في كثير من الأحيان تراودنا فكرة زيارة طبيب نفسي بسبب أزمة عاطفية مررنا بها، أو صدمة واجهتنا في الطفولة ولا نستطيع التخلص من آثارها السلبية التي تظهر علينا في شكل قلق وأرق واكتئاب؛ ولكننا لا نجد الشجاعة الكافية للحديث مع شخص غريب عن أكثر الأفكار المخجلة والمؤلمة التي تطفو على أذهاننا، وفي النفس الوقت لا نجد الجرأة للكشف عن تلك التفاصيل للمقربين منّا، لكن ماذا لو كان هناك تطبيقات مثل «تطبيق سارة» يمكن تشغيلها على هاتفنا لتعمل عمل الطبيب النفسي في علاج كل من الأرق، والاكتئاب، والتوتر، والقلق المزمن؛ هل سنلجأ إليه؟

هذا السؤال لا يتعلق بالخيال، بل هو واقع يخطو خطواته الأولى في عالم تقدم فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مهمات العلاج النفسي، فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعالجنا نفسيًا؟ في هذا التقرير نحاول الإجابة عن هذا السؤال.

الوباء وقلة الخدمات ساهمت في تطوير تطبيقات العلاج النفسي

بعيدًا عن الوصمة الاجتماعية، التي قد تمنع الكثير من الناس أن يلجأوا للطب النفسي، فهناك نقص في الخدمات الطبية النفسية من ناحية الموارد والأطباء، ووفقًا للإحصاءات المنشورة عام 2021 في بريطانيا، فهناك طبيب نفسي استشاري واحد فقط لكل 12 ألفًا و600، ولذلك لجأ البشر للعامل المساعد الذي بدأوا يتكئون عليه مؤخرًا في معظم المجالات؛ وهو التكنولوجيا المدعمة بالذكاء الاصطناعي، من خلال طرح برامج وتطبيقات يمكنها علاج مرضى الاكتئاب والقلق المزمن، وتقديم حلول ودعم نفسي للمريض.

ففي منتصف عام 2020 انتشرت أخبار أول تطبيق من هذا النوع تحت عنوان «World’s First AI Therapist, SARAH, is Born» أو «سارة، أول معالج نفسي مصمم بالذكاء الاصطناعي»؛ وهو عبارة عن تطبيق يمكن لمرضى القلق والاكتئاب تحميله على هاتفهم والحديث معه في أوقات الضيق، ويقدم لهم بدوره النصائح وفقًا لحالتهم.

المعالجة النفسية الإلكترونية «سارة» كما في المقطع المصور أعلاه، تُقدّم نفسها للمرضى على كونها طبيبًا نفسيًا متخصصًا لديه كل المعلومات والنظريات التي تتيح لها القدرة على تحليل نفسية المستخدمين، ومعرفة حالتهم المزاجية من خلال نبرات صوتهم، وعليه تُغيّر نبرة صوتها وفقًا لحالة المستخدم النفسية، كما أنها قادرة على تخزين المعلومات التي يمنحها لها المستخدم في كل مرة يتحدث معها.

«لا ينبغي أن يكون العلاج النفسية مدته 45 دقيقة في الأسبوع، هذا باهظ الثمن، بل يجب أن يكون متاحًا للجميع، وتلك كانت الفكرة من وراء انتشار سارة المعالجة النفسية»؛ هكذا يوضح علي رضا دهقان مؤسس التطبيق.

وقد ساهمت العزلة التي عانى منها البشر وقت انتشار وباء كورونا في تسريع تطوير هذا النوع من الذكاء الاصطناعي ليكون عاملًا مساعد للبشر في منازلهم أثناء فترة الحجر الصحي، وأتاح هذا النظام أن تتطور شخصية «سارة» بشكل مختلف مع كل مريض وفقًا للأحاديث التي تدور بينهما.

وتتميز «سارة» بميزة فريدة وهي القدرة على استدعاء المحادثات السابقة واكتشاف طبيعة مشاعر وعواطف المستخدم من خلال اهتزازات الصوت وتهدئة المستخدمين من خلال تقديم حلول أو من خلال الفهم والاستماع.

كما تقدم «سارة» ميزة التذكير والتتبع للمتابعة مع المريض، ويمكن لـ«سارة» مساعدة الأفراد، والأزواج، والعائلات في مجالات متعددة من العلاج، من الاكتئاب إلى اضطراب ما بعد الصدمة ومن تقديم المشورة للأزواج إلى علم نفس الأطفال.

وعلاوة على ذلك يمكن لـ«سارة» تقديم المشورة لمستخدميها حول الطرق التي يمكنهم من خلالها تحسين علاقتهم مع أنفسهم، بالإضافة إلى مؤشرات حول كيفية تخليص أنفسهم أخيرًا من عاداتهم السلبية واستبدال بها عادات إيجابية.

ولا تعد «سارة» الأولى من نوعها في هذا المجال، فقد وفر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» محادثات مع ذكاء اصطناعي بغرض تحسين الحالة الفسية خلال العام 2017 تحت اسم «Woebot» والذي لم يزل متاحًا على «متجر جوجل» و«متجر آبل».

كيف يعمل هذا الذكاء الاصطناعي؟

والآن إذا كنت تحمست لهذا النوع من العلاج النفسي، وشعرت بالخصوصية بمجرد تخليّك أن هناك معالجًا نفسيًا إلكترونيًا بين يديك طوال اليوم من قبيل «سارة»؛ فعليك أن تعرف كيف يعمل هذا الاصطناعي؟ وكيف يمكنه تحليل البشر نفسيًا؟

في دراسة نُشرت عام 2021 تحت عنوان «AI Therapist using CBT Module and DNN Algorithm» والتي أوضحت الطريقة التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي الذي يقوم بدور الطبيب النفسي أشارت إلى وجود تقنيتين هي الـ«Deep Neural Network»، وهي تقنية تعلم آلي تخص الذكاء الاصطناعي، والثانية هي «Cognitive Behavior Therapy Modules» هي المنهج العلاجي النفسي الذي يتبعه الذكاء الاصطناعي.

ويتيح التعلم الآلي للبرامج والأنظمة التعلم بدون برمجة صريحة من البشر، ولكن تلك العملية معقدة للغاية وتنفيذها ليس بسيطًا، ويجري هذا من خلال خوارزميات في غاية التعقيد تعتمد على تدريب الذكاء الاصطناعي على الوصول لنتيجة بشكل مستقل بناءً على المعطيات المتاحة له، حتى يصل الذكاء الاصطناعي لمرحلة تسمى «التعليم العميق».

وهي التقنية المستخدمة في برامج الذكاء الاصطناعي المخصصة للعلاج النفسي، ويهدف «التعلم العميق» إلى محاكاة المخ البشري، بحيث يمكن للآلات التعامل في المواقف المختلفة، والتمييز بين الأصوات والوجوه.

أما التقنية الثانية التي تخص المنهج العلاجي الذي يتعلمه الذكاء الاصطناعي من خلال «التعلم الآلي» فهي «Cognitive Behavior Therapy Modules» أو «وحدات العلاج السلوكي المعرفي»، ويُعرف هذا النوع من العلاج بأنه واحد من طرق العلاج النفسي التي تهدف إلى مساعدة المريض النفسي على إدراك وتفسير طرق تفكيره السلبية والعمل على جعلها أكثر إيجابية وواقعية، وهذا من خلال التفاعل وتبادل الخبرات بين المريض والمعالج النفسي.

إذ تسير جلسات العلاج المعرفي السلوكي في العالم الواقعي وفق خطوات محددة يتدرب عليها المُعالج النفسي تدريبًا محترفًا، فيبدأ العلاج بحديث المريض عن المشكلات التي يعاني منها، وبعد التعرف على تلك المشكلات يجري الاتفاق على محتوى الجلسات القادمة والاتفاق على الطرق التي سيتبعها كل من المعالج والمريض لمعالجة تلك المشكلات.

وخلال تلك الجلسات قد يؤدي المريض مجموعة من التمارين مع المعالج النفسي بغرض استخلاص الأفكار والمشاعر التي بداخله، والتي تتسبب في تبنيه عادات سلوكية مضرة له، وفي نهاية كل جلسة يتفق المعالج مع المريض على مجموعة من التمارين التي يجب أن ينفذها وحده، وهي في الغالب تمارين عقلية ونفسية، وليست جسدية، وفي الجلسة الجديدة يبدأ المعالج بالمرور على النتائج التي حصل عليها من تدريبات المريض ومناقشة التحسن الذي طرأ عليه بعد قيامه بتلك التمرينات.

ولكن العلاج المعرفي السلوكي غير صالح لجميع الأمراض النفسية، بل يمكنه علاج مجموعة بعينها من الاضطرابات النفسية مثل، المشكلات المتعلقة بالغضب، والقلق المزمن ونوبات الهلع، والاكتئاب، والعادات الادمانية، واضطرابات تناول الطعام، واضطراب الوسواس القهري، اضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات النوم، وتلك هي الأمراض التي يمكن للذكاء الاصطناعي مثل تطبيق «سارة» أن يقدم حلولًا لها.

عامل مساعد ناجح في العلاج النفسي.. فهل يصبح أساسيًا؟

استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى النفسيين، وسيلة استخدمها العديد من الأطباء عاملًا مساعدًا في السنوات القليلة الماضية، واستطاع الذكاء الاصطناعي أن يثبت نجاحه في هذا الأمر، ولكنه لم يكن نجاحًا مبهرًا وفقًا لبعض الأطباء النفسيين الذي قيموه بدرجة «سيئ» في قدرته على تحليل تعبيرات وجه المريض، ونبرة صوته، وهي نتيجة لا تدعو للتفائل.

لكن من الناحية الأخرى أكد هؤلاء الأطباء أن الذكاء الاصطناعي يكون مفيدًا بشكل أكبر في تحليل بيانات المريض على مواقع التواصل الاجتماعي بغرض اكتشاف أي نمط في كلماته قد تشير إلى حالة اكتئاب أو ميول انتحارية.

في دراسة نُشرت بالعام 2019 تحت عنوان «Your Robot Therapist Will See You Now: Ethical Implications of Embodied Artificial Intelligence in Psychiatry, Psychology, and Psychotherapy» والتي كانت تبحث في الآثار الأخلاقية للذكاء الاصطناعي المستخدم في العلاج النفسي، أكدت أن هناك فوائد كبرى لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أولها إمكانية الوصول لعدد أكبر من المستخدمين، وإتاحة فرصة للمرضى الذين يصعب الوصول إليهم.

لكن على الجانب الآخر أشارت الدراسة إلى إشكاليات أخلاقية تتعلق بالمسألة، إذ إن تلك التقنية قد لا تعبأ بأي أطر أخلاقية، بالإضافة إلى احتمالية إساءة استخدام البيانات المجمعة من جانب الذكاء الاصطناعي فيما يخص بيع أو التصرف ببيانات المستخدمين، ولذلك نصحت بضرورة الشفافية في استخدام تلك الخوارزميات أمام المرضى الذين يطبق عليهم هذا النهج الجديد، مع توضيح الآثار طويلة المدى في استخدام الذكاء الاصطناعي للعلاج النفسي.

إذ إن تلك التقنية لم تزل مثل أي تكنولوجيا جديدة محل قبول من البعض، وشك من البعض الآخر من جانب الأطباء النفسيين، فيما تقابل بحذر حتى الآن من طرف الكثير من المستخدمين، فتطبيق مثل «Woebot» الموجود على «متجر جوجل» منذ العام 2019 لم يجر تحميله سوى 11 ألف مرة فقط في أنحاء العالم، ولكن في المقابل حصل على تقييم 4.7 من جانب هؤلاء المستخدمين، ولم يزل تطبيق «سارة» يشق طريقه دون ضجيج، والسؤال لك عزيزي القارئ؛ هل سيكون الأفضل لك أن يعالجك طبيب بشري مثلك، أم الذكاء الاصطناعي؟

المصادر

تحميل المزيد