء لأنهم دعامة حكمه؛ فولَّى وجهه شطر الطبقة الغنية بالكامل، وفرض عليهم ضرائب باهظة دفعتهم لتهريب أموالهم لخارج كوستاريكا، فزادت أحوال البلاد سوءًا. لم تعد الطبقات الغنية والنافذة تطيق فلورس؛ فدبَّرت ضده انقلابًا عام 1917م، لكن قادة الانقلاب لم يعلنوا الولاء للولايات المتحدة وأعلنوا رفضهم لتدخلها، فكان من البديهي أن يفشل الانقلاب.

لكن على جانب آخر، لا يعني فشل الانقلاب عودة الديمقراطية، بل عادت نسخة مشوهة من الانتخابات لا شفافية فيها، فباتت كوستاريكا في منطقة رمادية بين الانقلاب والديمقراطية، وظلت الانتخابات تبلي الشعب بقادة لا يرغبهم الناخبون. وفي عام 1940م تجلى الأمر واضحًا؛ إذ فاز رافائيل كالديرون، سليل عائلة جارديا التي سبق وأن ضاق بها الشعب سابقًا.

التاريخ يدور كأن ثورةً لم تحدث!

في أربعة أعوام فقط استطاع سليل جارديا أن يُحكم قبضته على المشهد السياسي بالكامل، لكنه لم يرغب في أن تكون سيطرته فجةً فالتزم بالدستور القائل إنه لا يجوز للرئيس أن يحكم ولايتين متتابعتين ورشَّح حليفه تيودور بيكادو. بيكادو كان ضعيفًا لا يُحرك ساكنًا، وبدا جليًّا أنه واجهة رسمية لحكم كالديرون، ولكي يخفي بيكادو ضعفه، ولكي يُحكم كالديرون قبضته أكثر أطلقا قبضة الجيش، فخنقت القوة العسكرية كل الأصوات الشيوعية التي بدأت في الظهور.

انتهت ولاية بيكادو، ولم يكن مفاجئًا أن المرشح الجديد هذه المرة هو كالديرون، لكن المفاجأة أنه ترشح باسم العمال والأصوات الغاضبة الفقيرة، لا باسم الأغنياء المسيطرين. كانت تلك حيلة اضطر لها كالديرون؛ إذ أعلن دعمه للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، فاكتسب عداء الألمان الموجودين في كوستاريكا، والذين لسوء حظه كانوا من تجار القهوة الأثرياء وذوي النفوذ الكبير.

كان الشعب أكثر ذكاء مما تصوره كالديرون فلم ينخدع بهذه الحيلة، خسر كالديرون وفاز صحافي معارض، أوتيليو أولاتي. لكن لم يعترف كالديرون بالنتيجة واتهم لجنة الانتخابات بالتزوير، ونجح في الضغط لإلغاء النتيجة، ثم نصَّب نفسه بالقوة رئيسًا للبلاد.

كان إعلانه بمثابة الشرارة التي أشعلت حربًا أهلية بين سكان البلد الواحد، قوات كالديرون من جهة، وقوات الثوَّار التي كانت مزيجًا من اليمين المعادي للشيوعية، والمحافظين الراغبين في الحفاظ على تجارة البلاد بعيدًا عن قبضة كالديرون، ومجموعة من الديمقراطيين الرافضين فكرة الشيوعية التي يزعم كالديرون رغبته في تطبيقها.

Embed from Getty Images

ولأن الثوَّار كانوا يعارضون الشيوعية؛ فكان من المنطقي أن ينالوا دعم الولايات المتحدة، وعليه انتهت الأمور لصالحهم بعد 44 يومًا من القتال، مات فيهم ألفا مواطن. خسر كالديرون وانتصر قائد المعارضة فيجويريس وعُرفت الحرب باسم حرب التحرير الوطني. بعد انتهاء الحرب كتب المنتصرون دستورًا جديدًا للبلاد لا مكان للجيش فيه ولا في البلد بالكامل، فقد حلَّ دستور عام 1949 الجيش واعتمد في تأمين الحدود على التحالف القائم بين كوستاريكا والولايات المتحدة الأمريكية.

لا جيش ولا توصيل للبريد في هذه البلد!

الدستور الجديد، والنظام الجديد كاملًا، جعلا كوستاريكا دولة تميل نحو الرفاهية وتبعد عن الإزعاج السياسي الذي يملأ العالم. فاهتمت بالتعليم والصحة حتى صارت مثالًا مرموقًا بين الدول، وباتت تمتلك مؤسسات ذات مصداقية وشفافية معترف بها من غالبية دول العالم. التبرير الرسمي لهذا التطور، كان أن الجيش يستنزف ميزانية الدول، فبدلًا من الإنفاق على الثكنات والجنود يمكن الإنفاق على المُعلِّمين والمتاحف والرفاهية الاجتماعية، ما يقي البلاد من الدخول في حروب أهلية داخلية أو التورط في مشكلات عسكرية خارجية.

ربما يجب أن نذكر هنا أن كوستاريكا بلد بلا جيش لكنها ليست بلا جهاز لحماية الحدود وإنفاذ القانون؛ فالشرطة هي المسئولة عن الاثنين. ويبلغ عدد قوات الشرطة قرابة 8 آلاف شرطي تتوزع مهامهم ما بين حماية حدود الدولة وبين حفظ الأمن الداخلي. وأكثر مناطق نشاط قوات الشرطة هي الحدود المشتركة مع بنما ونيكاراجوا، حيث تجري عمليات تهريب البشر والمخدرات.

دولي

منذ 9 شهور
الراعي الرسمي للانقلابات فيها.. لماذا تتدخل أمريكا في شؤون أمريكا اللاتينية؟

بعد أن انتهت الدولة من خلافاتها الخارجية وصراعاتها الداخلية بدأت مرحلةً جديدةً من القوانين الصديقة للبيئة وللإنسانية. قد حظرت كوستاريكا الصيد الترفيهي منذ عام 2012م، وهي في ذلك أول دولة في العالم. وخصصت 25% من أراضيها لمتنزهات وطنيَّة، وبها أكثر من 100 محمية طبيعية، و5% من إجمالي الحيوانات والطيور والحشرات والفراشات والحيوانات المفترسة والأليفة الموجودة في العالم. كما أن بها أكبر ملجأ للكلاب الضالة في العالم، يجري تجميع الكلاب فيها، ويُسمح لعشاق الكلاب بزياراتها والتبرع لها.

لذا ليس مفاجئًا أن كوستاريكا تحتل دائمًا ترتيبًا متقدمًا في مؤشرات السعادة العالمية، فبالتأكيد سوف تشعر بالسعادة والهدوء إذا كنت من سكانها، إلا إذا كنت ممن لا يحبون المشي؛ لأن كوستاريكا حتى اليوم لا تسمح بخدمات توصيل الطرود أو البريد للمنازل، ولا بد من القيام والذهاب إلى مكتب البريد المحلي لاستلام الخطابات والطرود المرسلة إليك!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد